فلسطين

«رفقاء الأرض والإنسان» الحمار والحصان والجمل في فلسطين… من الحضارة الكنعانية إلى حرب غزة

كيف صنعت هذه الحيوانات تاريخ فلسطين الزراعي والتجاري والعسكري، وعادت لتصبح شاهداً على المأساة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين؟

«رفقاء الأرض والإنسان»
الحمار والحصان والجمل في فلسطين… من الحضارة الكنعانية إلى حرب غزة
كيف صنعت هذه الحيوانات تاريخ فلسطين الزراعي والتجاري والعسكري، وعادت لتصبح شاهداً على المأساة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين؟
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة والأستاذ عبد البري
لم تكن العلاقة بين الإنسان الفلسطيني والحيوان علاقة منفعة عابرة، بل كانت شراكة حضارية امتدت آلاف السنين، وأسهمت في بناء الاقتصاد والزراعة والتجارة والدفاع والثقافة. فمنذ أن قامت المدن الكنعانية الأولى على أرض فلسطين قبل أكثر من خمسة آلاف عام، احتلت الحيوانات مكانة محورية في الحياة اليومية، حتى أصبحت جزءاً من الهوية الحضارية لهذه الأرض.
لا يتوفر وصف للصورة.
فالحمار كان رفيق الفلاح، والحصان عنوان الفروسية والسيادة، والجمل شريان التجارة والقوافل، وكل منها أدى وظيفة تاريخية جعلته عنصراً أساسياً في ازدهار فلسطين بوصفها إحدى أهم حلقات الوصل بين مصر وبلاد الشام وبلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية.
قد تكون صورة ‏حيوان‏
والمفارقة التاريخية أن هذه الحيوانات، التي ظن كثيرون أن التكنولوجيا الحديثة قد أنهت أدوارها، عادت في القرن الحادي والعشرين لتؤدي رسالتها الأولى في قطاع غزة، بعد أن دمرت الحرب البنية التحتية وشلت وسائل النقل الحديثة، فأصبحت عربات الحمير بديلاً عن سيارات الإسعاف والشاحنات، وعادت الجمال في بعض المناطق لتشارك في نقل الإمدادات، بينما بقي الحصان رمزاً للصمود والكرامة الوطنية.
قد تكون صورة ‏حصان‏
فلسطين الكنعانية… حيث بدأت الحكاية
تشير المكتشفات الأثرية في أريحا، ومجدو، وبيسان، وتل بلاطة (شكيم)، وتل الفارعة، وخربة المفجر، وغيرها من المواقع الفلسطينية، إلى أن الحيوانات كانت جزءاً من النظام الاقتصادي منذ الألف الثالث قبل الميلاد.
وتظهر اللقى الأثرية، والنقوش المصرية القديمة، ورسائل تل العمارنة، أن القوافل التجارية الفلسطينية اعتمدت بصورة رئيسية على الحمير لنقل النحاس القادم من وادي عربة، وزيت الزيتون، والنبيذ، والأخشاب، والفخار، والبخور، والحبوب، بين المدن الكنعانية وموانئ المتوسط ووادي النيل.
وقد أسهم ذلك في ترسيخ المكانة الجيوسياسية لفلسطين باعتبارها عقدة مواصلات دولية في العالم القديم، الأمر الذي جعل السيطرة عليها هدفاً دائماً للإمبراطوريات المتعاقبة.
الحمار… أول شريك للفلاح الفلسطيني
يعد الحمار أقدم الحيوانات التي ارتبطت بالإنسان الفلسطيني بصورة يومية، إذ كان يمثل العمود الفقري للحياة الزراعية والريفية.
فقد استخدم في حراثة الأراضي، ونقل المحاصيل الزراعية، وحمل المياه من الينابيع، والتنقل بين القرى الجبلية، ونقل المنتجات إلى الأسواق، مستفيداً من قدرته الفائقة على السير في التضاريس الوعرة التي يصعب على العربات اجتيازها.
ولم يكن دوره اقتصادياً فحسب، بل كان جزءاً من الحياة الاجتماعية؛ إذ ارتبط بالبيت الريفي الفلسطيني، وشارك الأسرة في دورة الإنتاج الزراعي، حتى أصبح رمزاً للصبر والكفاح والاعتماد على الذات.
مكانة دينية وروحية
احتل الحمار مكانة بارزة في التراث الديني للديانات السماوية.
فقد ورد ذكره في القرآن الكريم في أكثر من موضع، كما ارتبط بعدد من الأنبياء في الروايات الإسلامية. وفي التراث المسيحي دخل السيد المسيح مدينة القدس ممتطياً حماراً، في مشهد جسد معاني السلام والتواضع ونبذ الاستعلاء.
ومن هنا اكتسب الحمار احتراماً خاصاً في الوجدان الشعبي الفلسطيني، قبل أن تتعرض صورته لاحقاً إلى تشويه لغوي واجتماعي، حين أصبحت كلمة “حمار” تستخدم على سبيل الإهانة، في تناقض واضح مع مكانته الحضارية والتاريخية.
الحصان… عنوان الفروسية والدفاع عن الأرض
إذا كان الحمار يمثل حياة الفلاح اليومية، فإن الحصان كان عنوان القوة والكرامة.
لا يتوفر وصف للصورة.
عرفت فلسطين الخيل منذ العصر البرونزي، وازدهرت تربيتها في العصور الكنعانية، ثم الآشورية والفارسية والرومانية، قبل أن تبلغ ذروة حضورها في العصر الإسلامي، ولا سيما في العهدين الأيوبي والمملوكي، حيث لعبت الخيول العربية دوراً حاسماً في مواجهة الحملات الصليبية.
وفي العهد العثماني انتشرت تربية الخيل العربية الأصيلة في مرج ابن عامر وسهول طولكرم وجنين والأغوار، وأصبحت رمزاً للمكانة الاجتماعية والشجاعة.
وخلال الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، استعان الثوار بالخيول في التنقل بين الجبال والوديان وتنفيذ العمليات ضد قوات الاحتلال البريطاني، لتتحول الخيل إلى أحد رموز المقاومة الوطنية.
ولا تزال الخيول حتى اليوم حاضرة في الأعراس الفلسطينية، وسباقات الفروسية، والمهرجانات التراثية، بوصفها جزءاً من الذاكرة الجمعية.
الجمل… شريان التجارة الفلسطينية
أما الجمل، فقد كان العمود الفقري للتجارة بعيدة المدى.
قد تكون صورة ‏جمل ذو سنامين‏
فقد ربط جنوب فلسطين بالحجاز ومصر وسيناء والأردن وبلاد الشام، وكانت القوافل التجارية تمر عبر غزة والخليل والقدس ونابلس في طريقها إلى دمشق.
واعتمد البدو في النقب والأغوار على الجمال في نقل المياه والملح والحبوب والبضائع، فضلاً عن دورها في رعي الماشية والتنقل في البيئات الصحراوية.
ولولا الجمال لما ازدهرت طرق التجارة القديمة التي ربطت فلسطين بمحيطها العربي والإقليمي، ولما تمكنت القوافل من عبور الصحارى الطويلة التي شكلت عصب الاقتصاد القديم.
قد تكون صورة ‏جمل ذو سنامين‏
الرومان وتطوير سلالات الحمير
لم يقتصر اهتمام الرومان بالحمار على استخدامه في الزراعة، بل عملوا على تطوير سلالات كبيرة الحجم لإنتاج البغال القوية التي استخدمت في نقل المعدات العسكرية الثقيلة وبناء الطرق والحصون.
وأظهرت دراسات حديثة في علم الوراثة أن بعض تلك السلالات كانت ذات أصول أفريقية، وأسهمت في دعم الإمبراطورية الرومانية اقتصادياً وعسكرياً، بما في ذلك في فلسطين الرومانية التي كانت إحدى أهم ولاياتها الشرقية.
الحيوانات في الثقافة والتراث الفلسطيني
لم تغب هذه الحيوانات عن المخيلة الشعبية.
فقد حضرت في الأمثال، والأهازيج، والزجل، والحكايات الشعبية، والأغاني الفلاحية، ورسومات التطريز.
ومن أشهر الأمثال الفلسطينية:
“اصبر صبر الحمار.”
“الخيل الأصيلة تعرف من ركابها.”
“الجمل ما بشوف عوجة رقبته.”
وتكشف هذه الأمثال عن حضور عميق للحيوان في الوعي الاجتماعي الفلسطيني، باعتباره شريكاً في الحياة اليومية، لا مجرد وسيلة للعمل.
الحمار في الفن الفلسطيني المعاصر
في العقود الأخيرة، أعاد الفنانون الفلسطينيون الاعتبار للحمار بوصفه رمزاً للإنسان الفلسطيني.
ففي معرض “يوميات الحمار” بالقدس، قُدمت أعمال فنية تناولت الحمار باعتباره تجسيداً للصبر والكرامة والهوية.
كما جعل الفنان الفلسطيني أشرف الفواخري الحمار بطلاً لمعظم أعماله، في معارض حملت عناوين مثل “أنا حمار” و”فخر الصناعة الوطنية” و”Made in Palestine”، حيث ظهر الحمار مناضلاً، ومقاوماً، وحارساً للذاكرة، في مواجهة الصور النمطية التي حاولت اختزال رمزيته التاريخية.
من النكبة إلى غزة… التاريخ يعيد نفسه
عندما هجّر الفلسطينيون عام 1948، كانت الحمير تحمل ما تبقى من ممتلكاتهم في رحلة اللجوء القاسية.
وتكرر المشهد بعد حرب عام 1967 في العديد من المناطق الريفية.
لكن الصورة الأكثر إيلاماً تجلت خلال الحرب على قطاع غزة، حيث أدى الحصار وتدمير البنية التحتية ونفاد الوقود إلى عودة عربات الحمير لتؤدي وظائف كانت تؤديها أحدث وسائل النقل.
فقد أصبحت وسيلة لنقل الجرحى والشهداء، وتوزيع المياه والخبز والمواد الغذائية، وإجلاء المرضى، وتأمين احتياجات آلاف الأسر، فيما تحولت إلى مصدر رزق لعائلات فقدت كل مقومات الحياة.
وأصبحت تلك المشاهد، التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية، رمزاً لانهيار الخدمات الأساسية، ودليلاً صارخاً على حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان قطاع غزة، حيث اضطرت الحيوانات إلى سد الفراغ الذي خلفته الحرب، لتصبح شاهداً حياً على مأساة العصر.
لا يتوفر وصف للصورة.
رفقاء الحضارة… وشهود المأساة
إن تاريخ الحمار والحصان والجمل في فلسطين ليس تاريخ الحيوانات فحسب، بل هو تاريخ الإنسان الفلسطيني نفسه؛ تاريخ الزراعة والعمل، والتجارة والازدهار، والفروسية والدفاع، والتراث والهوية.
لقد حمل الحمار محاصيل الفلاح، والجمل بضائع القوافل، والحصان فرسان الوطن، ثم عاد الجميع في زمن الحرب ليحملوا الإنسان الفلسطيني في معركته اليومية من أجل البقاء.
وهكذا تمتد رحلة هذه الكائنات من الحضارة الكنعانية إلى غزة المعاصرة، لتؤكد أن الحضارات لا تُقاس بما شيدته من مدن ومعابد فقط، بل أيضاً بطريقة تعاملها مع شركائها في الحياة، وأن الحيوانات التي صنعت جانباً من تاريخ فلسطين ما تزال حتى اليوم تكتب فصولاً جديدة من الصمود الإنساني.
لا يتوفر وصف للصورة.
لقد بقيت هذه الكائنات، رغم صمتها، شاهدة على تعاقب الحضارات والإمبراطوريات، وعلى التحولات الكبرى التي عرفتها فلسطين عبر آلاف السنين، من ازدهار المدن الكنعانية، مروراً بالعصور المصرية والآشورية والرومانية والإسلامية والعثمانية، وصولاً إلى زمن الاحتلال والحصار. وهي بذلك ليست مجرد عنصر من عناصر التراث، بل وثيقة حية تختزن ذاكرة المكان، وتجسد عمق العلاقة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، وتؤكد أن الصمود ليس حكراً على البشر وحدهم، بل هو أيضاً قصة رفاق الأرض الذين ظلوا أوفياء لها في السلم والحرب، وفي البناء كما في المحنة.
قد تكون صورة ‏حيوان‏

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب