تحقيقات وتقارير

“ذهب يُسيل اللعاب”… الثروة في مالي عامل جذب للصراع

“ذهب يُسيل اللعاب”… الثروة في مالي عامل جذب للصراع

عبد الله مولود

نواكشوط – : لم يعد السؤال المطروح في مالي، من يسيطر على الأرض؟ بل أصبح السؤال أعمق من ذلك: أي نموذج للحكم يمكن أن يُنهي دوامة العنف ويعيد بناء هذه الدولة التي مزقتها الانقلابات؟

فبعد سنوات من التدخلات الدولية، وتبدّل التحالفات، وصعود فاعلين جدد، تتبلور اليوم رؤيتان متعارضتان للحل، إحداهما تراهن على القوة والاستمرار، وأخرى تدفع نحو إعادة تأسيس النظام السياسي عبر تسوية واسعة.

صراع الأجندات

وتتشابك أجندات قوى دولية وإقليمية تعكس صراعاً متعدد المستويات، فبينما تسعى فرنسا إلى الحفاظ على نفوذها التقليدي تحت غطاء مكافحة الإرهاب، تستغل روسيا الفراغ عبر دعم عسكري مباشر لتعزيز حضورها والحصول على مكاسب استراتيجية واقتصادية. وتقدم خدمات مرتزقتها من الفيلق الإفريقي لحكومة مالي مقابل أموال طائلة ضمن صفقة “الأمن مقابل الذهب”.

تحاول كل من الأمم المتحدة والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا إدارة الأزمة بين الأمن والشرعية السياسية

وفي المقابل، تحاول كل من الأمم المتحدة والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا إدارة الأزمة بين الأمن والشرعية السياسية دون نجاح حاسم، فيما تتمسك الجزائر بخيار الوساطة لحماية استقرار حدودها.

وعلى مستوى آخر، برزت الإمارات العربية المتحدة عبر نفوذ اقتصادي أمني مرن يركز على الاستثمار والشراكات في مجال التنقيب عن الذهب، مقابل نموذج المغرب القائم على القوة الدينية والتنموية الناعمة، ما يجعل الساحة المالية مجالاً مفتوحاً لتقاطع استراتيجيات متباينة تتنافس على النفوذ بقدر ما تعجز عن إنتاج حل شامل.

ويتجه الصراع الدولي في منطقة الساحل، وخاصة في مالي، نحو مزيد من التعقيد بعد عقود من النفوذ الفرنسي التقليدي الذي استمر منذ الاستقلال وحتى عام 2020، حيث ظلت الأنظمة المتعاقبة ضمن دائرة التأثير الفرنسي.

قاصمة الظهر

غير أن انقلاب عاصمي غويتا غيّر موازين القوى، إذ أدى تشديدُ الضغوط الإقليمية والدولية، وفرض العقوبات، إلى دفع باماكو نحو موسكو، التي رأت في ذلك فرصة لتعزيز حضورها الاستراتيجي في مواجهة الغرب.

وفي هذا السياق، لم يعد المشهد مقتصراً على تنافس فرنسي روسي، بل اتسع ليشمل أطرافاً أخرى مثل تركيا التي قدمت دعماً عسكرياً، والصين التي عززت نفوذها الاقتصادي، إلى جانب اتهامات لأوكرانيا بدعم جماعات الأزواد، ما جعل مالي ساحة مفتوحة لصراع دولي متعدد الأبعاد.

يتجاوز الصراع الأبعاد الأمنية والسياسية ليشمل ثروة مالي من الذهب، إذ تُعد من أبرز منتجيه في إفريقيا، ما يجعلها ساحة تنافس بين قوى دولية وإقليمية

وفي مالي، يتجاوز الصراع الأبعاد الأمنية والسياسية ليشمل ثروتها من الذهب، إذ تُعد من أبرز منتجيه في إفريقيا، ما يجعلها ساحة تنافس بين قوى دولية وإقليمية تسعى للنفوذ في بيئة غنية بالموارد وهشة في آن واحد.

ورغم أن الذهب يمثل ركيزة أساسية لاقتصاد البلاد عبر مساهمته الكبيرة في الصادرات وتوفير العملة الصعبة، وتوزعه بين مناجم صناعية وأخرى تقليدية، فإن هذه الثروة تحولت إلى عامل جذب للصراع بدل أن تكون مصدر استقرار، بسبب تداخل مصالح الشركات الكبرى مع حسابات القوى الخارجية، في ظل ضعف الدولة وغياب الأمن.

مخاطر الانزلاق

ويعكس الوضع الميداني في مالي حالة هشاشة متزايدة، مع تعدد الفاعلين المسلحين واستهداف خطوط الإمداد، ما يهدد قدرة الدولة على الصمود، خاصة في العاصمة باماكو، كما تبرز مؤشرات على احتمال انهيار السلطة في ظل الضغوط الأمنية والاقتصادية، رغم إدراك القوى الدولية خطورة سقوط الدولة بيد الجماعات المتطرفة.

يعكس الوضع الميداني في مالي حالة هشاشة متزايدة، مع تعدد الفاعلين المسلحين واستهداف خطوط الإمداد

وفي خضم هذا المشهد، تبرز شخصيات دينية واجتماعية مالية، أبرزها الإمام محمود ديكو المقيم في الجزائر كعناصر محتملة للوساطة، إلى جانب أدوار منتظرة لدول الجوار، خصوصاً موريتانيا والجزائر، التي قد تمتلك مفاتيح التأثير في مسار أي تسوية مستقبلية، في وقت يلوح فيه خطر انزلاق المنطقة نحو فوضى واسعة النطاق.

منطق القوة

تستند السلطة القائمة في مالي إلى خيار واضح يقوم على تعزيز القبضة الأمنية والاعتماد على الشراكة مع روسيا، خصوصاً عبر دعم مجموعة الفيلق الإفريقي، باعتبارها رافعة لإعادة فرض السيطرة على الأرض.

وتتأسس هذه المقاربة على ثلاثة أركان، أولها الحسم العسكري بصفته المدخل الأول لأي استقرار، والثاني رفض الضغوط الغربية، خاصة بعد تجربة فرنسا، والثالث تعزيز خطاب السيادة الوطنية في مواجهة التدخلات الخارجية.

وتعول السلطة العسكرية في مالي على أدوات، بينها تكثيف العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة، وإعادة انتشار الجيش في مناطق الشمال والوسط، وبناء تحالف أمني بديل عن الشركاء التقليديين.

ورغم تسجيل بعض المكاسب الميدانية، فإن هذه المقاربة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها استمرار هجمات جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، واتساع رقعة العنف في مناطق جديدة، كما أن الاعتماد المفرط على المقاربة الأمنية لم يُعالج الأسباب البنيوية للأزمة، مثل التهميش وضعف الدولة.

وتعكس هذه الاستراتيجية منطق “الدولة القوية أولاً”، لكنها تحمل مخاطر الاستنزاف، خاصة في ظل اقتصاد هش وجبهات متعددة. كما أن ربط الاستقرار الداخلي بتحالف خارجي واحد قد يحد من هامش المناورة مستقبلاً.

تدفع أطراف معارضة نحو مسار مختلف، يقوم على إعادة ترتيب المشهد السياسي من جذوره، حتى لو تطلب ذلك تغييراً في رأس السلطة

في المقابل، تدفع أطراف معارضة نحو مسار مختلف، يقوم على إعادة ترتيب المشهد السياسي من جذوره، حتى لو تطلب ذلك تغييراً في رأس السلطة.

وتشمل هذه المقاربة الدعوة إلى إزاحة النظام عبر تغيير سياسي جذري بما في ذلك سيناريو الانقلاب، يتلوه إطلاق حوار وطني شامل برعاية الأمم المتحدة أو أطراف دولية، مع إشراك جميع الفاعلين، بما في ذلك القوى التقليدية والقبلية، والحركات المسلحة، والنخب السياسية المدنية، وحركة تحرير أزواد، والفاعلون التقليديون والقبليون، وحتى المكونات المرتبطة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين بشكل غير مباشر عبر وساطات.

وتشمل منطلقات هذا الخيار الاعتراف بأن الحل العسكري وحده غير كافٍ، والحاجة إلى معالجة الجذور السياسية والاجتماعية للصراع، مع استلهام تجارب تسويات سابقة في إفريقيا.

لكن هذا الطرح يواجه، بدوره، إشكالات معقدة، أبرزها صعوبة إشراك جماعات مصنفة “إرهابية” في مسار سياسي، وخطر انهيار الدولة في حال حدوث تغيير مفاجئ في السلطة، وتعقيدات التوفيق بين مطالب متناقضة تتمثل بوحدة الدولة مقابل الحكم الذاتي.

أي المسارين أفضل؟

تراهن السلطة في مالي على الحسم العسكري، بينما ترى المعارضة أن التفاوض الشامل هو المدخل الوحيد للاستقرار.

وتستند السلطة إلى شرعية الأمر الواقع والسيطرة، في حين تراهن المعارضة على شرعية توافقية جديدة، كما أن المقاربة العسكرية طويلة ومكلفة، بينما قد يكون الحوار أسرع، لكنه محفوف بالمخاطر.

الرهان على الحسم العسكري وحده لم يعد كافياً، كما أن تضارب أجندات القوى الدولية والإقليمية يفاقم حالة الانسداد

ويرى بعض المحللين أنه بالإمكان الجمع بين الخيارين، لأن أياً منهما غير كاف بمفرده، كما أن التجارب في الساحل تُظهر أن الحسم العسكري دون حل سياسي يؤدي إلى عودة التمرد، وأن الحوار دون توازن في القوة قد يظل حبراً على ورق. لذلك، فقد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو مقاربة هجينة تجمع بين ضغط عسكري يحد من نفوذ الجماعات المسلحة، ومسار سياسي تدريجي يفتح الباب أمام إدماج أكبر عدد ممكن من الفاعلين.

والحقيقة أن أزمة مالي أبرزت للجميع أن الرهان على الحسم العسكري وحده لم يعد كافياً، كما أن تضارب أجندات القوى الدولية والإقليمية يفاقم حالة الانسداد بدل أن يفتح أفق الحل.

فبين مقاربة القوة التي تدفع بها بعض الأطراف، ورهانات التسوية الشاملة التي تطرحها أخرى، يظل المخرج الحقيقي رهين القدرة على بناء توازن دقيق بين الأمن والسياسة والتنمية، بما يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.

فبدون ذلك، ستبقى مالي عالقة في حلقة مفرغة من العنف وإعادة إنتاج الصراع، حيث لا غالب فعلياً، بل هناك دائماً خاسر أكبر هو دولة مالي ومجتمعها معاً.

“القدس العربي”

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب