رحيل وليد الخالدي الرئيس الفخري لمؤسسة الدراسات الفلسطينية وأحد مؤسسيها (1925 – 2026)

رحيل وليد الخالدي الرئيس الفخري لمؤسسة الدراسات الفلسطينية وأحد مؤسسيها (1925 – 2026)
رحل، اليوم الأحد، المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي، أحد أبرز الباحثين الذين ساهموا في توثيق التاريخ الفلسطيني وجرائم الاحتلال الإسرائيلي، ومؤسس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، التي أصبحت مرجعاً أساسياً للبحث في تاريخ القضية منذ تأسيسها عام 1963. عُرف الخالدي بجهوده الأكاديمية والسياسية والدبلوماسية، وبتأثيره البارز على الفكر الفلسطيني، وقد نال تقديراً واسعاً، بما في ذلك عضويته في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم، وجائزة مؤسسة التراث الفلسطيني عن مساهماته في البحث والمجتمع العربي الأميركي.
وُلد الخالدي في القدس عام 1925، ونشأ في أسرة الخالدية العريقة، التي أسهم أفرادها في الإدارة التعليمية والسياسية في المدينة منذ القرن التاسع عشر. تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة الفرندز في رام الله، والثانوي في المدرسة الإنجيلية بالقدس، ثم درس التاريخ الإغريقي والروماني واللغة اللاتينية في جامعة لندن، حيث حصل على البكالوريوس عام 1945، ثم أكمل الماجستير في الآداب في جامعة أكسفورد عام 1951.
بدأ الخالدي مسيرته الأكاديمية بالتدريس في أكسفورد، لكنه استقال عام 1956 احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر. انتقل بعدها إلى الجامعة الأميركية في بيروت، حيث أصبح أستاذاً للدراسات السياسية حتى عام 1982، كما عمل زميلاً في مركز هارفارد للشؤون الدولية ودرّس في جامعة برينستون لاحقاً.
أسس في عام 1963 مع قسطنطين زريق وبرهان الدجاني مؤسسة الدراسات الفلسطينية، التي تركز على البحث العلمي حول فلسطين والقضية الفلسطينية. تحت إشرافه، أصبحت المكتبة والوثائق التي تضمها من أكبر وأهم المجموعات في العالم حول فلسطين، تشمل أكثر من 70 ألف كتاب ومئات المخطوطات والوثائق التاريخية، إضافة إلى آلاف النسخ المصورة من الصحف والدوريات منذ القرن التاسع عشر.
أسهم الخالدي في إنتاج سلسلة واسعة من الدراسات والموسوعات باللغتين العربية والإنكليزية، منها: “قبل الشتات” الذي يوثق الحياة الفلسطينية قبل عام 1948، و”كي لا ننسى” موسوعة للقرى الفلسطينية التي دُمرت أو أُخليت، و”كلّ ما تبقى” توثيقاً مفصلاً للقرى المحتلة، و”دير ياسين: الجمعة 9 نيسان 1948″، و”سقوط حيفا”، و”من الملاذ إلى الغزو”، و”خطة دالت”، فضلاً عن مؤلفات عن الصراع العربي الإسرائيلي والتاريخ الأوروبي والعلاقات الدولية. وقد اعتُبرت هذه الأعمال مرجعاً أساسياً للباحثين والمختصين لفهم تطورات القضية الفلسطينية وأحداث النكبة
مؤسسة الدراسات الفلسطينية تنعي مؤسسها ورئيسها الفخري
تنعى مؤسسة الدراسات الفلسطينية، للشعب الفلسطيني وللكتّاب والمثقفين والأكاديميين، ممثلة برئيس مجلس أمنائها الدكتور طارق متري، وأعضاء المجلس، وأمين سره، ومديرها العام، والباحثين والباحثات والجهاز الإداري في مكاتب المؤسسة في بيروت ورام الله وواشنطن، المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي الرئيس الفخري لمؤسسة الدراسات الفلسطينية وأحد مؤسسيها الذي وافته المنية صباح الأحد 8 آذار / مارس 2026، في مدينة كامبريدج بولاية ماساشوستس الأميركية.
ولد وليد الخالدي في القدس في 16 تموز / يوليو 1925، وتلقّى تعليمه الابتدائي في مدرسة الفرندز في مدينة رام الله، ثم انتقل إلى مدرسة القديس جاورجيوس الإنجيلية في القدس، وفيها أنهى تعليمه الثانوي. تخرج في جامعة أوكسفورد في سنة 1951، وعمل محاضراً في الدراسات السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت حتى سنة 1982، ومن ثم باحثاً في مركز هارفارد للشؤون الدولية. كما حاضر في جامعتي برنستون وأوكسفورد، واختير زميلاً في الأكاديمية الأميركية للآداب والعلوم.
أسس وليد الخالدي مؤسسة الدراسات الفلسطينية مع المفكر القومي العربي قسطنطين زريق والاقتصادي الفلسطيني برهان الدجاني سنة 1963، وتولى إدارتها، فكانت الأولى من نوعها في بحث وتحليل الصراع العربي الإسرائيلي وجوانب القضية الفلسطينية. وأرسى الخالدي دعائم “علم النكبة”، الذي دعا إلى إنشائه زميله قسطنطين زريق، فكان سبّاقاً في الكشف عن الكثير من الحقائق التي ظلت طي الكتمان لأعوام، والتي فسرت كيف تمكّن الصهاينة من احتلال فلسطين سنة 1948، إذ كان الخالدي أول من كشف للعالم عن المخطط الرئيسي لاحتلال فلسطين وتشريد شعبها المعروف بـ “خطة دالت”، وذلك في وقت مبكر من ستينيات القرن الماضي. ويعدّ كتاباه “كي لا ننسى” و”قبل الشتات” من الكتب الرئيسية في فهم النكبة وما حل بفلسطين وشعبها. وفضلاً عن هذين الكتابين التأسيسيين، تعدت الكتب التي ألّفها الأربعين كتاباً، إلى جانب مئات الأبحاث والمقالات والأوراق البحثية. وقد أصدرت مجلة الدراسات الفلسطينية باللغة العربية ملحقاً خاصاً في العدد (143 – صيف 2025) بعنوان “وليد الخالدي.. مئة عام من العطاء”.
لقد ساهمت كتب وليد الخالدي وأبحاثه في صياغة السردية الفلسطينية ونشرها وترسيخها على صعيد العالم، وسيظل إرثه البحثي يشكّل مرجعاً رئيسياً لأي باحث أو بحث رصين في القضية الفلسطينية. ونظراً لعطائه البحثي الغني هذا، نال الخالدي عدة جوائز واوسمة منها جائزة جامعة الدول العربية للتميز في الإنجاز الثقافي في العالم العربي من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) سنة 2002، ومنحته جامعة بيرزيت الدكتوراه الفخرية عام 2011، ونال وسام نجمة القدس من رتبة الوشاح الأكبر سنة 2015 الذي منحه إياه الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس. كما تم تكريمه سنة 2025 بجائزة الإنجاز مدى الحياة، تقديراً لإسهاماته الطويلة في توثيق تاريخ القضية الفلسطينية ودعم مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ضمن الدورة 14 من جائزة فلسطين للكتاب.
وبفقدانه تخسر فلسطين، ويخسر العالم مؤرخاً رصيناً، وباحثاً قلّ نظيره، قضى عمره في كتابة فلسطين والدفاع عن قضيتها العادلة.
إن مؤسسة الدراسات الفلسطينية إذ تودع وليد الخالدي، فإنها تتقدم بالعزاء إلى عائلته الصغيرة، وإلى عائلته الكبيرة من كتّاب وباحثين ومثقفين التزموا دراسة القضية الفلسطينية والتعريف بجوانبها المختلفة، وكانت مؤلفات الخالدي أحد مداخلهم الرئيسية إليها.
* أصدرت مجلة الدراسات الفلسطينية (باللغة العربية) ملحقاً خاصاً في العدد 143 (صيف 2025) بعنوان: “وليد الخالدي.. مئة عام من العطاء”.
Related Person



