مقالات

سِجِلٌّ عدليٌّ…,لا حُكمَ عليها…!  بقلم: حسين عبدالله جمعة -بعلبك -لبنان –

 بقلم: حسين عبدالله جمعة -بعلبك -لبنان

سِجِلٌّ عدليٌّ…,لا حُكمَ عليها…!
 بقلم: حسين عبدالله جمعة بعلبك -لبنان –
 
ولأنني فلسطيني، عُدتُ من دائرة النفوس والسِّجل العدلي، مسكوناً بالغضب والقرف، وكثيرٍ من الإحباط؛ بعدما ذهبت للحصول على سِجِلٍ عدلي، “لا حكم عليها”،لابنتي كي تقدمه لإحدى المؤسساتِ التي باشرت العمل فيها. و لأنَّني في إجازتي السنوية، ذهبت وحديَ، من دون ابنتي، كي لا أَتسبَّب لها بالتَّغيبِ عن عملها الجديد.
والمؤلمُ أنَّني عدتُ محملاً بآلاف الأحكام والتُهم، وبكمٍ هائلٍ من صُورِ وتداعياتِ الكراهية…!؛ فقط لأنّي فلسطيني…!.
أشعروني، و كأنّي من مزبلة التاريخ،أفقدوني بوصلة الأيام، والاحترام، وكل ما يجب أن يكون عليه الفلسطيني اللاجئ الناجح والصالح…!.
وصلت، وأخذت مكاني في طابور الذل والهوان أمام نافذتين، واحدةٍ للإناث، وأُخرى للرجال حيث كان ترتيبي العاشر بينَ المنتظرين، و كانتِ النافذةُ المعدة للإناث خالية إلا من نظرات الموظف الذي يرمقني بتلكَ الفواترِ و الغِضابِ، من عينين مبتعدتينِ عن ألقِ الودِّ ومعنى السَّماحة…!.
وعندما حان دوري قدمت له هوية ابنتي وطابعين ماليين، وبطاقة الأعاشة، وَفْقَ ما هو مطلوبٌ منكَ كفلسطيني…!.
قال لي : هذا ممنوع،و يجب أن تأتي ابنتك نفسُها للحصول على السِّجل…!.
قلت له : ولكني والدها!!!.
قال لي: أنتم أجانب!!!.
حينها جعلني أبتسم، و قد عز علينا الابتسام والضحك منذ عقودٍ من الزمن!!!.
في هذه الاثناء، راحتِ الأَسئلةُ تتدافعُ في خَلَدي ورُوعي:
لماذا نحن، ما زلنا هنا…؟!.
لماذا نحن غرباء؟!.
لماذا نُعاملُ بأَداءٍ دونيٍّ، وكأَنَّنا من سُلالاتِ الوحوشِ والكواسر؟!.
وبينما أبتسم له ساخراً ، قلت له :أأنا أجنبي؟!!!.
رد قائلاً : هكذا هو القانون وهكذا يقول الدستور…!.
أيّ دستور هذا، يا أبناء لغة الضاد، وبني قومي؟!.
أَلمْ نُغنِّ سويةً :
“فـلا حـدٌّ يباعدُنا ولا ديـنٌ يفـرّقنا
لسان الضَّادِ يجمعُنا بغـسَّانٍ وعـدنانِ !.”
عُدتُ وقلت له: ولكنك قبل قليل منحتَ اثنين سجلَّيهما العدليّ، ولم يكن صاحبا العلاقةِ حاضرين؟!.
أجابني : إنَّهما لُبنانيَّان، فهل أنت لبناني؟!.
قلت له: لست بلبناني، ولكني والدها، وجئت من بعيد وتعذبت حتَّى وصلتُ هُنا…!.
أجابني : ممنوع منعا باتاً، وربما ابنتك تكون خارج البلاد، فماذا يثبت لي بانها مقيمةٌ الآن هنا؟
قلت له : هذا الحاسوب الذي أمامك، هو الذي يؤكد لك بأن ابنتي داخلَ البلادِ هنا، وبأنَّها لم تغادر الأراضي اللبنانية…!.
عندما لم يعجبه كلامي، طلب مني الابتعاد عن نافذته،نافذة ألف حكمٍ عليها، وعلى شعبي المعذب في كلِّ أصقاع الارض…!.
خرجت من المديرية لاعناً وساخطاً، و مردداً بين المارة وبصوت عالٍ، وهم ينظرون إليّ، ما قاله شاعرنا العظيم محمود درويش :
الليل – يا أمّاه – ذئب جائع سفاح”
يطارد الغريب أينما مضى ..
ماذا جنينا نحن يا أماه ؟
حتى نموت مرتين
فمرة نموت في الحياة
و مرة نموت عند الموت”…!.
خرجت شاحباً كالقمر،خرجت لاعناً جميعَ العرب والبشر وقلت في نفسي: إلى أين المفر؟، ولماذا عليهم أن يذكرونا صبح مساء باننا غرباء، وكأَنَّنا غزونا الأرضَ من كوكب آخر، لم يذكره اللهُ تعالى، ولم تكتشفه الناسا بعد!!!.
لماذا يحاولون أن يوقظوا أسوأ ما فينا، ومن ثم يشيرونَ إليكَ بانك فلسطيني…؟!.
ولماذا أنتم تجوبون الكرة الارضية، وهذا العالم المجنون، وكأنَّكم أسياد المعمورة؟.
ألم يكفكم ما نحن فيهِ من ألمٍ ومعاناة،وكيف صرنا هائمين على وجوهنا في فيافي الأرض، حتى مخيماتنا التي باتت تتساقط الواحد تلو الآخر بعدما ضاقت بنا وملت غربتنا…؟!!!.
ولأنك فلسطيني كل شيء -هو من حق البشر-،لك وعليك ممنوع…؛ من حق التملك والعمل،حتى الهروب من القذائف والصواريخ والموت المحتم، ممنوع عليك،وعليك أن تواجه الموت…!.
ماذا فعلنا يا الله…؟!.
ماذا فعلنا يا أماه، حتى نموت في كل يوم وكل حين، ألفَ ألف مرَّة؟؟؟!.
رحماك ربي…!،
خذنا الآن، قبل الآن، فلم يعد على هذه الارض ما يستحق أن يعيش من اجله الفلسطيني…!.
حسين عبدالله جمعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب