مقالات

رمضان كما كان… حين كانت الحارات تضيء بالقلوب قبل الفوانيس

رمضان كما كان… حين كانت الحارات تضيء بالقلوب قبل الفوانيس

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

ليس رمضان مجرد شهرٍ يمر في تقويم الأيام، بل هو ذاكرةٌ حيّة تسكن وجدان الناس. وحين نستعيد رمضان زمان، فإننا لا نستحضر طقوساً عابرة بقدر ما نستحضر زمناً كانت فيه الحياة أبسط، لكن العلاقات الإنسانية أعمق، وكانت فيه القلوب أكثر صفاءً، والبيوت أكثر دفئاً.

كان رمضان في الماضي يبدأ قبل أن يهلّ الهلال بلهفةٍ خاصة، وكأن الناس يستعدون لاستقبال ضيفٍ عزيز. تتبدل ملامح الحارات، وتتهيأ البيوت، وتعلو في النفوس رغبة صادقة في الصوم والعبادة والتقارب. ومع اقتراب موعد الإفطار، كانت الأزقة تمتلئ بروائح الطعام البسيط الذي تعدّه الأمهات بيدٍ مباركة، بينما يجلس أفراد الأسرة حول المائدة بانتظار أذان المغرب الذي كان لحظةً جامعة بين الامتنان لله والفرح بلقاء العائلة.

لم تكن موائد رمضان آنذاك عامرةً بما نراه اليوم من أصنافٍ لا تُحصى، لكن البركة كانت حاضرة في القليل، وكانت المحبة تضفي على الطعام مذاقاً لا يُنسى. كان الإفطار مناسبةً يوميةً تتجدد فيها صلة الرحم، وتتعزز فيها روابط العائلة.

وفي ليالي رمضان، كان المسحراتي شخصيةً محببة تجوب الحارات بطبلته وصوته الندي، يوقظ الناس للسحور ويناديهم بأسمائهم. لم يكن مجرد موقظٍ للنائمين، بل كان جزءاً من الذاكرة الشعبية التي تربط أهل الحي بعضهم ببعض، في زمنٍ كانت فيه العلاقات الاجتماعية أكثر تماسكا وصدقاً.

ومن أجمل ما كان يميز رمضان في تلك الأيام تبادل الأطباق بين الجيران. فما إن تُعدّ الموائد حتى تنطلق الصحون من بيتٍ إلى بيت، حاملةً معها رسالة محبة وتكافل. كان الجار يشعر أن فرحته برمضان لا تكتمل إلا بمشاركة جيرانه، وكأن الحي بأكمله أسرة واحدة تتقاسم الخبز والبركة.

أما بعد صلاة التراويح، فكانت الحارات تتحول إلى مجالس للسمر والسواليف. يجلس كبار السن يتبادلون الحكايات والذكريات، بينما يركض الأطفال بفوانيسهم الصغيرة، يحلمون بأن يكبروا ليصوموا رمضان كاملاً مثل الكبار. كانت تلك اللحظات البسيطة تصنع ذاكرةً جماعية لا تمحوها السنوات.

اليوم، تغيرت تفاصيل كثيرة في حياتنا؛ تسارعت الوتيرة، وتباعدت المسافات بين الناس رغم قرب البيوت. لكن ذكريات رمضان زمان تظل حاضرةً لتذكرنا بأن جوهر هذا الشهر لا يكمن في مظاهر البذخ أو وفرة الطعام، بل في قيم الرحمة والتكافل وصلة الرحم.

إن استحضار تلك الأيام ليس مجرد حنينٍ إلى الماضي، بل هو تذكيرٌ بضرورة إحياء تلك الروح في حاضرنا؛ روح التضامن التي تجعل من رمضان موسماً للخير، وفرصة لإعادة بناء العلاقات الإنسانية على أساس المحبة والتراحم.

ففي النهاية، سيبقى رمضان ـ كما كان دائماً ـ مدرسةً للأخلاق، وموسماً تتجدد فيه معاني الإنسانية، حين تلتقي القلوب على مائدة الصيام، وتضيء الحارات بوهج الإيمان قبل أن تضيئها الفوانيس.

رمضان كريم… وكل عام وأنتم بخير. 🌙✨

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب