منوعات

سينما عاطف الطيب… وطن المهمشين الأخير

سينما عاطف الطيب… وطن المهمشين الأخير

فايزة هنداوي

القاهرة ـ في حزيران/يونيو من كل عام، تتجدد ذكرى رحيل المخرج الكبير عاطف الطيب، أحد أبرز أعلام السينما الواقعية المصرية، وصاحب البصمة التي يصعب محوها من الذاكرة البصرية والوجدانية للمشاهد.
كان الطيب مشروعًا فنيًا متكاملًا، وحالة وعي اجتماعي حادة، ورؤية سياسية جريئة انحازت دومًا للإنسان المصري البسيط، في وجه سلطة كانت تسعى لتزييف الوعي.
وُلد عاطف الطيب عام 1947 في صعيد مصر، وانتقل إلى حي شعبي بالقاهرة، فتشرب مبكرًا معاناة البسطاء واختلط بجراحهم. وحين تخرّج في المعهد العالي للسينما عام 1970، كانت مصر تمر بمرحلة انتقالية، يتشكّل فيها جيل جديد من المبدعين قرروا أن يصنعوا فنًا يعكس المجتمع لا يجمّله، ويكشف الخلل لا يُخفيه.
مع بدايات الانفتاح الاقتصادي وما رافقه من تصاعد للظلم الاجتماعي واتساع للفجوة الطبقية، وجد الطيب مادته السينمائية في الواقع المأزوم من حوله، كانت وجوه المهمّشين، وحكايات الفقر، ومشاهد الظلم هي الوقود الحقيقي لأعماله، فاختار أن يكون صوته الفني معبرًا عن الذين لا صوت لهم في السينما السائدة، متسلحًا برؤية لا تساوم على توثيق اللحظة المصرية الصعبة وتصوير ما لا يُقال على لسان المواطن المكبوت.
ومنذ دخوله عالم السينما، أعلن الطيب رؤية واضحة، حريصة على أن تكون السينما مرآة للواقع بدون تجميل. كان أبطاله الحقيقيون هم السائق، العسكري، الموسيقي المنسي، والمغيبات، حيث انحاز بوضوح لمن يعيشون على حافة الحياة، مدركًا أن الهامش ليس واحدًا؛ فهناك من يُقصى اقتصاديًا، ومن يُهمّش سياسيًا، ومن يُبعد ثقافيًا واجتماعيًا.
كان سؤاله المحوري الذي لم يغب عن أفلامه هو: أين العدالة؟ لم يبحث عنها في قاعات المحاكم فحسب، بل في تفاصيل الحياة اليومية، في الفرص الضائعة والحقوق المنسية والأحلام التي تُجهض، كانت معظم أفلامه في عمقها، احتجاجًا دائمًا على الظلم والتواطؤ المجتمعي الذي يسمح باستمرار القهر.
امتلك الطيب لغة سينمائية خاصة، جعلت من كل عنصر فني وسيلة لتعميق التجربة الواقعية، فكان مخرج “جماليات القبح النبيل” الذي جعل من كل لقطة شهادة بصرية على عصر مأزوم، فكان من القلائل الذين منحوا الشارع المصري دور البطولة، فخرج من الاستوديوهات إلى الأسواق والمقاهي وأقسام الشرطة ليصور مصر الحقيقية بضجيجها وفوضاها، مبتعدًا عن الإضاءة المصطنعة ومفضلًا الضوء الطبيعي الذي يكشف لا يُجمّل.
لم تتعالَ كاميرا الطيب على شخصياتها، بل صورتهم من مستوى نظرهم لتكون جزءًا من عالمهم، كانت متعاطفة تلتقط التعب والقلق والانكسار في وجوه أبطاله عبر لقطات قريبة مؤثرة.
غالبًا ما كانت كادراته ضيقة ومزدحمة بالتفاصيل، كالجدران المتشققة والأثاث القديم والوجوه المنهكة، لتعكس واقعًا خانقًا وحياة مكتظة بالضيق والحرمان، فلم يكن المكان مجرد خلفية، بل شخصية موازية للحكاية.

الشرارة الأولى

فيلم “الغيرة القاتلة” 1982 هو التجربة الروائية الأولى لعاطف الطيب، ورغم أنه لم يحقق نجاحًا جماهيريًا كبيرا، إلا أنه كشف عن البذور الأولى لمشروعه الفني
لا يركز الفيلم على الفقر أو الفساد، كما في أعماله اللاحقة، لكنه يغوص في عمق النفس البشرية والمجتمع التقليدي، حيث تتحول الغيرة إلى أداة للقهر وسلطة ذكورية مصغّرة. الفيلم هو تشريح لكيفية تحوّل الحب إلى سجن بسبب انعدام الثقة والخوف.
بعد ذلك قدم فيلم “سواق الأتوبيس”، الذي كان نقطة تحول حاسمة في مسيرته. يجسد الفيلم، من خلال قصة السائق “حسن” (نور الشريف) الذي يكافح بمرارة لإنقاذ ورشة والده، معاناة الطبقة الوسطى وانهيارها تحت وطأة سياسات الانفتاح الاقتصادي والفساد المستشري. إنه نقد لاذع لتآكل قيمة الشرف والعمل أمام جشع الرأسمالية الطفيلية، وصورة صادقة ليأس المواطن في مواجهة نظام لا يرحم.
بصريًا، اعتمد الطيب على واقعية قاسية، مستخدمًا شوارع القاهرة الحقيقية والأتوبيسات المتهالكة كمسرح للأحداث. وعبر الكادرات الضيقة والإضاءة الطبيعية، نجح في نقل الإحساس بالاختناق والضغط الذي يعيشه البطل، مورطا المشاهد في تفاصيل الحياة اليومية دون أي تجميل. ليبقى الفيلم شهادة فنية خالدة، وهو العمل الذي رسّخ انحياز عاطف الطيب الكامل للإنسان المقهور
وبالاعتماد على قصة للأديب نجيب محفوظ، يحول المخرج عاطف الطيب في فيلمه “الحب فوق هضبة الهرم” 1986 حكاية حب بسيطة إلى بيان اجتماعي واقتصادي مرير. يروي الفيلم قصة شاب وفتاة من الطبقة المتوسطة يصطدم حبهما بعجز مادي خانق، يدفعهما إلى لقاء مسروق فوق هضبة الهرم ينتهي بالقبض عليهما. وبهذا، يدين الفيلم منظومة كاملة تجعل من أبسط الحقوق الإنسانية، كالحب واللقاء، جريمة يعاقب عليها القانون.
للتعبير عن هذا الاختناق صوّر القاهرة كئيبة خانقة من خلال مشاهد واقعية للشوارع الضيقة، الحافلات المزدحمة، والغرف الصغيرة، عاكسا الحصار الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه أبطاله. لكن الرمز الأقوى يظل في مشهد هضبة الهرم؛ هذا المكان الذي يمثل عظمة التاريخ والحضارة، يتحول في الفيلم إلى ملجأ للهاربين من عيون الناس ومأوى للحب الممنوع، والأهم من ذلك، أنه يصبح مسرحًا لعجز جيل بأكمله. فالرسالة القاسية التي يوصلها الفيلم هي أنه حتى فوق أعلى رموز الوطن، لا يوجد مهرب من واقع القمع والقبض على الأحلام.
فيلم “البريء” 1986 من أجرأ ما قدمت السينما المصرية، وتُصنّف رؤية الطيب النقدية فيه بأنها بلغت ذروتها. لم يكن الفيلم هجاءً مجرّدًا، بل تحليلًا عميقًا وتفكيكًا لمنظومة القمع من داخلها، حيث تناول المؤسسة الأمنية كأداة لسحق المواطن وتجريده من إنسانيته، كل ذلك تحت غطاء خطاب الوطنية الزائف. يروي الفيلم قصة الجندي البسيط “أحمد سبع الليل” (أحمد زكي)، الذي يتم استغلال جهله وبراءته وتجنيده في معسكرات الأمن المركزي، ليخضع لعملية غسيل دماغ ممنهجة تحوله إلى أداة قمع عمياء وجلاد لأخيه المواطن. إنه تشريح دقيق لآليات صناعة الطغيان، وصرخة إنسانية مدوية ضد التغوّل الأمني ومحو الوعي.
لتحقيق هذه الرؤية القاسية، استخدم عاطف الطيب لغة بصرية متقشفة لكنها موجعة، بالتعاون مع مدير التصوير سهيد شيمي، ليُقدّم فيلمًا يُعتبر من أكثر أعماله “تعبيرًا بالظل والنور”. انعكس ذلك في التباين الحاد بين المشاهد الخارجية المشرقة التي تمثل براءة البدايات، والمشاهد الداخلية ذات الألوان الترابية القاتمة التي تعكس التلوث الفكري والقمع. كما استُخدمت اللقطات الواسعة لمعسكرات الاعتقال الشاسعة لإبراز ضخامة آلة السيطرة، بينما ركزت الزوايا المغلقة على محاكاة السجن العقلي قبل المادي. ولإظهار عملية غسل الدماغ، لجأ الطيب إلى المونتاج السريع في مشاهد التدريب، فيما ركزت اللقطات القريبة على وجه “أحمد سبع الليل” لرصد تحولاته النفسية الدرامية التي تتراوح بين السذاجة، الخوف، وصولًا إلى الجنون.
لم يكن “البريء” مجرد اسم لشخصية، بل هو وصف رمزي لشعب بأكمله يُربّى على الجهل والطاعة العمياء. فالضحية الحقيقية في الفيلم هو “البريء” الذي يُرغم على القتل، ويُقمع حين يسأل، ويُدفن حيًا حين يكتشف الحقيقة. ولذلك، كان تصويب السلاح وانفجار الغضب في نهاية الفيلم تمردًا قهريًا وضروريًا على المنظومة بأكملها.
وهنا تكمن المأساة الكبرى للفيلم، فلهذا العمل نهايتان: نهاية أبدعها المؤلف، وأخرى فرضها الرقيب. في نسخته الأصلية التي مُنعت من العرض لسنوات طويلة، كانت الصرخة تصل إلى أقصاها؛ حيث ينفجر “سبع الليل” في تمرد أخير، فيقتل قائد المعسكر ثم يُطلق الرصاص على زملائه وعلى نفسه، في مشهد ثوري عنيف يمثل انهيار المنظومة على يد أدواتها. لكن هذه النهاية الجريئة حُذفت بأوامر سياسية عليا، واستُبدلت عام 1986 بنهاية باهتة تتفادى الثورة. هذه الرقابة، ورغم أنها أجهضت الفيلم وقتها، إلا أنها زادت من رمزيته وأكدت أن رسالته كانت أخطر مما يمكن للنظام تحمّله.
في فيلم “الهروب” 1991 يصل الصراع بين الفرد والدولة إلى ذروته المأساوية، ويجمع الفيلم ببراعة بين الإثارة البوليسية، والتحليل الاجتماعي العميق، والنقد السياسي الحاد، ليروي قصة “منتصر” (أحمد زكي)، المواطن البسيط الذي يجبره الظلم والفساد المتجذر على أن يصبح مطارداً. رحلة هروبه، هي رحلة وجودية للبحث عن العدالة في وطن لا مكان فيه للأبرياء، وهروب من العبث والدولة التي لا تعرف أبناءها إلا بوصفهم أرقامًا.
يدين الفيلم بشكل صريح الدولة التي تخلّت عن حماية أبنائها وعن فكرة العدالة نفسها. فمنتصر ليس مجرماً، بل هو ضحية منظومة فساد متكاملة: فساد إداري، تواطؤ رجال السلطة مع المال، سكوت الإعلام الذي يزور قصته، وغيبوبة المجتمع، الشرطة تطارده، وأهله يخافون الحديث، ليجد نفسه وحيدًا، لا سلاح معه سوى عزيمته على البقاء ورغبته الوحيدة في أن يُستمع إليه. وفي مجتمع لا يرحم كهذا، يصبح البريء خطيراً، لأنه يمثل بفعلته شهادة حية على انهيار المنظومة الأخلاقية بأكملها.
ولترجمة هذه الرحلة الخانقة بصريًا، اعتمد الطيب أسلوبا واقعيا، نابضا، ومتوترا، فجعل المشاهد شريكًا في رحلة الاختناق والبحث عن مخرج مستحيل عبر استخدام كاميرا محمولة تلاحق منتصر بلا هوادة، خاصة في شوارع القاهرة وأزقتها الضيقة، ما يخلق شعورًا دائمًا بالضغط، زاد منه التصوير في مواقع حقيقية كالشوارع والقرى والسجون، مع موسيقى مقلقة.
واستخدم الطيب زوايا تصوير مختلفة، منخفضة وعلوية، لتعكس حالة الارتباك والتشتت التي يعيشها البطل، مع التركيز على وجهه وعينيه، النافذة الحقيقية لمعاناته. وكل مشهد في الفيلم مصمم ليُشعر المشاهد بأنه المُطارد والمهدَّد، الذي لا يعرف من معه ومن ضده.
في النهاية، يُجسّد منتصر حلم كل من لم يجد فرصة ليُدافع عن نفسه، وكل من قُدّم قربانًا في صفقة أو تقرير كيدي، وحين يُقتل في نهاية المطاردة، لا نشعر أن مجرمًا قد سقط، بل أن صوتًا نقيًا آخر قد أُسكت إلى الأبد.
في فيلم “ناجي العلي” 1992، يتجاوز المخرج الحدود المحلية ليعبر عن إيمانه العميق بالقضايا القومية، مقدماً سيرة ذاتية مؤثرة لرسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير ناجي العلي، الذي اغتيل بسبب فنه.
لا يقتصر الفيلم على كونه سيرة ذاتية، بل هو تحية لحرية التعبير، ودور الفن كأداة للمقاومة وكشف الحقائق في وجه الظلم والقمع والاحتلال، ومن خلال قصة ناجي العلي، يعالج الطيب قضايا محورية كالهوية، والوطن، والمنفى، ويُبرز التحديات التي يواجهها الفنان الملتزم بقضايا أمته.
لتحقيق هذه الرؤية، اعتمد الطيب على أسلوب بصري يمزج ببراعة بين المشاهد الدرامية ولقطات من رسومات ناجي العلي الكاريكاتيرية الشهيرة، ليخلق تواصلًا بصريًا قويًا بين الواقع الذي يعيشه الفنان والفن الذي ينتجه.
ورغم رسالته الإنسانية، أثار الفيلم عند عرضه عاصفة من الجدل وهجومًا إعلاميًا منظمًا وشرسًا في مصر، وصل إلى حد اتهام صناعه بالخيانة والمطالبة بوقف عرضه.
جاء هذا الهجوم بسبب جرأة الفيلم في تناول القضية الفلسطينية وتلميحاته السياسية، ومن المفارقات أن هذا الهجوم أثبت بدوره رسالة الفيلم الأساسية عن الثمن الباهظ الذي يدفعه الفنان الملتزم، وأثار جدلاً أوسع حول التمويل الوطني للمشاريع السينمائية الحساسة، وأصبح الفيلم نفسه قضية ورمزًا للتحديات التي تواجه الفن الجريء.
في فيلم “ضد الحكومة” 1992 يطلق الطيب صرخة مدوية ضد الفساد المؤسسي الذي أصبح جزءاً من نسيج الدولة، يقدم الفيلم، من خلال شخصية المحامي الانتهازي والفاسد (أحمد زكي)، محاكمة رمزية للدولة بأكملها، حيث يستيقظ ضمير هذا المحامي بعد مأساة شخصية تطاله وتدفعه لمواجهة النظام الذي كان جزءاً منه.
لم يكتفِ الفيلم بإدانة المسؤولين، بل وجه اتهاماً مباشراً للمجتمع الصامت، وهو ما تجلى في المرافعة الخالدة التي أصبحت شعاراً للاحتجاج والوعي بالذنب الجماعي: “كلنا فاسدون… لا أستثني أحدًا!”. إنها صرخة موجهة في وجه الجميع: المواطن، القاضي، الإعلامي، المحامي، وكل من شارك في الجريمة أو سكت عنها.
استخدم الطيب لغة سينمائية حادة ليحوّل الفيلم بأكمله إلى قاعة محكمة كبرى، موجهاً كاميرته كأنها قاضٍ، فاستخدم اللقطات القريبة على وجوه الضحايا لنقل الألم، والزوايا المنخفضة التي تُبرز سطوة وهيبة القضاء، والكادرات المحكمة داخل قاعة المحكمة التي توحي بأن الجميع، بما فيهم الجمهور، يخضعون للمحاكمة. ولتعزيز هذا الإحساس، كانت الكاميرا المتحركة تتبع الشخصيات في تحركاتهم المستمرة داخل أروقة الوزارات وقاعات المحاكم، ما يضفي شعوراً بالنشاط والصراع البيروقراطي والقانوني، ويُبرز حجم المعركة التي يخوضها البطل في بحثه المستمر عن العدالة.
كما لعبت الإضاءة القوية والصريحة دوراً رمزياً، حيث استُخدمت في قاعة المحكمة كرمز لمحاولة الكشف عن الحقيقة وجلبها إلى النور، حقيقة عارية لكنها غير مرحب بها. ورغم قوة الأسلوب، اعتمد الطيب على إخراج شديد الاقتصاد لكنه مشحون بالرمزية، فجاءت مكاتب المحاماة الكبيرة لتمثل شبكات الفساد المنظمة، وعكست شوارع القاهرة المزدحمة ضياع الفرد وسط مؤسسات ضخمة، بينما أوحت ألوان الملابس الباهتة بأن الحياة فقدت بريقها ولم تعد سوى رماد.
لم تقتصر قوة الفيلم على صورته فقط، بل تجلت أيضاً في كلماته الصادمة والمباشرة، وهو ما يبدأ من العنوان نفسه.
في فيلم “كشف المستور” 1994 وصل الطيب إلى أقصى درجات غضبه الاخراجي، حيث يعرّي بضراوة قبح السلطة السياسية من الداخل من خلال رؤية جريئة لواحدة من أكثر المناطق حساسية، وهي استخدام النساء كأدوات في ملفات الأمن والمخابرات، ثم التخلص منهنّ عند انتهاء أدوارهن.
ترجم الطيب هذا الغضب إلى لغة بصرية خانقة، فصوّر المشاهد بإحساس ضاغط يجعل المدينة تبدو وكأنها تطارد البطلة، وهو ما عززته اللقطات البانورامية التي تعكس حجم المؤامرة المحيطة بها. اتسمت الإضاءة بالقتامة، حيث تقطّع الظل والنور في إشارة واضحة إلى الحقيقة المخفية، بينما استُخدمت الإضاءة الدرامية في مشاهد المواجهة لزيادة التوتر. وفي قلب هذه العتمة، تقترب الكاميرا في لقطات قريبة من وجه البطلة، لتُظهر كيف يمكن لضحية واحدة أن تتحول إلى شاهدة على فساد زمن بكامله. في النهاية، لا يستخدم الطيب أي زخرفة، بل يعتمد على “واقعية فاضحة” هدفها الأخير هو أن تجعل المشاهد شريكًا في الجريمة حين يختار الصمت.

مواجهة مستمرة ضد القهر والزيف

لا يمكن فهم أفلام عاطف الطيب كأعمال منفصلة، بل يجب النظر إليها ككيان واحد متكامل، يربطه خيط رئيسي هو الصراع بين الفرد المقهور والسلطة، تجلت هذه المواجهة في كل أفلامه، سواء كانت ضد السلطة الأمنية التي تعذب باسم الوطن، أو السلطة الاقتصادية التي تسحق المواطن، أو سلطة الإعلام التي تضلل الحقيقة. ولتحقيق هذه الرؤية، تعاون الطيب مع كبار كتاب الواقعية مثل وحيد حامد وبشير الديك، ليبدأ من أزمات اجتماعية محددة ويطرح من خلالها أسئلة كبرى عن معنى العدالة والوطن.
رحيل عاطف الطيب المبكر، ورغم كونه مأساوياً، فقد رسّخ صورته كأسطورة للفنان الشجاع الذي لم يقدم أي تنازلات، وترك خلفه أرشيفًا صادقًا للحقيقة، وأسس لمدرسة في السينما الجريئة، وأثبت أن مهمة السينما ليست تقديم إجابات مريحة، بل تحويل الشاشة من مساحة للهروب إلى ساحة للمساءلة، وتحويل المشاهد من مجرد متلقٍ إلى شاهد ومتفاعل.

«القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب