شكل جديد للهجمات الاسرائيلية في الضفة لرسم مشهد التصعيد

شكل جديد للهجمات الاسرائيلية في الضفة لرسم مشهد التصعيد
سعيد أبو معلا
الضفة الغربية ـ : يستحق ما حدث في بلدة المغير شمالي مدينة رام الله منتصف الأسبوع الماضي التوقف كثيرا، وتحديدا في ظل ما نشرته «القدس العربي» في ثاني أيام المجزرة التي رح ضحيتها شاب وفتى وأصيب ثالث من البلدة التي يمكن أن تعتبر نموذجا حيا على «الهجمات الاستيطانية ذات الشكل الجديد» بعد تاريخ طويل من الهجمات الاستيطانية والاقتحامات المتكررة وسياسات الاستهداف.
نقول ذلك ونشدد على وصف الهجمة الأخيرة-المجزرة على البلدة الصغيرة بإنها تعبير عن «شكل جديد» من الهجمات لكونها تحمل بداخلها الكثير من السمات والممارسات التي تميزها عن غيرها ويجعلها من النوع الذي كانت سلطات الاحتلال تريد من خلالها أن تكون مدخلا «للتصعيد الميداني» وهو الأمر الذي عكفت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وكذلك الرسمية التحذير منه بصورة كبيرة ومتكررة خلال الأسبوعين الماضيين.
فالشاب عمر نعسان (19 عاما) والفتى خليل راسم أبو عليا (17 عاما) لم يسقطا برصاص المستوطنين كما ذكرت بعض وسائل الإعلام، بل سقطا برصاص قناصة من جيش الاحتلال اعتلوا أسطح منازل القرية المرتفعة والهدف كان واضحا وهو القتل واستهداف الشبان والمواطنين بإصابات قاتلة، كما أن حجم القوات التي دخلت البلدة ونوعها مختلفة عن اقتحامات سابقة رافقتها قوات من الشرطة والمستوطنين أيضا.
لقد رسمت الشهادات التي جمعتها «القدس العربي» مشهدا مختلفا من الاقتحامات المنسقة بين المستوطنين والشرطة وقوات حرس الحدود، وهي هجمة كانت بعدد كبير جدا من المركبات والجنود الذين كانوا يضعون نصب أعينهم القتل وإيقاع عدد كبير من الشهداء تحت ذريعة ومبرر استرداد مواشي مسروقة للمستوطنين!.
يمكن أن يسأل المهتم النشطاء في بلدة المغير حول المجزرة وسيكون ردهم انهم يحمدون الله أنها لم تقع كما كان يخطط لها الاحتلال، والسبب في ذلك أن الشبان تصرفوا بحكمة مساء الهجمة الاحتلالية الدموية وقاموا في لحظات الاشتباك الأولى بتحطيم أعمدة الإنارة في الشوارع وهو ما قلص الخسائر البشرية كثيرا بفعل انتشار العتمة.
وقالت المصادر إن الشاب والفتى سقطا في بداية المواجهات عندما دخلت القوات بعنف شديد بهدف استرداد عدد لا يذكر من المواشي والخراف، وهي الحجة التي تكررت خلال العامين المنصرمين لسرقة مواشي الفلسطينيين.
وكاد أن يكون الهجوم على المغير نموذجا مؤلما بشكل مضاعف فيما يشي أنه يدعم ادعاءات «التصعيد» التي ينشرها الجيش الإسرائيلي والمسؤولين الرسمين على إيقاع الانتخابات الإسرائيلية.
وبحسب مراقبين فإن المشهد الانتخابي الإسرائيلي يرسم في خضم أزمة سياسية غير مسبوقة واستطلاعات رأي تشير إلى انهيار وشيك، حيث يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد وجد في التصعيد العسكري في الضفة الغربية، وتحديداً في جنين ونابلس ورام الله، جانبا من طوق النجاة المتوقع.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2026، تتشابك الحسابات الأمنية مع الأجندات الانتخابية، ليدفع الفلسطينيون ثمن هذه المناورات السياسية على شكل تصعيد مدروس ومنسق بين مختلف المكونات حيث يغذي ذلك كره أيديولوجي ديني قومي ضد الفلسطينيين.
وفي ذات السياق لم يكن اغتيال ثلاثة من المقاومين الفلسطينيين في غارة جوية على جنين قبل نحو أسبوع مجرد حدث أمني عابر، بل يبدو كجزء من مسار تصعيدي ممنهج أيضا.
فالغارة الجوية، التي استهدفت قيس البيطاوي واثنين من الناشطين الشباب في حرش السعادة بجنين، تمثل نقلة نوعية في التكتيكات الإسرائيلية في الضفة الغربية، حيث يندر استخدام الطيران مقارنة بما يحدث في قطاع غزة.
هذا التصعيد لا يقتصر على جنين؛ فالضفة الغربية بأكملها تعيش على وقع اقتحامات يومية، وتدمير للبنية التحتية، واعتقالات واسعة، بالتوازي مع عنف متصاعد للمستوطنين رسمت ملامحه منتصف الأسبوع الماضي في بلدة المغير شمال رام الله، فيما استمر المشهد في بلدة قصرة شرق مدينة نابلس التي دخل فرض حصار المستوطنين على ثلاثة منازل اليوم الثلاثين.
وبحسب خبراء في الشأن الفلسطيني والإسرائيلي فإن بنيامين نتنياهو يوظف التصعيد في الضفة كأداة سياسية بامتياز. فهو من جهة، يسعى لتأجيل استحقاق الانتخابات أو تغيير شروطها عبر إبقاء المنطقة في حالة استنفار دائم. ومن جهة أخرى، يستخدم العمليات العسكرية وتسريع وتيرة الاستيطان، مثل مشاريع «إي-1» وبناء مئات الوحدات الاستيطانية، كرسائل طمأنة لقاعدته الانتخابية من المستوطنين واليمين المتطرف، مؤكداً استمراره في سياسة «الضم الزاحف» وفرض الوقائع على الأرض.
يأتي هذا كله وسط تحذيرات متصاعدة، حتى من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث حذر رئيس الأركان إيال زامير نتنياهو من خروج الأوضاع في الضفة عن السيطرة نتيجة لعنف المستوطنين والسياسات المتبعة.
بدوره يجيب الباحث والخبير في الشؤون الإسرائيلية ياسر مناع على إشكالية مفادها: إذا كانت مشكلة نتنياهو أنه لم ينجح في تحويل الإنجاز العسكري إلى إنجاز سياسي، فلماذا يذهب نحو التصعيد معتقدًا أنه قد يساعده في الانتخابات؟
والجواب بحسب الباحث مناع أن هناك فرقًا بين الإنجاز السياسي الاستراتيجي والمكسب الانتخابي. نتنياهو لم ينجح في تحويل القوة العسكرية إلى تسوية أو ترتيب مستقر لليوم التالي وإنهاء الحروب بطريقة ترضي إسرائيل. لكنه يستطيع أن يحوّل الضربات والاغتيالات إلى صورة انتخابية تقول إنه قوي ويبادر ويضرب خصوم إسرائيل ولا ينتظرهم.
ويتابع: «التصعيد يسمح له أيضًا بإعادة الانتخابات إلى ملعب الأمن بدل أن تدور حول مسؤوليته عن الإخفاقات وإطالة الحروب وغياب الحل السياسي. لذلك، قد يفضّل عمليات محدودة يمكن عرضها سريعًا بوصفها إنجازات».
ويختم مشددا «بمعنى أبسط، نتنياهو لا يحلّ بالتصعيد مشكلة غياب الإنجاز السياسي وإنما يحاول تغطيتها بإنجازات عسكرية سريعة. وقد تنجح هذه السياسة انتخابيًا؛ لأن الناخب يرى الضربة الآن بينما تظهر كلفة غياب الحل السياسي لاحقًا».
بينما يصارع نتنياهو من أجل بقائه السياسي، يبقى المشهد الفلسطيني عرضة لمزيد من التدهور. فالتصعيد في جنين والضفة الغربية ليس مجرد رد فعل أمني، بل هو أداة فعالة في اللعبة الانتخابية الإسرائيلية وتحديدا عند أحزاب وتشكيلات سياسية يمينية متطرفة ترى في الضفة الملعب الأبرز في المشروع الاستيطاني الصهيوني.
ومهما كانت النتائج التي تدلل عليها استطلاعات الرأي، فإن الثمن الباهظ لهذا الصراع السياسي يدفعه الفلسطينيون يومياً من دمهم وأرضهم ومستقبلهم السياسي، ما ينذر بأشهر قادمة بالغة الخطورة والتصعيد وهو أمر يعتبر امتدادا لذات السياسة الاحتلالية بعد السابع من أكتوبر عام 2023.
وفي سياق متصل، قال المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ثمين الخيطان، إن المفوضية وثّقت مقتل أكثر من 1100 فلسطيني في الضفة الغربية المحتلة على يد جنود ومستوطنين إسرائيليين منذ أكتوبر 2023، ووصف الوضع بأنه «مروّع» محذرا من مخاوف تطهير عرقي.
وقال الخيطان، إن المفوضية قلقة من أن تصبح سياسة إسرائيل الرامية إلى ترسيخ ضم الضفة الغربية المحتلة، بما فيها شرقي القدس، أمراً دائماً، مؤكداً أن ذلك يتعارض مع القانون الدولي وحقوق الإنسان الأساسية. ووصف الخيطان الوضع في الضفة الغربية المحتلة بما فيها شرقي القدس، بأنه «مروِّع»، مشيرًا إلى أنهم يشهدون قائمة متواصلة ومتزايدة يوما بعد يوم من الانتهاكات الإسرائيلية.
وأضاف «وثَّقنا استشهاد أكثر من ألف و100 فلسطيني في الضفة الغربية على يد جنود إسرائيليين أو مستوطنين إسرائيليين غير شرعيين، خلال الفترة من 7 أكتوبر 2023 حتى 27 تموز/يوليو الماضي. ويُطرد الناس من منازلهم، فيما تتواصل سياسة إسرائيل الرامية إلى ترسيخ الضم».
وتابع «نشهد اعتداءات يرتكبها المستوطنون، فضلاً عن إقامة مزيد من البؤر الاستيطانية التي تُستخدم منطلقا لهذه الاعتداءات، بدعم من القوات الإسرائيلية وبمشاركتها أحياناً».
المشهد ذاته تكرر في بلدة قباطية حيث أعلن الجيش إحباط خلية في قباطية، وفي ذات الوقت عززت من تحذيراتها من اتساع بؤر الاحتكاك في الضفة الغربية، في وقت تعمل فيه 26 كتيبة في المنطقة.
وحسب الجيش فقد احتاج مقاتلو وحدة «دوفدوفان» إلى أقل من عشر دقائق، فجر الجمعة، لاعتقال خمسة مسلحين في بلدة قباطية، قالت المؤسسة الأمنية إنهم كانوا يخططون لتنفيذ عملية في مدينة كبيرة، وتعكس صياغة البيان درامية كبيرة تحمل النجاح الأمني أمام تخطيط فلسطيني متوقع.
وجاء إحباط الخلية المزعومة بحسب الجيش استنادا إلى معلومات استخباراتية من جهاز الشاباك، في وقت ترصد فيه المؤسسة الأمنية ارتفاعًا في الإنذارات بشأن عمليات في الضفة الغربية، وبالتوازي تحذر من تصاعد الجرائم ذات الدوافع القومية و«الإرهاب اليهودي»، ومن اتساع بؤر الاحتكاك على الأرض.
وبحسب مسؤول عسكري رفيع فإن «الدافع لتنفيذ عمليات في يهودا والسامرة مرتفع، وعدم النجاح في تنفيذها يزيد الدافع أكثر». وخلال الأسبوع الأخير، اعتقلت قوات فرقة الضفة الغربية نحو 60 مشتبهًا بهم، بينهم مسلحون قالت المؤسسة الأمنية إنهم خططوا لتنفيذ عمليات في المدى الزمني الفوري بحسب زعم الجيش وهو ما يجعله يعمل على استكمال تعزيزًا كبيرًا لقواته في الضفة الغربية.
وتوجد حاليًا 26 كتيبة في المنطقة، من بينها قوات تابعة لثلاثة ألوية نظامية، وهي وحدات كان من المفترض أن يخرج بعضها لفترة راحة وتجديد أو للتدرب استعدادًا للحرب المقبلة.
وتزداد المخاوف أيضًا مع اقتراب موسم قطف الزيتون، في ظل الفترة السياسية الحالية. ويقول مسؤولون أمنيون إن تدخل جهات سياسية وبعض القيادات المحلية، في حالات معينة، يصعّب عمليات إنفاذ القانون وعمل القادة العسكريين على الأرض.
وقالت صحيفة «معاريف» إن ضباطا كبارا في جيش الاحتلال قالوا إن الخشية الأساسية لدى المؤسسة الأمنية حاليًا تتمثل في وجود جهات سياسية تسعى إلى دفع الوضع الأمني نحو التدهور وإشعال الضفة الغربية مع اقتراب الانتخابات، اعتقادًا منها بأن التصعيد قد يساعدها على استعادة مقاعد خسرتها في استطلاعات الرأي.
ووفقا لصحيفة «يسرائيل هيوم»، فإن الجيش يحذر منذ نحو أسبوعين من «القدرة التفجيرية» للأحداث في الضفة وتأثيرها المباشر على عملياته العسكرية، مشيرا إلى أن ما يجري في بلدة قصرة ليس منفصلا، بل هو حلقة في سلسلة أحداث تهدد بإشعال المنطقة بأكملها.
ولا يبدو أن مخاوف التصعيد في الضفة الغربية مرتبطة بفعل فلسطيني حقيقي ومكتمل ومخطط له، إنما هي مخاوف احتلالية من رد فعل عنيف وقوي على جرائم احتلالية مخططة وواضحة ومتواصلة ومدعومة من الجيش ويراد لها أن تثخن بالجسد الفلسطيني، أما جريمة المغير الأخيرة فكانت من هذا النوع لكنها لم تكتمل لحسن الحظ وراح ضحيتها شاب وفتى، على الفلسطينيين النظر إليهم طويلا والتمعن في حجم الخسارة بفقدانهم.
«القدس العربي»




