«رابح-خاسر أم رابح- رابح؟ |قراءة استراتيجية في مآلات التصعيد الأميركي-الإيراني»

«رابح-خاسر أم رابح- رابح؟ |قراءة استراتيجية في مآلات التصعيد الأميركي-الإيراني»
د. ثائر العجيلي
المقدمة :
في خضمّ التصعيد المتسارع حول إيران، وما يرافقه من تصريحات أمريكية متناقضة بين التهديد والتهدئة، ومن ردود إيرانية محسوبة على الأرض، لم تعد الأزمة تُقرأ بوصفها اقترابًا تلقائيًا من الحرب، ولا مجرد جولة ضغط عابرة. ما يجري اليوم هو صراع على شكل النهاية، لا على بدايتها. فالولايات المتحدة، في ظل الفكر الترامبي، لا تبدو متجهة بالضرورة نحو إسقاط النظام الإيراني، بقدر ما تسعى إلى إضعافه وتحييده عبر تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية واضحة:
كبح البرنامج النووي، تحجيم القدرات الصاروخية، وتقليص النفوذ الإقليمي الذي بات مصدر تهديد مباشر للمصالح الأميركية وحلفائها.
في المقابل، يدفع الفكر النتنياهوي بالاتجاه ذاته من حيث الأهداف، لكن بمنطق مختلف جذريًا: كسر النظام نفسه باعتباره أصل المشكلة لا أحد أعراضها. هذا التباين في الرؤيتين لا يعكس خلافًا في الغايات، بل اختلافًا في محصّلة الصراع المقبولة.
هل تكون نهاية الأزمة «رابح-خاسر»، حيث يفرض طرف كلفته القصوى على الآخر؟
أم «رابح-رابح»، حيث تُعاد هندسة التوازنات عبر تسويات قسرية تحفظ المصالح وتمنع الانفجار؟
في قلب هذه المعادلة، تقف إيران بعقل دولتها المزدوجة، لا كطرف منفعِل، بل كفاعل استراتيجي محنّك، يحمل خبرة طويلة في إدارة الأزمات المركّبة، ويجيد فنّ “حياكة السجاد”: التضحية بخيط هنا، وتعديل نقشة هناك، مقابل الحفاظ على تماسك النسيج العام . بالنسبة لطهران، ليس كل نفوذ مقدسًا، ولا كل ساحة تستحق المواجهة حتى النهاية، ما دام جوهر النظام وإمكان استمراره قابلين للحماية. وهنا يبرز العراق بوصفه العقدة الأكثر حساسية في المشهد. ليس لأنه ساحة نفوذ فحسب، بل لأنه المعقل الأخير للنفوذ الإيراني الحقيقي القابل للاستثمار السياسي والاقتصادي، وفي الوقت نفسه ساحة حيوية للمصالح الأميركية وحماية حلفائها. من هذه الزاوية، يصبح العراق مساحة اختبار لتقاطع الاستراتيجيتين:
إلى أي حد يمكن لطهران أن تُعيد ترتيب أوراقها، ولو عبر التضحية ببعض الأذرع، مقابل الإبقاء على معادلة حكم لا تُقصيها بالكامل؟
وأي حكومة في بغداد يمكن لواشنطن أن تتعامل معها لضمان ضبط السلاح، حماية الدولار، وحماية المصالح الأميركية وحلفائها دون دفع البلاد إلى فراغ أو فوضى؟
انطلاقًا من هذه الأسئلة، تحاول هذه المقالة قراءة مآلات الأزمة الراهنة لا من زاوية “هل ستقع الحرب؟”، بل من زاوية كيف يُدار الخروج منها.
هل نحن أمام معادلة «رابح-خاسر»، أم أن منطق المرحلة يفرض – ولو مؤقتًا – تسوية «رابح- رابح» تُعيد رسم النفوذ وتجمّد الصراع دون أن تحسمه؟
1- الأزمة ليست حربًا… بل تفاوضًا بالقوة
على عكس ما توحي به لغة التصعيد المتبادلة، فإن المشهد الراهن بين الولايات المتحدة وإيران لا يتحرك وفق منطق الانزلاق الحتمي إلى الحرب، بل وفق منطق التفاوض بالقوة. التهديد هنا ليس إعلان مواجهة، بقدر ما هو أداة لإعادة رسم شروط النهاية، ورفع سقف المطالب، وتحسين موقع التفاوض لكل طرف قبل الوصول إلى تسوية أو تثبيت معادلة ردع جديدة . التصريحات الأمريكية المتناقضة ، بين التحذير والتطمين، ليست ارتباكًا في القرار بقدر ما هي جزء من إدارة ضغط محسوبة. فالتلويح بالخيار العسكري يُستخدم لفرض إيقاع سريع على الخصم، بينما تُترك أبواب التهدئة مواربة لتفادي الانفجار غير المحسوب. هذا الأسلوب يعكس فلسفة سياسية ترى أن الحرب ليست هدفًا بحد ذاتها، بل ورقة أخيرة يُفضَّل التلويح بها بدل استخدامها، طالما يمكن تحقيق الأهداف عبر كلف أقل . في المقابل، تدرك طهران أن الردّ الانفعالي أو الانجرار إلى مواجهة مباشرة يخدم خصومها أكثر مما يخدمها. لذلك، تتعامل مع التصعيد بوصفه مرحلة اختبار للأعصاب لا لحسم عسكري. الردود الإيرانية غالبًا ما تأتي مدروسة، محدودة السقف، قابلة للتراجع أو التجميد، بما يحقق معادلة دقيقة :
عدم الظهور بمظهر الضعف، دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
هذا النمط من السلوك المتبادل يعكس حقيقة أعمق: الأطراف المعنية لا تبحث عن حرب شاملة، بل عن تعديل قواعد الاشتباك. الولايات المتحدة تسعى إلى انتزاع التزامات واضحة ومحددة، وإيران تحاول تقليص الخسائر، وكسب الوقت، وإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية بما يحفظ جوهر النظام. حتى في ذروة التصعيد، يبقى هناك خيط تواصل غير مباشر، ورسائل محسوبة، وسقوف غير معلنة لا يُراد تجاوزها. فالحرب الشاملة تعني فوضى إقليمية يصعب التحكم بمساراتها، وتهديدًا مباشرًا للمصالح الاقتصادية والأمنية العالمية، وهو سيناريو لا يبدو أن أيًّا من الطرفين مستعد لتحمّل كلفته الآن. من هنا، يمكن فهم الأزمة الراهنة بوصفها مواجهة إرادات داخل غرفة تفاوض غير معلنة، تستخدم فيها القوة والتهديد والردع كوسائل ضغط، لا كغايات نهائية. إنها مرحلة شدّ وجذب، يُختبر فيها من يملك القدرة على الصبر، ومن يستطيع تحمّل الكلفة النفسية والسياسية للتصعيد دون أن ينكسر.
هذه القراءة تفتح الباب للسؤال الأهم الذي ستعالجه المحاور التالية:
إذا لم تكن الحرب هي الهدف، فما الذي تسعى واشنطن إلى تحقيقه تحديدًا؟
وهل يمكن بلوغ تلك الأهداف دون إسقاط النظام، أم أن منطق الكسر سيعود ليفرض نفسه؟
2- أهداف واشنطن الثلاث: تحييد النظام لا إسقاطه
إذا كانت الأزمة الراهنة تُدار بمنطق “التفاوض بالقوة”، فإن فهمها يقتضي تفكيك ما تسعى إليه واشنطن تحديدًا، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي. فالمقاربة الأمريكية، خصوصًا في ظل الفكر الترامبي، لا تنطلق من هدف إسقاط النظام الإيراني بوصفه غاية بحد ذاته، بل من تحييده وإضعاف قدرته على الإضرار بالمصالح الأمريكية وحلفائها، عبر تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية مترابطة.
الهدف الأول هو الملف النووي. لا يبدو أن واشنطن تسعى إلى نزع المعرفة النووية الإيرانية أو العودة إلى نقطة الصفر، وهو أمر غير واقعي عمليًا، بل إلى إطالة زمن الاختراق النووي إلى أقصى حد ممكن، وفرض رقابة صارمة، ومنع أي قفزة مفاجئة تغيّر ميزان الردع في المنطقة. المقصود هنا ليس الإذلال السياسي، بل إدارة خطر محسوب يمكن احتواءه ومراقبته.
الهدف الثاني يتمثل في القدرات الصاروخية. فالصواريخ، أكثر من النووي، هي أداة النفوذ العملياتي اليومي لإيران، سواء في الردع المباشر أو عبر الحلفاء الإقليميين. واشنطن لا تتحدث عن نزع شامل، بل عن تحجيم المدى، وتقييد التطوير، ومنع نقل التكنولوجيا إلى الفاعلين غير الدولتيين. الهدف هو تقليص قدرة إيران على فرض معادلات ميدانية سريعة، لا نزع سلاحها بالكامل.
أما الهدف الثالث، والأكثر تعقيدًا، فهو النفوذ الإقليمي. هنا تدرك واشنطن أن الحديث عن “إنهاء النفوذ الإيراني” خطاب غير واقعي، لذلك تتحرك نحو هدف أدق: تحويل النفوذ من نفوذ هجومي غير منضبط إلى نفوذ قابل للضبط والاحتواء. أي تقليل كلفة الوكلاء، خفض قابلية الاشتعال، ومنع استخدام الساحات الإقليمية كأدوات ابتزاز استراتيجي.
في هذا السياق، لا تُطرح “الحماية” بوصفها شعارًا عامًا، بل كأولوية عملية: حماية المصالح الأميركية وحلفائها في العراق والمنطقة، ومنع تحول تلك الساحات إلى منصات تهديد دائم. وهذا ما يفسر تركيز واشنطن على ضبط السلاح، حماية حركة الدولار، وتأمين بيئة سياسية يمكن التعامل معها دون انفجار أمني.
هذه الأهداف الثلاثة تكشف منطقًا واضحًا: واشنطن تريد نظامًا إيرانيًا أقل خطورة، لا فراغًا إقليميًا أكبر. إسقاط النظام، من هذا المنظور، يحمل مخاطر لا تقل عن بقائه، وقد يفتح الباب أمام فوضى، أو صعود قوى أكثر راديكالية، أو انفلات ساحات يصعب التحكم بها. من هنا، يمكن فهم التباين بين التصعيد الكلامي والمرونة العملية. فالضغط يُستخدم لانتزاع تنازلات محددة، لا لإغلاق باب التسوية. إنها سياسة إضعاف مدروس، لا كسر شامل، تقوم على فرض كلفة مستمرة، مقابل إبقاء مخرج تفاوضي مفتوح لمن يقبل بإعادة التموضع. غير أن هذه المقاربة، مهما بدت متماسكة على الورق، تصطدم بسؤال جوهري ستعالجه النقطة التالية :
هل يمكن تحقيق هذه الأهداف مع بقاء النظام الإيراني قائمًا؟
أم أن منطقًا آخر، كما يرى نتنياهو، يعتبر أن بقاء النظام نفسه هو الخطر الذي لا يمكن تحييده؟
3- نتنياهو: كسر النظام بوصفه حلًا نهائيًا
على خلاف المقاربة الأمريكية التي تسعى إلى تحييد النظام الإيراني وإضعافه دون إسقاطه، ينطلق الفكر النتنياهوي من فرضية مختلفة جذريًا : المشكلة ليست في سلوك النظام، بل في وجوده ذاته. من هذا المنظور، أي تسوية تُبقي النظام قائمًا، مهما كانت القيود المفروضة عليه، ليست حلًا بل تأجيلًا لمواجهة أكثر خطورة في المستقبل. يرى نتنياهو أن النظام الإيراني يمتلك قدرة بنيوية على التكيّف والالتفاف على القيود، مستفيدًا من طبيعته العقائدية ومن شبكات نفوذه الإقليمية . لذلك، فإن الاتفاقات المرحلية، أو سياسات الاحتواء، لا تُنهي التهديد ، بل تمنحه الوقت لإعادة التموضع، واستعادة المبادرة، وتطوير أدوات أكثر خطورة عندما تتغير الظروف الدولية. في هذا السياق، لا يُنظر إلى البرنامج النووي أو الصاروخي كملفين تقنيين يمكن ضبطهما، بل كأدوات ضمن مشروع أوسع. وعليه، فإن كسر النظام – أو على الأقل إدخاله في أزمة وجودية عميقة – يُعد، في الرؤية النتنياهية، الطريق الوحيد لضمان أمن طويل الأمد، حتى لو ترتّبت على ذلك كلفة عالية على المدى القصير.
هذه المقاربة تفسر إصرار نتنياهو على إبقاء خيار الضربة العسكرية حاضرًا في الخطاب والممارسة، والدفع نحو توسيع نطاق الضغط، وعدم الاكتفاء بقيود أو تفاهمات. فبالنسبة له، الضربة ليست وسيلة تفاوض، بل أداة تغيير معادلة. الهدف ليس تحسين شروط التسوية، بل فرض واقع جديد لا يستطيع النظام الإيراني التكيّف معه بسهولة. غير أن هذا الطرح يحمل في طياته مخاطر كبيرة. فكسر النظام قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة، أو انقسامات داخلية غير قابلة للضبط، أو صعود قوى أكثر تطرفًا. كما أن انهيار النظام لا يعني تلقائيًا نهاية النفوذ الإيراني، بل قد يُعيد إنتاجه بأشكال أكثر فوضوية وأقل قابلية للاحتواء، خصوصًا في ساحات مثل العراق ولبنان. من هنا، يتضح أن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب ليس حول ما يجب منعه، بل حول كيف تنتهي اللعبة.
واشنطن تميل إلى نهاية تُقيّد الخصم وتُديره.
نتنياهو يدفع نحو نهاية تكسر الخصم وتغيّره.
هذا التباين يضع طهران أمام مفترق معقد، ويدفعها إلى التفكير بعقل الدولة المزدوجة: كيف تُفشل منطق الكسر دون تقديم تنازلات وجودية ؟ وكيف تُغذّي الفجوة بين المقاربتين الأميركية والإسرائيلية لصالح بقائها؟
هذا ما تقودنا إليه النقطة التالية : كيف تفكّر طهران تحت الضغط، وبأي أدوات تحاول إدارة هذا التناقض؟
4- عقل الدولة المزدوجة: كيف تفكّر طهران تحت الضغط؟
في مواجهة الضغط المركّب القادم من واشنطن وتل أبيب، لا تتحرك طهران بعقل ردّ الفعل أو الانفعال، بل بعقل الدولة المزدوجة وعبقرية الهجين الإيراني التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات الوجودية. هذا العقل لا يرى الصراع بوصفه مواجهة صفرية، بل كسلسلة اختبارات يمكن إدارتها، وتفكيكها، وتدويرها بما يحفظ جوهر النظام حتى لو تغيّرت أشكال النفوذ. جوهر التفكير الإيراني في هذه اللحظة يقوم على مبدأ واضح:
ليس كل نفوذ مقدّسًا، ولا كل ساحة تستحق المواجهة حتى النهاية.
الأولوية المطلقة هي بقاء النظام، وما دونه قابل لإعادة الترتيب، أو التقليص، أو حتى التضحية المرحلية.
من هنا تأتي سياسة “حياكة السجاد”:
خيط يُشدّ هنا، وآخر يُرخى هناك، مع استعداد للتضحية بأطراف النقشة لحماية المركز. تصعيد محسوب دون الانزلاق إلى حرب شاملة، ورسائل ردع دون تجاوز الخطوط الحمراء، وتنازلات جزئية يمكن إنكارها داخليًا وتسويقها كتكتيك لا كتحول استراتيجي. في هذا الإطار، تسعى طهران إلى استثمار التباين بين الفكر الترامبي والفكر النتنياهوي . فهي تدرك أن واشنطن تبحث عن إنجاز قابل للتسويق السياسي، بينما يدفع نتنياهو نحو كسر شامل. لذلك، تعمل إيران على تغذية الفجوة بين المقاربتين:
تقديم إشارات مرونة محسوبة للأميركيين، مقابل تشديد الخطاب والردع تجاه إسرائيل، في محاولة لمنع تشكّل جبهة موحّدة على خيار الكسر.
كما تعتمد طهران على إدارة الزمن بوصفه أداة استراتيجية. فكل يوم يمر دون مواجهة شاملة يُعد مكسبًا، يتيح إعادة التموضع، وامتصاص الصدمة، وترتيب الأوراق داخليًا وإقليميًا. الوقت هنا ليس حياديًا، بل عنصر قوة، خاصة في ظل تغيّر الحسابات الانتخابية والسياسية في واشنطن، وتقلّبات المزاج الدولي. لكن هذه السياسة لا تخلو من المخاطر. فالإفراط في اللعب على الحواف قد يؤدي إلى سوء تقدير، أو حادث غير محسوب، أو تصعيد يخرج عن السيطرة. كما أن الاعتماد المفرط على أدوات الدولة العميقة والأمنية قد يزيد من التآكل الداخلي ويُضعف الواجهة المؤسسية التي تحتاجها الدولة المزدوجة لامتصاص الضغوط. مع ذلك، يظل المنطق الحاكم في طهران واضحًا:
التنازل التكتيكي مقبول، والانكفاء المرحلي ممكن، لكن الانكسار الاستراتيجي مرفوض.
وما بين هذين الحدّين، تتحرك السياسة الإيرانية بحذر شديد، ساعية إلى إعادة رسم خريطة النفوذ بدل الدفاع عنها كما هي.
هذا يقود مباشرة إلى الساحة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، حيث تتقاطع مصالح الجميع : العراق. ساحة يمكن لإيران أن تُعيد فيها التموضع، ولواشنطن أن تختبر قدرتها على تحقيق أهدافها دون انفجار شامل.
5- العراق… ساحة التوازن الحاسم
في خضم الصراع الأمريكي-الإيراني، لا يُمكن فهم الحسابات الاستراتيجية من دون التوقف عند العراق بوصفه ساحة التوازن الأهم والأكثر حساسية. فالعراق ليس مجرد ساحة نفوذ إيراني إضافية ، ولا مجرد ملف أمني أميركي، بل نقطة التقاء حاسمة تتقاطع فيها رهانات البقاء لطهران مع أولويات الاحتواء لواشنطن. بالنسبة لإيران، يمثّل العراق المعقل الأخير للنفوذ الحقيقي القابل للاستثمار. فهو ليس ساحة مواجهة عسكرية فقط، بل عمق اقتصادي ومالي وسياسي، ومنفذ حيوي في زمن العقوبات والضغوط القصوى . لذلك، تتعامل طهران مع العراق ببراغماتية عالية، تميّز فيها بين النفوذ بوصفه غاية، والنفوذ بوصفه أداة قابلة لإعادة التشكيل. في هذا السياق، لا يُستبعد أن تلجأ إيران، إذا اقتضت الضرورة، إلى التضحية ببعض الأذرع أو إعادة ضبط إيقاع الفصائل المسلحة، مقابل الحفاظ على معادلة حكم لا تُقصيها بالكامل، وتضمن استمرار مصالحها الاقتصادية والمالية الأساسية. المنطق هنا ليس تخلّيًا عن النفوذ، بل تحويله من نفوذ خشن ومكلف إلى نفوذ أقل ظهورًا وأكثر قابلية للتدوير.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى العراق بوصفه ساحة اختبار لقدرتها على تحقيق أهدافها الثلاث مجتمعة.
– ضبط السلاح المنفلت بما يمنع استخدام الأراضي العراقية كمنصة تهديد.
– حماية مسار الدولار والقطاع المالي من أن يتحول إلى رئة التفاف على العقوبات.
– وحماية المصالح الأميركية وحلفائها في العراق والمنطقة، دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة أو انهيار سياسي.
من هذا المنطلق، لا تبحث واشنطن عن حكومة “مثالية” في بغداد، بل عن حكومة قابلة للتعامل: حكومة تستطيع اتخاذ قرارات سيادية بالتهدئة، وتمتلك هامشًا كافيًا لضبط الفصائل، وتوازن بين الداخل الشيعي ومتطلبات الشراكة مع الولايات المتحدة. إسقاط الحكم أو تفجيره من الداخل ليس هدفًا أميركيًا، لأن كلفته قد تكون فوضى تُعيد إنتاج التهديد بدل احتوائه. هكذا يتحول العراق إلى ساحة مساومة غير معلنة.
إيران تختبر إلى أي حد يمكنها تقليص بصمتها الأمنية دون خسارة نفوذها السياسي. والولايات المتحدة تختبر إلى أي حد يمكنها تحقيق أمن مصالحها دون دفع العراق إلى محور عدائي كامل. نجاح هذا التوازن – أو فشله – سيحدد بدرجة كبيرة شكل الخروج من الأزمة الإقليمية الأوسع. فإذا أمكن ضبط العراق، يصبح من الممكن تخفيف التصعيد وفتح مسارات تسوية أوسع. أما إذا انفلتت الساحة، فإنها قد تتحول إلى شرارة تُعيد خلط الأوراق بطريقة لا يرغب بها أي طرف.
ومن هنا، يصبح السؤال النهائي أكثر إلحاحًا:
هل ما نراه هو مسار نحو تسوية متوازنة، أم أننا نقترب من لحظة حسم تفرض معادلة «رابح-خاسر»؟
6- «رابح–خاسر أم رابح–رابح؟»
بعد تفكيك منطق التصعيد، وأهداف واشنطن، ورؤية نتنياهو، وعقل الدولة المزدوجة في طهران، ودور العراق كساحة توازن، يتضح أن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل ستقع الحرب؟
بل: أي معادلة خروج تُفرض على الجميع؟
معادلة «رابح-خاسر»
في هذه الصيغة، ينجح طرف في فرض كلفته القصوى على الطرف الآخر. هذه هي الرؤية الأقرب إلى الفكر النتنياهوي، حيث يُنظر إلى كسر النظام الإيراني – أو إدخاله في أزمة وجودية عميقة – بوصفه الضمان الوحيد لأمن طويل الأمد.
لكن هذه المعادلة تحمل كلفة مرتفعة:
• فوضى إقليمية محتملة
• انفلات ساحات مثل العراق ولبنان
• ارتدادات أمنية واقتصادية يصعب احتواؤها
حتى “الرابح” في هذا السيناريو قد يكتشف أن ثمن الفوز أعلى من قدرته على التحمل.
معادلة «رابح-رابح»
في المقابل، تقوم هذه الصيغة على تسوية قسرية، لا مثالية، لكنها قابلة للحياة.
واشنطن تحقق أهدافها الثلاث: قيود صارمة على النووي، تحجيم الصواريخ، وتقليص النفوذ الهجومي، مع ضمان حماية مصالحها وحلفائها. وطهران تحتفظ بجوهر النظام، وتُعيد تموضع نفوذها بدل خسارته دفعة واحدة، مقدّمة تنازلات تكتيكية دون انكسار استراتيجي. هذه المعادلة لا تعني سلامًا دائمًا، بل تجميدًا للصراع ضمن قواعد اشتباك جديدة، أقل خطورة وأكثر قابلية للإدارة. وهي الصيغة التي يفضّلها الفكر الترامبي، لأنها تسمح بتسويق إنجاز سياسي داخلي، وتجنّب حرب واسعة غير مضمونة النتائج.
أي المعادلتين أرجح؟
حتى اللحظة، تشير المؤشرات إلى أن ميزان الكلفة والمصلحة يدفع باتجاه «رابح-رابح» غير متكافئ، حيث لا يخرج أحد منتصرًا بالكامل، ولا مهزومًا بالكامل. غير أن هذه الصيغة تبقى هشّة، وقابلة للانهيار إذا اختل أحد عناصر التوازن: حادث غير محسوب، تصعيد ميداني خارج السيطرة، أو قرار سياسي مفاجئ يعيد تغليب منطق الكسر.
وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى:
اللاعب الأكثر حذرًا هو الذي يملك فرصة البقاء. واللاعب الأكثر اندفاعًا قد يفرض الإيقاع، لكنه لا يضمن النهاية.
الخاتمة :
الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران ليست لحظة انفجار عابرة، ولا مجرد جولة تصعيد قابلة للامتصاص، بل منعطف استراتيجي يُعاد فيه اختبار حدود القوة وحدود العقل معًا. ما يجعل هذه اللحظة مختلفة هو أن جميع الأطراف تدرك، بدرجات متفاوتة، أن كلفة الحرب الشاملة قد تتجاوز مكاسبها، وأن كلفة التسوية القسرية قد تكون أقل خطرًا من مغامرة الكسر.
واشنطن، بمنطقها البراغماتي، تبحث عن نظام إيراني أقل تهديدًا، لا عن فراغ إقليمي أكثر خطورة.
تل أبيب، بهواجسها الوجودية، ترى في بقاء النظام أصل المشكلة لا أحد أعراضها.
وطهران، بعقل دولتها المزدوجة، تحاول أن تنجو من العاصفة لا بمواجهة الريح، بل بإعادة ترتيب الأشرعة، حتى لو اضطرت إلى التخلي عن بعض الحمولة.
في قلب هذا الاشتباك، يبرز العراق بوصفه مرآة التوازن الممكن. نجاح ضبطه يعني إمكانية إدارة الصراع بأدوات سياسية وأمنية محدودة، وفشله يعني انزلاق المنطقة إلى مسارات لا يملك أحد السيطرة عليها بالكامل. من هنا، لا يعود العراق تفصيلًا، بل مؤشرًا مبكرًا على اتجاه الأزمة برمتها.
الاختيار بين معادلة «رابح-خاسر» و «رابح-رابح» ليس أخلاقيًا، بل حسابي بامتياز. التاريخ القريب في المنطقة يعلّم أن الانتصارات الكاملة نادرة، وأن الكسر غالبًا ما يولّد فوضى تتجاوز حدود الخصم . في المقابل، التسويات غير المتوازنة قد لا تُرضي أحدًا بالكامل، لكنها تُبقي الباب مفتوحًا أمام إدارة الصراع بدل انفجاره.
في النهاية، لا يُقاس النجاح في هذه اللحظة بمن يرفع سقف التهديد أكثر، بل بمن يستطيع فرض نهاية قابلة للعيش.
ففي صراعات كهذه،
لا ينتصر من يكسر خصمه أولًا،
بل من يعرف متى يتوقف…
ومتى يترك خصمه واقفًا، لكن مُقيَّدًا.
مرفق واحد
• تم فحصها من قِبل Gmail




