“زلزال في إسرائيل بعد فوز زوهريان ممداني: تحوّل في المزاج الأمريكي يربك تل أبيب”

“زلزال في إسرائيل بعد فوز زوهريان ممداني: تحوّل في المزاج الأمريكي يربك تل أبيب”
بقلم: المحامي علي أبو حبلة –
شكّل فوز زوهريان ممداني برئاسة بلدية نيويورك حدثًا مفصليًا في العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، ليس من باب المنصب المحلي، بل من رمزية التحول العميق في الرأي العام الأمريكي، وخاصة بين الشباب واليسار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، الذين باتوا أكثر جرأة في انتقاد السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وأكثر ميلاً إلى الدفاع عن قيم العدالة وحقوق الإنسان في فلسطين.
الصدمة في إسرائيل لم تكن سياسية فقط، بل نفسية واستراتيجية، كما عبّر عنها السفير الإسرائيلي السابق في الأمم المتحدة جلعاد إردان الذي وصف الحدث بأنه “يوم أسود لإسرائيل”. هذا التعبير لم يكن انفعالًا دبلوماسيًا، بل اعترافًا صريحًا بأن التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة بدأ يتآكل من الداخل، وأنّ صورة إسرائيل كـ“واحة ديمقراطية” لم تعد تقنع الأجيال الجديدة التي تشاهد يوميًا صور الدمار في غزة وانتهاكات الاحتلال في الضفة الغربية.
تحول المزاج الأمريكي: من التعاطف إلى المساءلة
يُعد انتخاب ممداني، وهو من أصول إفريقية آسيوية ومسلم الديانة، علامة فارقة في بنية القرار السياسي الأمريكي المحلي الذي يعكس توجهات المجتمع، لا سيما في مدينة تضم أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل. فاختيار شخصية معروفة بانتقاداتها لإسرائيل وللسياسات العنصرية ضد الفلسطينيين يشير إلى تراجع سطوة اللوبي الصهيوني التقليدي في التأثير على الوعي العام، خصوصًا لدى الشباب والملونين والمهاجرين.
إن هذا التحول لا يمكن فصله عن موجة الغضب الشعبي في الجامعات الأمريكية خلال العامين الماضيين ضد الحرب على غزة، والتي كشفت عن جيل جديد من الأمريكيين لا يخضع لابتزاز “معاداة السامية” حين ينتقد إسرائيل، بل يميز بين اليهودية كديانة وبين الصهيونية كمشروع سياسي عنصري.
تداعيات إسرائيلية داخلية: أزمة هوية واستراتيجية
تصريحات جلعاد إردان تعكس حالة هلع داخل المؤسسة الإسرائيلية من انكشاف صورتها الأخلاقية عالميًا، خاصة بعد اتهامات المحكمة الجنائية الدولية لمسؤولين إسرائيليين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. فبدل أن تناقش إسرائيل الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع في سمعتها، تلجأ إلى خطاب التهويل والتخويف من فقدان الدعم الأمريكي.
وفي واقع الأمر، فإن ما يسميه إردان بـ“زلزال سياسي” هو نتيجة طبيعية لعقود من السياسات الإسرائيلية العدوانية التي تجاهلت القيم الليبرالية التي يعتز بها المجتمع الأمريكي، سواء في حرية التعبير، أو المساواة، أو احترام حقوق الإنسان. اليوم، تدفع إسرائيل ثمن تجاهلها لهذه القيم أمام الرأي العام الأمريكي الذي لم يعد يقبل التبرير الأخلاقي للاحتلال أو الحصار أو القصف العشوائي على المدنيين.
التحالف الأمريكي الإسرائيلي أمام اختبار تاريخي
منذ قيام إسرائيل، شكّلت الولايات المتحدة الركيزة الأساسية لأمنها ودبلوماسيتها واقتصادها. إلا أن هذا التحالف يقوم على توازن بين المصالح المشتركة والقيم المعلنة. ومع تصاعد الوعي العالمي تجاه القضية الفلسطينية، بدأت هذه المعادلة تهتز، خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي الذي يمثل الواجهة السياسية للمجتمع المدني الأمريكي.
إن انتخاب شخص مثل ممداني لا يعني فقط تغيرًا في هوية قيادة محلية، بل يرمز إلى بداية فصل جديد في الوعي السياسي الأمريكي، قد يمتد إلى الكونغرس وربما البيت الأبيض، كما حذر إردان نفسه.
توصيف المشهد في إسرائيل: صدمة استراتيجية وخوف من العزلة
في تل أبيب، يُنظر إلى هذا الحدث كجزء من تساقط أوراق الدعم الدولي. فبعد فقدان الغطاء الأوروبي الموحد، ومع تزايد التحقيقات الدولية حول جرائم الحرب في غزة، تشعر النخبة الإسرائيلية بأنها محاصَرة أخلاقيًا ودبلوماسيًا.
تصريحات إردان الداعية إلى “خطة شاملة لتسويق صورة إسرائيل” في الولايات المتحدة ليست سوى محاولة متأخرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة تضررت بشدة، وسط إدراك عميق بأن المسألة لم تعد في الإعلام والعلاقات العامة، بل في جوهر السياسات الإسرائيلية نفسها.
خاتمة: زمن ما بعد الأسطورة
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تراجع في الدعم الأمريكي لإسرائيل، بل انهيار لأسطورة “إسرائيل الديمقراطية” التي رُوّج لها لعقود في الغرب.
جيل جديد من القادة الأمريكيين، مثل زوهريان ممداني، يعيد تعريف العلاقة مع إسرائيل وفق مبادئ العدالة والإنسانية، لا على أساس الابتزاز التاريخي واللوبيات المالية.
وإذا لم تغيّر إسرائيل من نهجها القائم على الاحتلال والاستيطان والعنف، فإن “الزلزال السياسي” الذي حذر منه جلعاد إردان لن يتوقف عند نيويورك، بل سيهزّ أسس التحالف الأمريكي الإسرائيلي برمّته، ويعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة والعالم




