عربي دولي

شهداء الحرب السوريون… ضحايا غير مرئيين

شهداء الحرب السوريون… ضحايا غير مرئيين

يكشف استشهاد السوريين في الحرب على لبنان عن مأساة مزدوجة، حيث يتحوّل هؤلاء إلى ضحايا غير مرئيين، بينما أهاليهم محرومون من التعاطف والدعم. وهكذا، تتعمّق معاناة السوريين بين قسوة النزوح والاحتقان الطائفي في ظل تجاهل رسمي واجتماعي يفاقم مأساتهم.

دمشق | بدت خسارة العائلات السورية التي فقدت أبناء لها في الحرب الإسرائيلية المستمرّة على لبنان، مضاعَفة. إذ إن هذه العائلات لم تفقد أحباء ومعيلين فحسب، بل افتقدت أيضاً تعاطف مجتمعها الأمّ في أشرس حرب يشنّها العدو الإسرائيلي على المنطقة. ويبدو هذا التعاطف، حتى اللحظة، وكأنه لا يرقى إلى مستوى أهمية المرحلة وخطورتها، وهو ما لا يبدو مستغرَباً في ظلّ ما تعيشه سوريا من عمليات فرز طائفي تحدّد في كثير من الأحيان وجود التعاطف من عدمه مع الضحايا.
وبحسب آخر تحديث صادر عن وزارة الصحة اللبنانية في 26 أيار الماضي، بلغت حصيلة الضحايا السوريين، منذ تجدّد الحرب في 2 آذار، 449 ضحية بين شهيد وجريح. وقضى هؤلاء في بلدات ومناطق مختلفة، داخل أماكن إقامتهم أو عملهم أو في أثناء تنقّلهم على الطرقات، علماً أن معظمهم من العمّال الذين يعيشون مع عائلاتهم في مناطق الجنوب وبعلبك والضاحية الجنوبية لبيروت.
وأثارت أنباء سقوط أولئك الضحايا تفاعلات متباينة على منصات التواصل الاجتماعي، وصل بعضها إلى حدّ السخرية والتعليق من منطلقات طائفية. وفي المقابل، دعا ناشطون السلطات الانتقالية السورية إلى تنسيق جهود مشتركة مع نظيرتها اللبنانية لمتابعة أوضاع السوريين المتضرّرين من الحرب في لبنان، علماً أن تلك السلطات تكاد لا تُظهر اهتماماً بأوضاعهم.

وأعاد خبر استشهاد أفراد عائلة سورية بأكملها في غارة إسرائيلية استهدفت، الجمعة الماضي، مكان عملها قرب بلدة عدلون في قضاء صيدا، تسليط الضوء على واقع آلاف السوريين الذين لا يزالون يفضّلون البقاء في لبنان أو النزوح إليه – مجدّداً أو لأول مرة – رغم الحرب. ويُعزى هذا الأمر إلى ظروفهم المعيشية القاسية في بلدهم، والناجمة عن تردّي الأوضاع الاقتصادية وتراجع الخدمات وتفاوت حالات استقبالهم (لدى عودتهم إلى بلدهم)، فضلاً عن منع صرف رواتب المتقاعدين والموظفين المفصولين من أعمالهم منذ أكثر من سنة ونصف السنة.

وفيما أسفرت تلك الغارة عن استشهاد 8 أفراد، هم: رب العائلة قيس محمد الباكير، وزوجته الحامل ريم محمد العلي، وأطفالهما الستة: رؤى (15 عاماً)، وجعفر (12 عاماً)، وقمر (9 أعوام)، وجنى (6 أعوام)، وثريا (4 أعوام)، ومحمد (3 أعوام)، يروي عبد الله الباكير، شقيق الشهيد قيس، في حديثه إلى «الأخبار»، جانباً من المأساة التي حلّت بالعائلة. وبحسبه، فإنه بعدما تحوّل أخوه وأفراد عائلته إلى أشلاء مبعثرة جراء الغارة الإسرائيلية المباشرة على «غرفة الناطور» التي يسكنوها، لم ينجُ هؤلاء من التعليقات الطائفية والشائعات، ومن أبرز وجوهها الحديث عن رفض السلطات السورية استقبال جثامينهم لدفنها في سوريا. ويشدّد عبد الله على «ضرورة عدم انجرار الشارع السوري وراء حملات التجييش الطائفي»، موضحاً أن «الأمر لا يتعلق برفض السلطة استقبال الجثامين، فهذا الخبر منفي جملةً وتفصيلاً، وهدفه خلق شرخ اجتماعي يهدّد ما تبقى من اللُّحمة الوطنية».

تُظهر حصيلة ضحايا الحرب آلاماً تطاول كلّ الجغرافيا السورية

والواقع أن نقل الجثامين إلى سوريا يحتاج إلى إجراءات إدارية وقانونية تستغرق وقتاً، تبدأ باستخراج الوثائق اللازمة وتنتهي بترتيبات العبور الرسمية. وبما أن الاستهداف وقع يوم الجمعة، كان الانتظار سيؤخّر الدفن لأيام؛ ولذلك، «تقرّر دفنهم في جبل محسن بصورة مؤقتة (وديعة) مراعاةً لحرمة الموتى والتقاليد الدينية»، وفقاً لعبد الله. ويشير إلى أن العائلة كانت تفكّر في نقل الجثامين لاحقاً إلى سوريا، لكنها تراجعت عن ذلك، مضيفاً أن «للميت حرمة، وقلوبنا لا تقوى على نكء الجراح من جديد».
ولا يفصل عبد الله بين استشهاد شقيقه والظروف التي دفعت العائلة إلى مغادرة سوريا أساساً، قائلاً إن «هذا الفقد كان ثمن السعي وراء لقمة العيش وحفظ الكرامة إثر تردّي الأوضاع المعيشية في سوريا؛ إذ اضطر قيس إلى استقدام أفراد أسرته – على مراحل بسبب ضيق حاله المادية – إلى لبنان، حيث عمل في تربية المواشي لإعالة أسرته التي شاركها رحيلها الأبدي». ويختتم حديثه بالقول: «لا ينبغي أن ننجرّ إلى فتنة طائفية توزع صكوك الرحمة بحسب هوية الضحية؛ فكلنا سوريّون وطنيّون، وقد تختلف بعض القناعات وهذا أمر طبيعي، لكن الثابت أن الانتماء هو إلى سوريا، وما يجمع السوريين اليوم من ضيق معيشي يتجاوز أي بُعد طائفي أو مذهبي».

ضحايا من كلّ سوريا

تُظهر حصيلة ضحايا الحرب آلاماً تطاول كلّ الجغرافيا السورية، من حطلة في دير الزور شرقاً، مروراً باللاذقية وحمص وطرطوس وسطاً، وصولاً إلى درعا والقنيطرة اللتين تعانيان التوغلات الإسرائيلية الدائمة جنوباً.
ورغم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بعد إعلان وقف إطلاق النار في 17 نيسان الماضي، بدا لافتاً ما سجّله تقرير لـ«المنظمة الدولية للهجرة» (IOM) التابعة للأمم المتحدة، صدر في أواخر أيار، من تراجع في حركة النزوح من لبنان إلى سوريا، مقابل بدء عودة قسم من النازحين إلى الأراضي اللبنانية. وبحسب التقرير، عاد نحو 33,887 سوريّاً إلى لبنان، بعدما كانت موجة النزوح إلى سوريا قد بلغت ذروتها في 27 نيسان مع تسجيل نحو 153 ألف وافد.

وكان سجّل تقرير «تتبّع النزوح ومراقبة الحدود»، الصادر عن المنظمة نفسها، 366,719 حركة عبور عبر المعابر الحدودية السورية – اللبنانية منذ 2 آذار الماضي، شكّل السوريون 97% منها، فيما بلغت نسبة اللبنانيين 3%. ووصل 119,200 شخص إلى 1238 موقعاً في المحافظات السورية الأربع عشرة، تصدّرتها محافظة إدلب بأكثر من 17 ألف وافد.
وأشار التقرير إلى أن غالبية العائدين لا يزالون يواجهون مخاطر أمنية متعدّدة، بينها خطر الألغام في إدلب، فيما سجّلت هذه المخاوف أعلى مستوياتها بين العائدين إلى الحسكة بنسبة 100%، تليها السويداء وريف دمشق. وبحسب التقرير، فإن جزءاً من الوافدين من لبنان دخلوا سوريا قبيل عيد الأضحى لتقييم الأوضاع في البلاد وزيارة أقاربهم خلال مدة العيد. إلا أن تدفّق عائلات جديدة أدّى إلى زيادة الضغط على خيارات المساكن المحدودة أساساً، ليعود بعض النازحين إلى التفكير في الرجوع إلى لبنان، رغم الحرب المستمرة فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب