عربي دولي

روسيا تطرح شروطها للتسوية: السلام غداً… أكثر إيلاماً

روسيا تطرح شروطها للتسوية: السلام غداً… أكثر إيلاماً

سعيد محمد

لندن | بدأت معالم شروط روسيا للتوصّل إلى تسوية تنهي الحرب الأوكرانية، تتّضح، بعدما تحدّثت مصادر مطّلعة عن اشتراط موسكو الحصول على تعهّد غربي صريح بوقف توسيع «الناتو» شرقاً، وحياد أوكرانيا. ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر روسية متقاطعة، قولها إن شروط الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لإنهاء الحرب «تشمل مطالبة القادة الغربيين بالتعهّد، ضمن اتفاق مكتوب، بعدم ضمّ جمهوريات سوفياتية سابقة أخرى إلى الحلف – بما في ذلك أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا -، وأن تبقى كييف محايدة، مع رفع الجزء الأكبر من العقوبات الاقتصادية التي يفرضها الغرب على موسكو، وإعادة أصولها المجمّدة في بنوك غربية، وضمان الحماية للناطقين باللغة الروسية في أوكرانيا».

وبحسب أحد المصادر، فإن «بوتين مستعدّ للتوصّل إلى اتفاق سلام، ولكن ليس بأيّ ثمن»، فيما تتمثّل استراتيجيته البديلة – في حال فشل محاولات التوصّل إلى اتفاق وفق هذه الشروط – بإفهام الأوكرانيين، ومن ورائهم حلفاؤهم الغربيون، من خلال انتصارات عسكرية نوعية، بأن «السلام غداً سيكون أكثر إيلاماً».

وشدّد المسؤولون الروس، مراراً، على ضرورة أن يُعالِج أيّ اتّفاق سلام محتمل «الأسباب الجذرية» للصراع، والتي تتعلّق أساساً بتوسيع «الناتو» شرقاً. وكان بوتين قال، في حزيران من العام الماضي، إنه سيكون على أوكرانيا سحب جميع قواتها من أربع مناطق أوكرانية ضمّتها روسيا بالقوّة، بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم، علماً أن الجيش الروسي يسيطر على كامل لوغانسك تقريباً، وعلى أكثر من 70% من مناطق دونيتسك وزابوريجيا وخيرسون، بالإضافة إلى مناطق في خاركيف وسومي.

كذلك، نُقل عن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قوله إن مطلب الكرملين بوضع غير نووي ومحايد لأوكرانيا يجب أن يكون بنداً في أيّ اتفاق سلام يتم التوصّل إليه، مذكّراً بأن «إعلان وضع محايد وغير منحاز وغير نووي إلى الأبد هو الذي مكّن روسيا وأعضاء المجتمع الدولي الآخرين من الاعتراف بأوكرانيا كدولة مستقلة».

وعلى رغم تفهُّم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منطلقات روسيا في هذا الشأن، لكنّ النظام الأوكراني – مدعوماً بحلفائه الأوروبيين – يرفض مبدأ منح روسيا حقّ النقض ضدّ تطلعات كييف إلى الانضمام إلى الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة، إذ يقول إن بلاده بحاجة إلى الحصول على ضمانات أمنية رادعة ضد أيّ اعتداء روسي مستقبلي. وكان قادة «الناتو» اتفقوا، خلال قمّة عقدوها في العاصمة الرومانية بوخارست عام 2008، على أن تصبح أوكرانيا وجورجيا عضوَين يوماً ما، فيما عدّلت كييف، في عام 2019، دستورها، ملتزمةً بمسار العضوية الكاملة في «الناتو» والاتحاد الأوروبي.

عرضت روسيا أن تستضيف بيلاروسيا محادثات السلام بينها وبين أوكرانيا

لكنّ روسيا تَعتبر أن خطوة مثل تلك ستشكّل منعطفاً في علاقاتها مع الغرب؛ إذ تقول إن الولايات المتحدة خدعتها بعد سقوط جدار برلين، عام 1989، عندما أكّد وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر، للزعيم السوفياتي الأخير ميخائيل غورباتشوف، في عام 1990، أن «الناتو» لن يتوسّع شرقاً، الأمر الذي لم ينفه المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، ويليام بيرنز، وإنْ كتب في مذكّراته عن وعد شفهي في هذا الشأن، لم يتمّ تحويله قطّ إلى اتفاق رسمي.

من ناحية أخرى، وبينما شنّ الجيش الأوكراني هجوماً واسعاً بالمُسيّرات على روسيا، ردّاً على هجمات روسية مماثلة، انتقل الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إلى برلين لإجراء محادثات مع المستشار الألماني، فريدريك ميرز، الذي أثار بلبلة بعد تصريحات له (الإثنين) حول رفع القيود عن استخدام صواريخ غربية بعيدة المدى لاستهداف العمق الروسي.

وفي حين صرّح ناطق باسم الحكومة الألمانية بأن «الزيارة ستتركّز على الدعم الألماني لأوكرانيا، وكذلك الجهود المبذولة لتحقيق وقف لإطلاق النار»، تحدّث كثيرون عن أن توجّه زيلينسكي إلى العاصمة الألمانية، جاء على خلفية حصوله على تعهدّ بتسلُّم صواريخ «توروس» الألمانية الطويلة المدى. لكنّ المستشار الألماني خفّف، أمس، من حدّة تصريحاته، قائلاً: «لقد وصفت شيئاً أمس كان هو الحال بالفعل منذ أشهر: أن لأوكرانيا الحقّ في استخدام الأسلحة التي تتلقّاها خارج حدودها ضدّ أهداف عسكرية على الأراضي الروسية».

وأثارت التصريحات الألمانية غضب الكرملين، كما قلق العديد من السياسيين الألمان الذين لا يريدون التورّط أكثر في الحرب مع دولة تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم. وكتب رودريش كيسويتر، وهو عضو بارز في «الحزب الديمقراطي المسيحي» الحاكم، عبر موقع «إكس»: «لا توجد إشارات إلى أن ألمانيا سلّمت كييف أخيراً صواريخ كروز من طراز توروس، ولا أرى أيّ توافق في الائتلاف الحاكم ولا إرادة سياسية عامّة حول ذلك». ومن المعلوم أن ألمانيا ثاني أكبر مورّد للمساعدات العسكرية لأوكرانيا بعد الولايات المتحدة، لكن حكومة المستشار السابق، أولاف شولتس، رفضت دائماً إرسال توروس.

من ناحيته، قال الرئيس الأوكراني إن روسيا عرضت أن تستضيف بيلاروسيا محادثات السلام بين الجانبَين، «لكن ذلك أمر يستحيل قبوله»، مؤكداً أن «الأماكن الأكثر واقعية لإجراء محادثات هي تركيا أو سويسرا أو الفاتيكان»، وفق اقتراحات قدّمها الرئيس الأميركي، ورفضتها موسكو. وكانت تقارير صحافية من موسكو نقلت عن جهات لم تسمّها، قولها إن الكرملين لا يرى في الفاتيكان مكاناً جادّاً لإجراء محادثات سلام مع أوكرانيا، إذ تحيط به إيطاليا، العضو في «حلف شمال الأطلسي» والاتحاد الأوروبي.

وعُقدت أول محادثات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا في مدينة إسطنبول التركية، في الـ16 من الشهر الجاري، بعدما أجرى المفاوضون الأميركيون محادثات منفصلة مع مسؤولين روس وأوكرانيين في العاصمة السعودية، الرياض، في آذار الماضي.

وبعد التحدّث هاتفياً إلى ترامب لأكثر من ساعتين، الأسبوع الماضي، وافق بوتين على العمل مع الجانب الأوكراني على مذكّرة إطار من شأنها أن تحدّد معالم اتفاق السلام، بما في ذلك توقيت وقف إطلاق النار، لكنّ تصاعد الهجمات الروسية ضدّ أوكرانيا في الأيام الأخيرة، أصاب الرئيس الأميركي بإحباط متزايد، انعكس تصريحات انفعالية كان آخرها تحذيره، الثلاثاء، من أن الزعيم الروسي «يلعب بالنار» برفضه الانخراط في محادثات لوقف إطلاق النار مع كييف بينما تحقّق قواته مزيداً من المكاسب على الأرض.

غير أن الكرملين قلّل من أهمية تصريحات ترامب، إذ اعتبرها الناطق باسمه، ديمتري بيسكوف، بمثابة «حمل عاطفي زائد»، بينما كان لافروف يؤكد، على هامش قمّة أمنية دولية تُعقد في العاصمة الروسية، أن الجولة المقبلة من المحادثات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا ستُعقد «قريباً جداً».

الاخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب