“سيناريو الرعب” في ألمانيا.. حزب تراقبه الاستخبارات يقترب من السيطرة على أسرارها

“سيناريو الرعب” في ألمانيا.. حزب تراقبه الاستخبارات يقترب من السيطرة على أسرارها
علاء جمعة
برلين- لم يعد القلق من صعود اليمين المتطرف في ألمانيا مقتصرا على دخوله البرلمانات أو مشاركته في الحكومات. ففي ولاية “ساكسونيا أنهالت”، قد يجد حزب “البديل من أجل ألمانيا” نفسه قريبا من السيطرة على وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات الذي يراقبه ويصنف فرعه المحلي تيارا يمينيا متطرفا بصورة مؤكدة.
وقبل أسابيع من انتخابات الولاية المقررة في السادس من أيلول/سبتمبر، يتقدم “البديل” استطلاعات الرأي بأكثر من 40 في المئة، وسط احتمال حصوله على أغلبية مطلقة من المقاعد إذا فشلت عدة أحزاب صغيرة في تجاوز عتبة الخمسة في المئة.
يتقدم “البديل” استطلاعات الرأي بأكثر من 40 في المئة، وسط احتمال حصوله على أغلبية مطلقة من المقاعد إذا فشلت عدة أحزاب صغيرة في تجاوز عتبة الخمسة في المئة
ويعني ذلك، بحسب تحذيرات أمنية حديثة، أن حزبا خاضعا للمراقبة قد يحصل على مفاتيح الملفات السرية المتعلقة به وبقياداته، إلى جانب بيانات المخبرين السريين وتحقيقات الشرطة والمعلومات المتبادلة مع أجهزة الاستخبارات الألمانية والأجنبية.
أسوأ سيناريو
وصف يورغ مولر، الرئيس السابق لجهاز حماية الدستور في ولاية براندنبورغ، احتمال تولي حزب “البديل” وزارة الداخلية في ساكسونيا أنهالت بأنه “أسوأ سيناريو” بالنسبة إلى أجهزة الاستخبارات الألمانية.
وقال مولر في مقابلة نشرتها صحيفة “تاغس شبيغل” إن وزير الداخلية، بحكم منصبه، لا يحتاج إلى الخضوع لفحص أمني قبل الاطلاع على المعلومات السرية، ويمكنه الوصول إلى ملفات الشرطة وجهاز حماية الدستور، بما فيها الوثائق المتعلقة بالمصادر البشرية والتقنية.
وأضاف أن الوزير يستطيع عمليا دخول مقر الشرطة أو جهاز الاستخبارات والمطالبة بالاطلاع على أهم الملفات الموجودة، بما في ذلك المعلومات التي جمعتها السلطات عن حزب “البديل” نفسه.
وتكمن المفارقة في أن فرع الحزب في ساكسونيا أنهالت مصنف منذ عام 2023 من قبل جهاز حماية الدستور في الولاية باعتباره تيارا يمينيا متطرفا بصورة مؤكدة. وبذلك قد يصبح “موضوع المراقبة”، كما وصفه مولر، مسؤولا عن الجهاز الذي يتولى مراقبته.
ولا تقتصر المخاوف على الملفات المتعلقة بالحزب، بل تشمل بيانات المخبرين الذين يتعاونون مع السلطات داخل الأوساط المتطرفة. وحذر مولر من أن وصول قيادات “البديل” إلى هويات هؤلاء الأشخاص قد يعرض حياتهم وسلامتهم للخطر.
خطر على شبكة الاستخبارات الألمانية
قد تدفع سيطرة الحزب على وزارة الداخلية بقية الولايات الألمانية والحكومة الاتحادية إلى وقف أو تقليص تبادل المعلومات الأمنية مع ساكسونيا أنهالت.
وقال مولر إن الأجهزة الألمانية ستضطر عندئذ إلى حماية معلوماتها من الوصول إلى أشخاص لا تثق بهم، ولا سيما الوثائق المتعلقة بالتطرف والإرهاب والجريمة المنظمة والعلاقات مع أجهزة أجنبية.
قال مولر إن الأجهزة الألمانية قد تضطر إلى حماية معلوماتها من الوصول إلى أشخاص لا تثق بهم، ولا سيما الوثائق المتعلقة بالتطرف والإرهاب والجريمة المنظمة
ولم يستبعد المسؤول الأمني السابق أن تتردد أجهزة استخبارات دول حليفة، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، في مشاركة معلوماتها الحساسة مع ألمانيا إذا خشيت وصولها إلى مسؤولين في حزب “البديل”.
وأشار إلى احتمال أن تقوم الأجهزة الأجنبية بتقليص المعلومات التي تقدمها للألمان بهدوء ومن دون إعلان ذلك، خشية تسرب بعض البيانات أو انتقالها إلى روسيا. وتتهم أحزاب ألمانية قيادات داخل “البديل” بإقامة علاقات سياسية وثيقة مع موسكو وتبني مواقف مؤيدة لها.
كما حذر مولر من أن وزير داخلية ينتمي إلى الحزب قد يستخدم معلومات أولية وغير مكتملة عن الجريمة أو ما يسمى “التطرف الإسلاموي” لتضخيم بعض المخاطر وتوظيفها سياسيا ضد المهاجرين والمسلمين.
خطط لتغيير جهاز الدولة
ازدادت المخاوف بعدما أعلن مرشح “البديل” لرئاسة حكومة الولاية أولريش زيغموند عزمه استبدال عدد كبير من المسؤولين داخل الإدارة الحكومية في حال وصول حزبه إلى السلطة.
وتحدث زيغموند عن تغيير ما بين 150 و200 منصب، تشمل مواقع قيادية في الوزارات والهيئات التابعة للدولة. لكن مولر أوضح لـ”تاغس شبيغل” أن عدد الموظفين السياسيين الذين يمكن تغييرهم بصورة اعتيادية بعد الانتخابات أقل بكثير من ذلك.
واعتبر الرقم الذي طرحه مرشح “البديل” مؤشرا على أن الحزب لا يريد الاكتفاء بتغيير الوزراء ووكلائهم، بل يخطط للتدخل في المستويات المهنية داخل مؤسسات الدولة، واصفا الإعلان بأنه أقرب إلى “التهديد” الموجه إلى الموظفين.
وكان زيغموند قد تحدث أيضا عن إعادة تشكيل جهاز حماية الدستور أو إلغائه، متهما إياه باستخدام صلاحياته لتشويه صورة المعارضة. وتنفي وزارة الداخلية في الولاية هذه الاتهامات، مؤكدة أن الجهاز يعمل وفق القانون وتحت رقابة برلمانية وقضائية.
حملة لمنع الأغلبية المطلقة
دفعت احتمالات انفراد “البديل” بالحكم منظمة “كامباكت” المدنية إلى إطلاق حملة للتصويت التكتيكي لمصلحة الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر، بهدف مساعدتهما على تجاوز عتبة الخمسة في المئة.
وذكرت صحيفة “تاتس” أن المنظمة خصصت نحو 620 ألف يورو للحملة، وتعتزم تعليق أكثر من 13 ألف ملصق والوصول إلى نحو 700 ألف منزل.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الاشتراكيين يقفون بالكاد فوق عتبة الخمسة في المئة، بينما يتراوح تأييد الخضر بين أربعة وخمسة في المئة. وترى المنظمة أن خروج الحزبين من البرلمان قد يمنح “البديل” أغلبية المقاعد حتى من دون حصوله على أكثر من نصف أصوات الناخبين.
وتزداد الحسابات تعقيدا مع إعلان تحالف سارا فاغنكنشت أنه قد يمتنع عن التصويت في الجولة الثالثة من انتخاب رئيس حكومة الولاية، وهو ما قد يفتح الطريق أمام زيغموند للوصول إلى المنصب.
جاءت التحذيرات الأمنية بالتزامن مع تحقيق تجريه شرطة ساكسونيا أنهالت في واقعة يشتبه بتورط النائب الأوروبي عن حزب “البديل” أرنو باوزمر فيها.
وأوضح مكتب مكافحة الجريمة في الولاية أن مواجهة وقعت بين شخص يتمتع بالحصانة البرلمانية وفتَيَين كانا يحاولان إتلاف ملصق انتخابي للحزب، وأن “أداة يشتبه في استخدامها للضرب” ظهرت خلال المواجهة، ما أدى إلى إصابة أحد الفتيين.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو انتخابات ساكسونيا أنهالت أكبر من منافسة محلية على مقاعد برلمان ولاية شرقية. فالسؤال المطروح أمام الإعلام في ألمانيا لم يعد فقط ما إذا كان اليمين المتطرف سيدخل الحكومة، بل ما إذا كان حزب تراقبه الدولة سيصبح مسؤولا عن الشرطة والاستخبارات والملفات السرية التي جمعتها الدولة عنه.



