عشرة أيام على «اتفاق الإطار»: 65 شهيداً و230 خرقاً: ملف لبنان ينتظر استئناف المفاوضات الإيرانية ــ الأميركية

عشرة أيام على «اتفاق الإطار»: 65 شهيداً و230 خرقاً: ملف لبنان ينتظر استئناف المفاوضات الإيرانية ــ الأميركية
لم يحتج «اتفاق الإطار» الذي وقّعته سلطة الوصاية في لبنان والعدو الإسرائيلي في 26 حزيران الماضي إلى وقت طويل كي يُختبر على الأرض. فخلال عشرة أيام فقط، تحوّل من عنوانٍ يُسوّق له بوصفه «بوابة الهدوء الوحيدة» إلى دليل عملي على اختلال بنيته، وانكشاف عجزه عن إنتاج أيّ تغيير في الوقائع الميدانية، بل وإعادة إنتاجها على نحو أكثر حدّة ووضوحاً.
ووسط ارتفاع مستوى النقاش الداخلي حول كيفية التعامل مع اتفاق الإطار، كشفت مصادر مطّلعة أن الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام توافقا «من حيث المبدأ» على عدم نقل الملف إلى مجلس الوزراء، وذلك خشية حصول انقسام كبير، ليس مع القوى المعترضة على أصل الاتفاق، بل بسبب إعراب أكثر من جهة وزارية عن انزعاجها من مجموعة من الأمور، بينها عدم اطّلاع الحكومة على الاتفاق ولا على مُلحقه الأمني، ومنع النقاش حول الأمر بحجة أن الدستور يجيز لعون أن يدير التفاوض بالاتفاق مع رئيس الحكومة دون الحاجة إلى مجلس الوزراء، إضافة إلى ملاحظات كبيرة تتعلّق بمضمون الاتفاق، وهي ملاحظات تعزّزت أمس بعد نشر «الأخبار» النص الرسمي للمُلحق الأمني، حيث ظهر بقوة أن لبنان لم يحصل من خلال هذا الاتفاق على أي شيء، ولا توجد أي ضمانة لفظية أو عملية تحقّق مطلب وقف العدوان والتدمير والانسحاب من الأراضي المحتلة.
لكنّ الأهم، هو أن البحث في هذا الملف، بات هو أيضاً رهن التطورات الميدانية، خصوصاً أن العدو الإسرائيلي يسعى إلى انتزاع موافقة أميركية على استئناف العمليات العسكرية ضد لبنان، بحجة وجود فرصة للقضاء على حزب الله. فيما ينتظر المعنيون في لبنان استئناف المفاوضات الأميركية – الإيرانية بعد الانتهاء من تشييع السيد علي الخامنئي، وانعكاسها على لبنان، في ظل موقف طهران الذي أُبلغ إلى الجهات اللبنانية كافة، بأن إيران لن تقبل بتحييد ملف لبنان عن أصل المفاوضات. وهي تصرّ على تحقيق الوقف الشامل والنهائي للحرب ووضع جدول زمني للانسحاب من الأراضي المحتلة.
في هذه الأثناء، سُرّبت معلومات في بيروت أمس بأن الرئيس عون سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض بتاريخ 21 تموز الجاري. لكنّ مصادر رسمية قالت إن لبنان لم يتبلّغ بعد بالموعد النهائي، وإن دوائر البيت الأبيض لا تزال تدرس جدول المواعيد بما فيها الموعد المُرتقب للقاء ترامب مع رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو. فيما أفادت معلومات أن سفيري لبنان وكيان العدو في واشنطن يعدّان لجلسة تفاوض سرية يومي 15 و16 تموز في العاصمة الايطالية.
وفي سياق الضغوط الإسرائيلية على السلطة في لبنان، أعلنت هيئة البث الإسرائيلية أمس أن «تل أبيب سلّمت قائمة لبيروت تضم أسماء عدد من الضباط الكبار في الجيش اللبناني ترفض تواجدهم الميداني في الجنوب بسبب تسريبهم معلومات إلى حزب الله».
وردّ مصدر عسكري لبناني على التقرير بالقول: «إن ما يتم تداوله بشأن تسليم الجانب الإسرائيلي لائحة بأسماء ضباط في الجيش اللبناني والمطالبة بمنع وجودهم في الجنوب، هو خبر عارٍ عن الصحة ولا يستند إلى أيّ معطيات رسمية».
فالوقائع التي تراكمت بين 26 حزيران و6 تموز لا تشير إلى هدنة سياسية أو ميدانية، بل إلى استمرار نمط عملياتي إسرائيلي ثابت. ووفق بيانات وزارة الصحة والمصادر المفتوحة، سجّل لبنان خلال الأيام العشرة الأولى من سريان الاتفاق نحو 65 شهيداً، إضافة إلى ما بين 110 و170 جريحاً. هذه الأرقام لا يمكن التعامل معها كحوادث متفرّقة أو «أثمان جانبية» لتوتّر قائم، بل كمؤشر مباشر على أن الاتفاق لم ينجح في تحقيق وظيفته الأولى وهي وقف – أو على الأقل خفض – العنف.
الأكثر دلالة أن هذه الحصيلة جاءت في فترة يُفترض أنها بداية «ترتيب جديد» للواقع الأمني. غير أن ما ظهر عملياً هو العكس تماماً، إذ استمر استهداف مناطق جنوبية عديدة، مدنية وزراعية، من دون أي تبدّل في قواعد الاشتباك، أو أي إشارات إلى ضبط حقيقي للسلوك العدواني الإسرائيلي.
اتفاق بلا آلية إلزام
المعطيات الميدانية تشير إلى تسجيل ما بين 180 و230 خرقاً خلال الفترة نفسها، شملت غارات جوية، قصفاً موضعياً، تحرّكات عسكرية وتوغّلات محدودة، إضافة إلى خروقات جوية مُكثّفة عبر الطائرات المُسيّرة والطيران الحربي.
هذا التراكم الكمّي والنوعي لا يُمكِن تفسيره كـ«حوادث منفصلة»، بل كاستمرار لمنطق عملياتي واحد، ما يعني أن الاتفاق لم يُنتِج أي آلية ضبط فعلية، ولم يفرض أيّ كلفة سياسية أو عسكرية على الطرف الإسرائيلي مقابل الاستمرار في هذه الأنماط. بمعنى أدقّ، ثبت أن الاتفاق صيغ من دون ذراع تنفيذية حقيقية، أو أن فكرة «الإلزام المتبادل» كانت غائبة منذ اللحظة الأولى.
وفي خلفية هذا المشهد، تؤكّد إسرائيل عملياً عزمها على الإبقاء على وجود عسكري في «مناطق أمنية» داخل جنوب لبنان ومرتفعات جبل الشيخ، من دون سقف زمني واضح، بذريعة منع أيّ تهديدات مُحتملة مصدرها حزب الله.
ويطرح ذلك إشكالية جوهرية حول طبيعة الاتفاق نفسه، إذ لم يُنتِج التزاماً متبادلاً بوقف أو تنظيم الانسحاب، بل فتح الباب أمام إعادة تعريف مفهوم «الحدود الأمنية» بما يسمح بإبقاء تموضع عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية بشكل مستمر.
جلسة تفاوض سرية لسفيري
لبنان وكيان العدو في واشنطن منتصف الشهر في روما؟
في المقابل، يواصل المستوى السياسي والعسكري الإسرائيلي تأكيد هذا النهج، حيث شدّد رئيس الوزراء ووزير الدفاع على أن جيش العدو الإسرائيلي سيبقى في ما يُسمّى «القطاع الأمني» داخل الجنوب اللبناني، باعتباره ضرورة استراتيجية لمنع أي تهديدات مستقبلية، مع التذرّع باعتبارات أمنية مرتبطة بمنع تكرار سيناريو الأنفاق الحدودية أو الهجمات عبر الحدود. وبذلك يتحوّل «الاتفاق الإطاري» من منظور إسرائيلي إلى إطار لإدارة الصراع لا إلى تسوية نهائية، مع إبقاء خيار البقاء العسكري مفتوحاً تحت عنوان «الاحتياج الأمني المستمر». ويكمن جوهر الأزمة في طبيعة الصياغات المتعلّقة بآليات الانسحاب، لِما يعتريها من غموض بنيوي في النص، إذ بدل أن تُلزَم إسرائيل بانسحاب كامل ونهائي، يجري الحديث عملياً، وكما نصّ عليه الاتفاق، عن إعادة تموضع داخل الجغرافيا اللبنانية نفسها.
ورغم كل الوقائع المُسجّلة منذ لحظة الإعلان عن الاتفاق، يخرج رئيس الجمهورية جوزف عون يومياً مُسوِّقاً بأن الاتفاق لا يمنح أيّ شرعية لوجود القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، بل يهدف إلى تثبيت مسار انسحاب تدريجي يمهّد لتمكين الجيش اللبناني من بسط سلطته الكاملة في الجنوب.
وبين ما يدّعيه عون وما يمارسه نتنياهو ميدانياً، لم يحسم «اتفاق الإطار» معادلة السيادة على الأرض، بل أعاد تدويرها بصيغة غير مُكتمِلة، حيث تروّج السلطة للاتفاق من منظور الانسحاب وتمكين الدولة، فيما تعمل إسرائيل على تكريس منطق «البقاء الأمني المفتوح».
في ضوء هذه المُعطيات، تتّسع دائرة النقد السياسي داخل لبنان تجاه السلطة، ليس فقط بسبب النتائج، بل بسبب أصل القرار، إذ تتحمّل السلطة مسؤولية مباشرة عن توقيع إطار لا يملك أدوات إلزام حقيقية على إسرائيل، والقبول بضمانات دولية لم تتحوّل إلى آليات تنفيذ، والتعامل مع واقع ميداني غير متوازن على أنه قابل للتطويع عبر التفاهمات السياسية، فضلاً عن الاكتفاء بإدارة سياسية للانكشاف الميداني بدل مواجهته أو إعادة صياغته.
إلا أن الأخطر في هذا السياق هو أن السلطة تبدو وكأنها انتقلت من موقع إدارة تفاوض إلى موقع إدارة تداعيات اتفاق، من دون امتلاك القدرة على تعديل شروطه أو حتى وقف نتائجه السلبية.
ومع مرور الأيام، تتعزّز قناعة بأن ما يجري ليس «فشل تنفيذ اتفاق»، بل «نجاحه بوظيفته غير المُعلنة» وهي تثبيت الواقع القائم. فبدل أن يفتح الاتفاق مساراً لخفض التصعيد، وفّر غطاء سياسياً لاستمراره، ضمن صيغة تسمح لإسرائيل بمواصلة عملياتها تحت سقف تفاهم دولي، فيما يُطلب من لبنان ضبط ردود فعله وتقييد خياراته وعلى رأسها المقاومة. وبعد عشرة أيام فقط، لم يعد السؤال الجوهري هل نجح «الاتفاق الإطاري»؟ بل كيف يمكن تبرير اتفاق لم يوقف العمليات العسكرية، ولم يفرض التزامات متبادلة، ولم يغيّر في الوقائع الميدانية شيئاً يُذكر؟
الاخبار اللبنانية




