كتب

شعبية ترامب في أدنى مستوياتها: الكونغرس يقيّد العودة إلى الحرب

شعبية ترامب في أدنى مستوياتها: الكونغرس يقيّد العودة إلى الحرب

لأول مرّة منذ صدور «قرار صلاحيات الحرب» لعام 1973، وافق مجلسا «الكونغرس» على قرار مشترك يوجّه ساكن البيت الأبيض بإنهاء «نزاع عسكري» خارجي. وصوّت مجلس الشيوخ، الثلاثاء، على قرار يمنع الرئيس دونالد ترامب من استئناف الحرب مع إيران، وذلك بأغلبية 50 صوتاً مقابل 48، علماً أن مجلس النواب كان قد مرّر إجراءً مماثلاً خلال الشهر الجاري، بعدما عجز القادة «الجمهوريون»، الذين حاولوا عرقلته، عن إبقاء الحزب موحّداً في معارضته.
ونجح «الشيوخ» في تمرير القرار على إثر انضمام أربعة من الأعضاء «الجمهوريين» إلى «الديمقراطيين» في دعمه، وتغيُّب عضوَين «جمهوريَّيْن» عن التصويت، هما ميتش مكونيل (عن ولاية كنتاكي) وديف مكورميك (عن ولاية بنسيلفانيا). وفيما كان السيناتور جون فيترمان، عن ولاية بنسيلفانيا، «الديمقراطي» الوحيد الذي صوّت ضدّ القرار، خرج الشيوخ راند بول (كنتاكي)، وليزا موركوفسكي (ألاسكا)، وسوزان كولينز (مين)، وبيل كاسيدي (لويزيانا) عن إجماع زملائهم «الجمهوريين» ودعموا الإجراء.
وبطبيعة الحال، احتفل «الديمقراطيون» بالتصويت، معتبرين أنه حقّق هدفهم المتمثّل في تسجيل معارضة «الكونغرس» لقرار ترامب الأحادي الجانب ببدء الحرب في إيران، من دون إذن منهم، وذلك بعدما حاولوا مراراً تمرير القرار في مجلس الشيوخ، وفشلوا.

ما التالي؟

عقب التصويت الأخير، بات هذا الإجراء يُصنَّف على أنه «قرار مشترك»، وبالتالي أداة قانونية لا تحتاج إلى توقيع رئيس الجمهورية لتَدخل حيز التنفيذ، لكنها، في الوقت نفسه، لا تصبح قانوناً نافذاً تلقائياً. ذلك أنه في عام 1983، قضت المحكمة العليا بأنه لكي يكون للإجراءات التشريعية – وتحديداً منها الحدّ من سلطات الحرب – أثر قانوني خارج أروقة «الكونغرس»، يجب عموماً أن تحظى بموافقة كلا المجلسَين، وتُرفع إلى الرئيس لتوقيعها أو استخدام حق النقض (الفيتو) ضدّها.
وكان قانون سلطات الحرب وُلد من رحم صدام بين الكونغرس والرئيس ريتشارد نيكسون بسبب حرب فيتنام، ثمّ تَكرّس بإبطال المشرّعين آنذاك حق «الفيتو» الذي استخدمه الرئيس (يتطلّب الإبطال توفّر أغلبية الثلثين)، في محاولة منهم لاستعادة سلطتهم في اتّخاذ هكذا قرارات. على أن هذا السيناريو من غير المُرجّح أن يتكرّر الآن، في ظلّ تمسّك العدد الأكبر من «الجمهوريين» بدعم ترامب، ومعارضة بعضهم للاتفاق «السخيّ» مع إيران.
وعلى الرغم من أن مؤيّدي القرار يجادلون بأن التدابير المتعلّقة بصلاحيات الحرب تختلف عن غيرها، نظراً إلى أن الدستور يمنح سلطة إعلان الحرب لـ»الكونغرس» وحده، إلّا أنه لم يسبق أن خضعت هذه المسألة لاختبار حاسم أو بتٍّ نهائي أمام «المحكمة العليا».

يعرب بعض المشرّعين «الجمهوريين» عن مخاوفهم بشأن كلفة الحرب الاقتصادية وأهدافها غير الواضحة

ردود فعل

سرعان ما تتالت ردود الفعل المندّدة بالقرار؛ إذ قال السيناتور جيم ريش، «الجمهوري» عن ولاية أيداهو ورئيس لجنة العلاقات الخارجية، في إشارة إلى التساؤلات القانونية المحيطة بهذه الآلية، إنه «مهما حدث بشأن هذا القرار، فلن يكون له أيّ أثر»، مضيفاً أن ترامب «لن يولي الأمر أيّ اهتمام». بدوره، شنّ ترامب هجوماً حادّاً، عبر منصّة «تروث سوشيال»، على من وصفهم بـ «أربعة خاسرين جمهوريين والديمقراطيين الأغبياء (Dumocrats)»، الذين صوّتوا في مجلس الشيوخ لصالح تمرير قرار «صلاحيات الحرب». كما وصف التصويت بأنه «سيّئ التوقيت ولا معنى له»، مشيراً إلى أنه «جعل مهمّتي أكثر صعوبة»، في وقت تواصل فيه الإدارة محاولة التفاوض على اتفاق سلام، أكّد أنه سينجزه على أيّ حال «بطريقة أو بأخرى، لأنني دائماً أنجز المهام!».
وعلى الرغم من «رمزيته»، حتى اللحظة أقلّه، فإن «مقاومة الجمهوريين» كانت لافتة للأنظار، ولا سيما في وقت من المتوقّع أن تطلب فيه إدارة ترامب، عشرات المليارات من الدولارات الإضافية لتمويل الحرب. ويسعى وزير الدفاع، بيت هيغسيث، للحصول على تمويل إضافي بقيمة 80 مليار دولار تقريباً للإمدادات الدفاعية وتكاليف أخرى غير متعلّقة بالحرب، وهو ما من المتوقّع أن يقابَل بمعارضة من المشرّعين، ولا سيما أن «البنتاغون» كان قد قدّر، بدايةً، أن الحرب ستكلّف نحو 11 مليار دولار فقط خلال أسبوعها الأول، في حين أن التكلفة الفعلية بلغت، على الأغلب، نحو 40 مليار دولار، وذلك وفقاً لـ«مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS).
كذلك، كان التصويت بمثابة أحدث دليل على التوترات بشأن الحرب داخل «الحزب الجمهوري»، الذي يواجه بيئة سياسية قاسية قبيل انتخابات التجديد النصفي التي باتت فيها سيطرته على «الكونغرس» على المحكّ. ومع إظهار استطلاعات الرأي عدم شعبية النزاع بشكل كبير، أعرب بعض المشرّعين في الحزب عن مخاوفهم بشأن كلفته الاقتصادية، وأهدافه غير الواضحة، وخطر حدوث تصعيد إقليمي أوسع نطاقاً.

ومن بين أبرز العوامل التي تعمّق الشرخ في صفوف حزب ترامب، كون الحرب التي خاضها الأخير لا تحظى بشعبية في الداخل الأميركي، إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز»، بالتعاون مع «كلية سيينا كوليدج»، أن معظم الناخبين يعتقدون أن ترامب اتّخذ القرار الخاطئ بالذهاب إلى الحرب مع إيران، ما يضع «الحزب الجمهوري» في موقف سياسي غير مستقرّ قبيل انتخابات التجديد النصفي، في وقت تتراجع فيه نسبة تأييد الرئيس وتتصاعد المخاوف الاقتصادية. ورأت أغلبية الناخبين أن الحرب لا تستحقّ التكاليف المترتبة عليها، كما عبّرت عن نظرة تشاؤمية عميقة تجاه الوضع الاقتصادي.
بالتوازي، انخفضت نسبة تأييد الرئيس، والتي تُعدّ، تاريخياً، مؤشراً رئيساً بالتنبؤ بكيفية أداء حزبه في الانتخابات، إلى أدنى مستوى لها خلال ولاية ترامب الثانية، مسجِّلةً في استطلاعات «تايمز/سيينا»، 37%. وذكر ما يقرب من ثلثَي الناخبين، بمن فيهم ما يقرب من ثلاثة أرباع المستقلّين الذين يشكّلون كتلة تصويتية حاسمة سياسياً، أن خوض الحرب كان قراراً خاطئاً. في المقابل، رأى أقلّ من ربع إجمالي الناخبين أن النزاع كان يستحقّ «التكاليف» المترتّبة عليه.

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب