طرائف الوزراء في تونس…

طرائف الوزراء في تونس…
محمد كريشان
قد لا نتذكر من وزراء الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة سوى زلة مضحكة واحدة، فقد كان وزراؤه من الوزن الثقيل أصحاب مستوى تعليمي راق وتجربة سياسية ثرية. أما مع الرئيس زين العابدين بن علي فلا نكاد نتذكّر شيئا لأن وزراءه كانوا أصلا مقلـّين في الحديث.
لنعترف أولا أن كل هؤلاء محظوظون في النهاية لأنهم لم يعيشوا في أجواء هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي التي تلتقط كل كبيرة وصغيرة، بل وقد تستمتع بأي سقطة لهذا الوزير أو ذاك.
امتد حكم الراحل بورقيبة ثلاثين عاما، وحكم خلفه الراحل بن علي ثلاثة وعشرين عاما، ثم جاءت مرحلة ما بعد الإطاحة بهذا الأخير بداية عام 2011 لتشهد «العصر الذهبي» لاصطياد أخطاء الوزراء والسخرية منها بدءا من وزراء الحكومات الأولى ما بعد الثورة وصولا إلى مرحلة الرئيس الحالي قيس سعيد.
في إحدى خطبه ذكر الحبيب الشطي وزير الخارجية التونسي أواسط سبعينيات القرن الماضي بيت شعر هو في الواقع مطلع قصيدة «المنفرجة» للشاعر الأندلسي ابن النحوي التي تقول «اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن صبحك بالبلج» على أنها آية قرآنية!! وقد ظلت هذه الزلة تلاحقه خاصة بعد ما تولى بعد بضع سنوات الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة.
أما زلات ما بعد الثورة فقد كانت كثيرة ليس أقلها ما قاله رئيس الحكومة حمادي الجبالي القيادي في حركة «النهضة» وقتها عن «الخلافة الراشدة السادسة» التي بشّر بها لوصف وصولهم إلى الحكم، أو مزجه المضحك في وصف رأس المال بأنه «جبان» فقالها هكذا بالحرف رغم أن المقابلة كانت مع تلفزيون فرنسي. كما تم اصطياد وزير الخارجية آنذاك من نفس الحركة رفيق عبد السلام في تصريحات أخطأ فيها بخصوص طول السواحل التونسية أو اسم عاصمة تركيا، كما «ضبط» وزير خارجية آخر من بعده هو الطيب البكوش من حركة «نداء تونس» التي تزعمها الباجي قايد السبسي وهو يعرب عن استنكاره لما ورد في استمارة طلب التونسي لفيزا لزيارة تركيا من وجود خانات تخص الغرض من الزيارة هل هي للسياحة أو الأعمال أم الجهاد ليتضح أنه اعتمد استمارة كاذبة نشرت في مواقع التواصل سخرية أو افتراء، لكن الأدهى يبقى أن وزير الخارجية لا يدري أن التونسي يزور تركيا أصلا بدون فيزا!.
تونس هي التي فتحت مالطا عام 870م في العهد الأغلبي، وظلّت الجزيرة وصقلية تحت حكم تونس قرونًا
أما في عهد قيس سعيّد، فالزلات لا تقل «طرافة» آخرها ما قاله مؤخرا وزير النقل عامر رشيد في رد على سؤال نيابي حول ضعف حركة المطارات الداخلية في البلاد بأن المسافرين يفضلون مطار تونس قرطاج في العاصمة لأنه «المطار الذي نزلت به أم كلثوم وعبد الحليم حافظ» قبل
عقود ليتضح أن كليهما زار البلد قبل بناء هذا المطار أصلا!!
مؤخرا كذلك، قال وزير الداخلية خالد النوري إنه تم «التفطن إلى وجود مخططات خارجية لاستهداف القدرات العقلية للشعب التونسي عن طريق ترويج المخدّرات»، ما أثار تعليقات عدة تستغرب التعلل الدائم بوجود مؤامرات خارجية في كل شيء.
ومؤخرا كذلك تحدثت وزيرة الثقافة التونسية أمينة الصرارفي عن آثار «الاستعمار الإيطالي والمالطي والفرنسي لتونس» ما عدّ سقطة معرفية، إذ إن الإيطاليين والمالطيين توافدوا إلى تونس بوصفهم مهاجرين لا مستعمِرين، بل إن الصورة معكوسة تاريخيًّا فتونس هي التي فتحت مالطا عام 870م في العهد الأغلبي، وظلّت الجزيرة وصقلية تحت حكم تونس قرونًا.
العام الماضي وفي خضم الأزمة البيئية الحادة في مدينة قابس الجنوبية الناتجة عن تسرّبات غازية للمجمّع الكيميائي الصناعي هناك أعلن وزير الصحة مصطفى الفرجاني أن الحكومة «ستبني مستشفى للسرطان في قابس للتعامل مع تزايد الحالات». رفض المحتجون هذا الطرح رفضًا قاطعًا، معتبرين أن المنطق المضمَّن فيه يقول: بدلًا من وقف مصدر التلوث الذي يُنتج السرطان، نبني مستشفى لعلاج من يصابون به!!.
أحد رؤساء حكومات سعيّد (وقد بلغوا خمسة في أقل من سبع سنوات) لم يتورع عن استعمال مفردة لم يسبقه فيها أحد حين وصف أحمد الحشاني الرئيس بأنه «عزيزي رئيس الجمهورية قيس سعيّد» ما أثار موجة سخرية واسعة تساءلت إن كان المتحدث رئيس حكومة يتحدث بصفة دستورية، أم موظفا ينافق صاحب العمل؟
أما أشهر السقطات وأكثرها تندّرا فلم تأت على لسان وزراء بل على لسان الرئيس نفسه، نكتفي ببعضها فقط، حين استشهد عام 2021 بما اعتبره آية قرآنية لا وجود لها في المصحف لأنه ببساطة مجرد مثل يقول «قل الحق ولو على نفسك»، أو حين انتقد تسمية الإعصار الذي ضرب ليبيا واليونان عام 2023 بـ «دانيال»، مشيراً إلى أنها تسمية ذات دلالات دينية عبرية تعكس تغلغل الحركة الصهيونية، أو حين وصف عام 2023 الذكاء الاصطناعي بأنه «اغتيال للفكر البشري» و«خطر داهم مهدّد للإنسانية جمعاء»، أو حين قال إن «المجتمع يتغير على مستوى العالم وأنه سيكون من صانعي هذا التحول في العالم كله»!!
كاتب وإعلامي تونسي
القدس العربي



