فلسطين

طولكرم بين شح الموارد وتحدي النهوض.. عندما يصبح العمل البلدي عنواناً للصمود

طولكرم بين شح الموارد وتحدي النهوض.. عندما يصبح العمل البلدي عنواناً للصمود

بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في المدن التي تواجه ظروفًا استثنائية، لا تقاس قدرة الإدارة المحلية بحجم الموازنات المتاحة فقط، وإنما بقدرتها على إدارة الموارد بكفاءة، وترتيب الأولويات، واستقطاب الشراكات، وتحويل الإمكانات المحدودة إلى مشاريع تخدم المواطنين وتحافظ على مقومات الحياة.
ومن هذا المنظور، تستحق تجربة بلدية طولكرم، برئاسة نصر فقها وعضوية المجلس البلدي بمختلف أطيافه، قراءة موضوعية تقوم على تقدير ما يبذل من جهد، وفي الوقت ذاته تؤكد أن حجم التحديات التي تواجه المدينة يتطلب دعمًا يتجاوز إمكانات البلدية الذاتية.
لا يتوفر وصف للصورة.
منذ توليه رئاسة البلدية، بدا واضحًا أن فقها اختار العمل الميداني ومتابعة الملفات الخدمية بصورة مباشرة، بالتوازي مع جهود المجلس البلدي وطواقم البلدية في معالجة قضايا الطرق والتعبيد والإنارة والنظافة وإدارة النفايات وتأهيل المرافق العامة، إلى جانب التعامل مع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية نتيجة الاقتحامات والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
وفي ظل واقع تتعرض فيه بعض المنشآت والطرق والمرافق للإضرار ثم تحتاج إلى إعادة التأهيل، تصبح عملية الإصلاح أكثر من مجرد مهمة خدمية؛ فهي جزء من معركة الحفاظ على قدرة المدينة على الاستمرار، ومنع الدمار من التحول إلى واقع دائم.
المسؤولية ليست فردية
ومن المهم التأكيد أن العمل البلدي لا يمكن اختزاله في شخص رئيس البلدية، مهما كان حجم جهده. فالمجلس البلدي بمختلف أعضائه وأطيافه شريك أصيل في صناعة القرار، وتحديد الأولويات، ومتابعة المشاريع، ومراقبة الأداء، وتحقيق التوازن بين الاحتياجات والإمكانات.
وهنا تكمن أهمية أن يتحول الاختلاف داخل المجلس البلدي إلى طاقة إيجابية للتنافس على الإنجاز، وأن تبقى المصلحة العامة للمدينة فوق الاعتبارات الشخصية والحسابات الضيقة.
فنجاح أي مجلس بلدي يقاس في نهاية المطاف بما يتركه من أثر ملموس في حياة المواطنين، وبقدرته على بناء مؤسسة بلدية قوية ومستدامة لا ترتبط إنجازاتها بالأشخاص وإنما بالعمل المؤسسي.
لا يتوفر وصف للصورة.
شح الموارد لا يلغي مسؤولية البحث عن البدائل
لا يمكن تجاهل محدودية الموارد المالية أمام البلديات الفلسطينية، ولا حجم الاحتياجات المتزايدة، خصوصًا في مدينة تتعرض لضغوط اقتصادية واجتماعية وأمنية متواصلة.
لكن محدودية الموارد لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعطيل العمل، كما لا يجوز في المقابل تحميل البلدية وحدها مسؤولية معالجة احتياجات تفوق قدراتها المالية.
ومن هنا تبرز أهمية الجهود التي تبذلها البلدية في طرق أبواب القطاع الخاص، والمؤسسات الوطنية، والجهات المانحة، والبحث عن مشاريع وشراكات جديدة.
والمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من استقطاب الدعم بصورة متفرقة إلى بناء استراتيجية مؤسسية متكاملة لاستقطاب الاستثمار والمنح والمشاريع التنموية، تتضمن قاعدة بيانات للمشاريع ذات الأولوية، وملفات فنية ومالية احترافية، وخطة واضحة للتواصل مع الجهات المانحة.
القطاع الخاص شريك في التنمية
قد تكون صورة ‏مِنبر‏
إن إشراك القطاع الخاص في التنمية المحلية يجب ألا يبقى شعارًا، بل ينبغي أن يتحول إلى شراكات واضحة وشفافة تحقق منفعة مشتركة للمدينة والمستثمر.
وتملك طولكرم طاقات اقتصادية ورجال أعمال وكفاءات قادرة على المساهمة في مشاريع تنموية، إذا توفرت البيئة المناسبة والحوافز والإطار القانوني الواضح.
ويمكن أن تشمل هذه الشراكات قطاعات متعددة، من الطاقة والإنارة والنقل والبيئة وإدارة النفايات، إلى الحدائق والمرافق العامة والتحول الرقمي والمشاريع الاقتصادية التي تخلق فرص عمل وتحرك عجلة الاقتصاد المحلي.
طولكرم بحاجة إلى اهتمام حكومي خاص
غير أن قدرة البلدية، مهما بلغت كفاءتها، ستظل محدودة إذا لم تترافق مع دعم حكومي يتناسب مع حجم المسؤولية.
طولكرم ليست مجرد وحدة إدارية؛ إنها مدينة ذات مكانة وطنية وتاريخية واقتصادية، وكانت وستبقى في مصاف المدن الفلسطينية، ولذلك فإن دعم صمودها يجب أن يكون جزءًا من الأولويات الوطنية.
ومن الضروري أن تضع الحكومة طولكرم ضمن برامجها التنموية ذات الأولوية، وأن تعمل على دعم البلدية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات، وتسهيل الإجراءات، وتوفير التمويل الممكن، والتعامل مع الأضرار الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية ضمن رؤية وطنية لإعادة التأهيل.
كما أن المطلوب تشكيل حالة تنسيق دائمة بين الحكومة والبلدية ومؤسسات المحافظة والقطاع الخاص، بما يمنع ازدواجية المشاريع ويضمن توجيه الموارد نحو الأولويات الحقيقية.
استقطاب المانحين مسؤولية وطنية
في المقابل، تحتاج طولكرم إلى خطة متخصصة لاستقطاب اهتمام الدول المانحة والمؤسسات العربية والدولية.
فالمدينة تحتاج إلى حزمة مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ، لا إلى طلبات عامة. والمطلوب إعداد مشاريع تنموية متكاملة تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، والطرق، والطاقة والإنارة، والبيئة، وإدارة النفايات، والمساحات العامة، والخدمات الرقمية، ودعم الاقتصاد المحلي.
ومن المهم أن تتولى جهة متخصصة إعداد هذه الملفات وتسويقها للمانحين، مع اعتماد أعلى درجات الشفافية في تحديد الأولويات ومصادر التمويل ومراحل التنفيذ والنتائج المتوقعة.
قد تكون صورة ‏‏‏شخص أو أكثر‏، و‏غرفة أخبار‏‏ و‏نص‏‏
المطلوب رؤية لا إنجازات متفرقة
إن الإشادة بما تقوم به بلدية طولكرم ورئيسها وأعضاء مجلسها لا تعني إغفال حق المواطن في النقد والمساءلة، بل إن التقييم الموضوعي للأداء هو الطريق إلى تطوير العمل وتحسين الخدمات.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن العمل في الظروف الراهنة ليس مهمة سهلة، وأن استمرار البلدية في تقديم الخدمات وإصلاح الأضرار والبحث عن المشاريع والشراكات يمثل جهدًا يستحق التقدير.
والتحدي الحقيقي الآن هو الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى صناعة التنمية، ومن معالجة الضرر بعد وقوعه إلى بناء قدرة المدينة على الصمود أمام الأزمات المقبلة.
لا يتوفر وصف للصورة.
وهذا يتطلب رؤية استراتيجية تشترك فيها البلدية والمجلس البلدي والحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي والجهات المانحة، بحيث تصبح طولكرم نموذجًا في الإدارة المحلية القادرة على تحويل التحديات إلى فرص.
طولكرم لا تحتاج إلى كلمات المديح بقدر حاجتها إلى المشاريع، ولا تحتاج إلى الوعود بقدر حاجتها إلى التمويل والتنفيذ، ولا تحتاج إلى إدارة الأزمة فقط، بل إلى استراتيجية تعيد بناء اقتصادها وخدماتها وبنيتها التحتية وتعزز قدرتها على الصمود.
وإذا كانت الظروف تحاول إنهاك المدينة، فإن الرد يجب أن يكون بمزيد من البناء والعمل والاستثمار.
طولكرم تستحق اهتمامًا استثنائيًا، لأنها مدينة استثنائية بتاريخها ومكانتها وصمود أهلها، والحفاظ على مكانتها ودعم قدرتها على النهوض مسؤولية وطنية تتجاوز حدود البلدية إلى الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع والجهات المانحة.
قد تكون صورة ‏‏شارع‏ و‏تحتوي على النص '‏مستر الاكاسا တ الهبد ರಿಿ البصريان oê الكيرى‏'‏‏
المحامي علي أبو حبلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب