طولكرم بين استحقاقات الصمود ومواجهة مخططات الاستيطان: رؤية وطنية لحماية الأرض وتعزيز مقومات الحياة

طولكرم بين استحقاقات الصمود ومواجهة مخططات الاستيطان: رؤية وطنية لحماية الأرض وتعزيز مقومات الحياة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في ظل الظروف الوطنية والسياسية المعقدة التي تمر بها القضية الفلسطينية، وفي ظل تصاعد سياسات الاحتلال الإسرائيلي القائمة على الاستيطان ومصادرة الأراضي وفرض الوقائع على الأرض، يأتي لقاء وفد محافظة طولكرم برئاسة المحافظ اللواء د. عبدالله كميل مع رئيس الوزراء وعدد من الوزراء في رام الله كاستحقاق وطني مهم، ليس فقط لنقل احتياجات المحافظة، وإنما لوضع رؤية استراتيجية تعزز صمود أهلها وتحمي مقوماتها الوطنية والاقتصادية والاجتماعية.
فطولكرم ليست محافظة عادية في الخارطة الفلسطينية؛ فهي محافظة ذات موقع استراتيجي، وعمق زراعي واقتصادي وبشري، وتشكل إحدى أهم ركائز الأمن الغذائي الفلسطيني، كما أنها تمثل نموذجاً للصمود في مواجهة محاولات الاحتلال تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي في الضفة الغربية.
إن المطلوب من الحكومة تجاه طولكرم لا يجب أن يقتصر على معالجة ملفات الخدمات اليومية، بل يجب أن يرتقي إلى مستوى التحدي الوطني الذي تواجهه المحافظة، عبر اعتماد خطة حكومية خاصة بها باعتبارها محافظة تقع في قلب معركة حماية الأرض وتعزيز الوجود الفلسطيني.
الأرض أولاً: مواجهة الاستيطان ومخططات المصادرة
يشكل ملف الأرض القضية المركزية التي يجب أن تحملها مؤسسات المحافظة إلى الحكومة، في ظل استمرار سياسات الاحتلال القائمة على مصادرة الأراضي، وتجريفها، وتوسيع المستوطنات، وفرض مشاريع تخدم منظومة الاستيطان في الضفة الغربية.
إن المنطقة الجنوبية من طولكرم، بما تمثله من أهمية زراعية وبيئية، تواجه تحديات كبيرة في ظل المخططات الإسرائيلية لإقامة منطقة صناعية ضمن سياسات الاحتلال. فالمخاوف لا تتعلق فقط بالمساحة الجغرافية، وإنما بالآثار الاستراتيجية المترتبة على مثل هذه المشاريع، من حيث تهديد الأراضي الزراعية الخصبة، والتأثير على البيئة، وضرب مقومات السلة الغذائية الفلسطينية.
إن أي مشروع يقام تحت إدارة الاحتلال وفي سياق استيطاني لا يمكن فصله عن الهدف السياسي المتمثل في تكريس السيطرة على الأرض وربط المستوطنات والبنى التحتية التابعة لها، بما يهدد التواصل الجغرافي الفلسطيني ويقوض فرص قيام دولة فلسطينية ذات سيادة.
المطلوب وطنياً: حماية الأرض وتعزيز صمود المزارعين
إن حماية أرض طولكرم مسؤولية وطنية تتطلب:
وضع خطة وطنية لحماية الأراضي الزراعية من المصادرة والتجريف.
دعم المزارعين وتعزيز بقائهم في أراضيهم باعتبارهم خط الدفاع الأول عن الأرض.
تقديم الدعم المالي والفني للقطاع الزراعي.
استخدام كل الأدوات القانونية والدبلوماسية الدولية لمواجهة مخططات الاستيطان.
تعزيز التنمية الفلسطينية المستقلة بعيداً عن مشاريع الاحتلال التي تستهدف إعادة تشكيل الاقتصاد الفلسطيني وفق مصالحه.
المنطقة الصناعية: التنمية لا تكون على حساب الأرض والبيئة
إن أبناء طولكرم لا يعارضون التنمية الاقتصادية، بل يطالبون بتنمية حقيقية تخدم الإنسان الفلسطيني وتحافظ على الموارد الوطنية. فالتنمية يجب أن تكون جزءاً من رؤية فلسطينية مستقلة، لا أن تتحول إلى وسيلة لانتزاع الأرض أو الإضرار بالبيئة أو تهديد الزراعة التي تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي.
ومن هنا فإن أي مشروع صناعي يجب أن يخضع لدراسات قانونية وبيئية شفافة، وأن يراعي حقوق المواطنين ويحمي الأراضي الزراعية ومصادر المياه، وأن يكون موجهاً لخدمة أبناء المحافظة لا لتعزيز مخططات الاحتلال.
مطالب الكرماويين: شراكة وطنية حقيقية مع الدولة
إن أبناء طولكرم يتطلعون إلى قرارات عملية تعكس أهمية المحافظة، ومن أبرز مطالبهم:
اعتماد برنامج تنموي خاص بمحافظة طولكرم.
دعم المستشفيات والمراكز الصحية وتوفير الكوادر والأدوية والمستلزمات.
تطوير قطاع التعليم ومعالجة الاكتظاظ ودعم التعليم المهني.
تحسين البنية التحتية والطرق والخدمات الأساسية.
دعم الشباب والخريجين وخلق فرص عمل حقيقية.
تعزيز الاقتصاد المحلي والصناعات الوطنية.
حماية القطاع الزراعي باعتباره ثروة وطنية.
المطلوب من الحكومة: الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء استراتيجية صمود
إن التحديات التي تواجه طولكرم تتطلب أكثر من وعود، فهي تحتاج إلى قرارات واضحة، وموازنات محددة، وآليات متابعة وتنفيذ. فالصمود الوطني لا يبنى بالكلمات، بل بتوفير مقومات الحياة وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات دولته.
إن معركة الأرض التي تخوضها طولكرم هي جزء من المعركة الوطنية الكبرى، وحماية المحافظة تعني حماية جزء أساسي من المشروع الوطني الفلسطيني.
فالكرماويون لا يطلبون امتيازات، بل يطالبون بحقوقهم الطبيعية: حماية أرضهم، دعم اقتصادهم، تعزيز خدماتهم، وتمكينهم من البقاء والصمود في وجه مخططات تستهدف الأرض والإنسان والهوية.
إن الرسالة التي يجب أن تصل واضحة: طولكرم ليست ملفاً خدمياً فقط، بل قضية صمود وطني، والحفاظ عليها مسؤولية وطنية تتطلب رؤية استراتيجية وإرادة سياسية لحماية الأرض وبناء المستقبل.
