مقالات

شرعية لا تستوعب جميع اليمنيين: لماذا لا يكون الحوار بديلاً عن الحرب؟..

شرعية لا تستوعب جميع اليمنيين: لماذا لا يكون الحوار بديلاً
عن الحرب؟..

الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

منذ اندلاع الحرب في اليمن، ظلّت المملكة العربية السعودية تقود
تحالفًا عسكريًا تحت شعار دعم الحكومة اليمنية المعترف بها
دوليًا، ومواجهة جماعة أنصار الله الحوثية التي سيطرت على
العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من البلاد. غير أن استمرار
الحرب لسنوات طويلة يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يكفي الاعتراف
الدولي بحكومة ما لفرض سلطتها على جميع اليمنيين، حتى إن
لم تشارك مختلف القوى السياسية والاجتماعية في تشكيلها؟.
لا جدال في أن الحكومة اليمنية تحظى باعتراف دولي، لكن
الاعتراف الدولي لا يعني بالضرورة أنها تحظى بتفويض شعبي
شامل، ولا يعفيها من واجب البحث عن تسوية سياسية تستوعب
مختلف مكونات المجتمع اليمني. فالشرعية الدولية، مهما كانت
أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإقصاء قوى سياسية

واجتماعية لها حضورها على الأرض وبين قطاعات من الشعب
اليمني.
إن جماعة أنصار الله الحوثية ليست كيانًا يمكن تجاهل وجوده في
المعادلة اليمنية. ومهما اختلفنا مع توجهاتها السياسية أو
ممارساتها العسكرية، فإن أي حل مستدام للأزمة يقتضي
الاعتراف بضرورة مشاركتها، إلى جانب بقية القوى اليمنية، في
حوار وطني يحدد شكل الدولة ونظام الحكم وتقاسم المسؤوليات.
فالدول لا تُبنى بإقصاء مكوناتها، ولا يتحقق الاستقرار بفرض
سلطة من طرف واحد على بقية الأطراف.
ومن هنا، يبرز السؤال عن جدوى التدخل العسكري السعودي.
فإذا كان الهدف المعلن هو استعادة الشرعية، فلماذا لم تُعطَ
الأولوية منذ البداية لوساطة سياسية جادة تجمع الفرقاء اليمنيين
إلى طاولة المفاوضات، وتبحث عن صيغة حكم توافقية تحفظ
وحدة البلاد وتضمن مشاركة الجميع؟ ألم يكن من الأجدى توظيف
النفوذ السعودي في تقريب وجهات النظر بدل الانخراط في حرب
استنزفت اليمن وألحقت أضرارًا جسيمة بشعبه، وفرضت على
السعودية نفسها أعباء أمنية وعسكرية وسياسية متواصلة؟.
لا يمكن فصل هذا التدخل عن مخاوف الرياض من تنامي النفوذ
الإيراني في المنطقة عبر حلفائه، ومنهم الحوثيون. لكن معالجة
المخاوف الأمنية لا تبرر إهمال الأسباب الداخلية للصراع، ولا
تجعل الحرب الخيار الوحيد الممكن. فمواجهة النفوذ الإقليمي لا
تكون بالضرورة عبر حرب مفتوحة، بل يمكن أن تتم أيضًا من

خلال الحوار، وبناء علاقات إقليمية متوازنة، ودعم تسوية يمنية
مستقلة عن حسابات القوى الخارجية.
وفي المقابل، فإن المطالبة بحق الحوثيين في المشاركة السياسية
لا تعني منحهم حق احتكار السلطة، أو اعتبار السيطرة العسكرية
بديلًا عن الإرادة الشعبية. فالمشاركة حق ينبغي أن تتمتع به
مختلف القوى اليمنية، لكن الحكم يجب أن يقوم على التوافق
السياسي والآليات الدستورية والتمثيل الشعبي، لا على منطق
الغلبة المسلحة.
إن المخرج من الأزمة اليمنية لا يكمن في إقصاء الحوثيين، كما
لا يكمن في تمكينهم من فرض إرادتهم على الآخرين. وإنما يكمن
في حوار يمني شامل، برعاية دولية وإقليمية مسؤولة، يفضي
إلى حكومة تشاركية، وضمانات متبادلة، ومؤسسات تمثل
اليمنيين، وتضع حدًا لتدخلات الخارج التي غذّت الانقسام وأطالت
أمد الحرب.
لقد أثبتت سنوات الصراع أن الحل العسكري لم يُنهِ الأزمة، وأن
استمرار الرهان عليه لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وتوسيع
دائرة المعاناة. وإذا كانت السعودية حريصة فعلًا على أمنها
واستقرار اليمن، فإن الطريق الأقصر إلى ذلك ليس فرض حكومة
بالقوة، بل المساهمة في بناء تسوية سياسية لا يشعر فيها أي
مكون يمني بأنه مُستبعَد أو مستهدف.
فاليمن ليس ملكًا لطرف دون آخر، ولا ينبغي أن يكون ساحة
لتصفية الحسابات الإقليمية. إن مستقبل اليمنيين يجب أن يقرروه

بأنفسهم، عبر الحوار والمشاركة والاحتكام إلى الإرادة الشعبية،
لا عبر الحرب والإقصاء. وتلك هي الخطوة الأولى نحو سلام
عادل ومستدام ينهي معاناة اليمن ويفتح أمام شعبه أفقًا جديدًا
للاستقرار وبناء الدولة..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب