مقالات

عشنا وياما حنشوف.. عوجا والطابق مكشوف

 

عشنا وياما حنشوف.. عوجا والطابق مكشوف

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

هناك أمثال شعبية تختصر في كلمات قليلة تجارب أجيال كاملة، ولعل القول الدارج: «عشنا وياما حنشوف.. عوجا والطابق مكشوف» بات اليوم أكثر تعبيرًا عن واقع عربي تتداخل فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتسع فيه الفجوة بين ما يُقال وما يُمارس، وبين الإمكانات التي تمتلكها الدول العربية والنتائج التي تتحقق على الأرض.

المفارقة أن «الطابق المكشوف» لم يعد يسمح بإخفاء الكثير. فثورة المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي جعلت المواطن أكثر قدرة على الاطلاع والمقارنة وطرح الأسئلة. لم تعد البيانات الرسمية وحدها مصدر المعلومة، ولم يعد من السهل الفصل بين الخطاب السياسي والواقع الذي يعيشه الناس.

لكن المشكلة ليست في انكشاف الواقع بحد ذاته؛ بل في استمرار بعض الاختلالات رغم وضوحها.

فالعالم العربي يمتلك ثروات طبيعية وبشرية وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا، لكنه لا يزال يواجه تحديات مزمنة في التنمية والبطالة والفقر والتعليم والصحة والإنتاجية. وفي عدد من الدول، أصبحت الأزمات الاقتصادية والمالية تضغط بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطن وعلى قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية.

وهنا تبرز المسألة الأهم: هل تعاني المنطقة من نقص في الموارد، أم من أزمة في إدارة الموارد وصناعة القرار وتحديد الأولويات؟

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن التنمية ليست أرقامًا اقتصادية فقط، وأن الاستقرار لا يتحقق بمجرد احتواء الأزمات. الاستقرار المستدام يحتاج إلى دولة مؤسسات، وسيادة قانون، وعدالة اجتماعية، وشفافية، ومساءلة، واقتصاد منتج، وتعليم قادر على صناعة المستقبل.

والأخطر أن استمرار الفجوة بين الخطاب والممارسة يؤدي إلى تآكل الثقة العامة. وحين يفقد المواطن ثقته بقدرة المؤسسات على معالجة مشكلاته، تتحول حالة الإحباط إلى عزوف عن المشاركة، وقد تتسع مساحة اللامبالاة، وهو ما يشكل خطرًا على الدولة والمجتمع معًا.

وفي المشهد العربي، تبقى القضية الفلسطينية الاختبار الأبرز للقدرة على تحويل المواقف إلى سياسات مؤثرة. فحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال وإقامة دولته، ومبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ليست مجرد عناوين سياسية، وإنما إطار قانوني وسياسي يجب البناء عليه.

ولا يكفي أن تبقى القضية حاضرة في الخطاب العربي؛ المطلوب استراتيجية عربية أكثر فاعلية تستخدم الأدوات السياسية والدبلوماسية والقانونية والاقتصادية، وتدعم صمود الشعب الفلسطيني، وتحمي القدس، وتواجه محاولات فرض الأمر الواقع، وتعيد الاعتبار للقضية باعتبارها قضية حقوق وعدالة وليست مجرد ملف تفاوضي مفتوح إلى أجل غير معلوم.

وفي موازاة ذلك، فإن التحولات الدولية المتسارعة تفرض على الدول العربية إعادة تعريف مصالحها المشتركة. العالم يتجه نحو تكتلات اقتصادية وسياسية وأمنية أكثر تماسكًا، بينما لا يزال النظام العربي يعاني من الانقسام وتضارب الأولويات.

وليس المطلوب إلغاء خصوصية الدول أو فرض نموذج سياسي واحد، وإنما بناء تكامل عربي واقعي في الاقتصاد والطاقة والأمن الغذائي والمائي والتكنولوجيا والتجارة، وتنسيق المواقف في القضايا التي تمس الأمن والمصالح العربية المشتركة.

فالقدرة على التأثير في النظام الدولي لا تُقاس بحجم البيانات السياسية، وإنما بحجم المصالح التي تستطيع الدول حمايتها، وبقدرتها على امتلاك أدوات القوة والتفاوض.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة السياسات، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ومن معالجة النتائج إلى مواجهة أسباب الخلل.

وهذا يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا حقيقيًا، ومكافحة جادة للفساد، وتعزيز الشفافية، وتطوير التعليم والبحث العلمي، والاستثمار في الشباب، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وبناء اقتصادات أكثر إنتاجية وأقل هشاشة أمام المتغيرات الخارجية.

إن «الطابق المكشوف» ليس بالضرورة مصدرًا للخوف؛ يمكن أن يكون فرصة للإصلاح. فالمجتمع الذي يعرف مشكلاته يستطيع أن يبدأ علاجها، والدولة التي تعترف بأوجه الخلل تصبح أكثر قدرة على تصحيح المسار.

أما الاستمرار في تجاهل الحقائق، أو التعامل مع كل أزمة باعتبارها ظرفًا عابرًا، فلن يؤدي إلا إلى تراكم الاختلالات حتى تصبح كلفة الإصلاح أكبر.

«عشنا وياما حنشوف»؛ نعم، وربما سنرى المزيد من التحولات والأزمات والمفاجآت. لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا سنرى، وإنما: ماذا سنفعل بما نراه؟

لقد أصبح كل شيء تقريبًا مكشوفًا أمام المواطن والرأي العام. ولذلك لم يعد ممكنًا تأجيل الإصلاح إلى أجل غير مسمى، ولا الاستمرار في إدارة الواقع بالأدوات القديمة.

إن العالم العربي لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجته إلى رؤية استراتيجية، ومؤسسات قوية، وحكم رشيد، واقتصاد منتج، وعدالة اجتماعية، وموقف عربي فاعل تجاه القضية الفلسطينية.

فحين يكون الطابق مكشوفًا، تصبح المسؤولية أكبر، ويصبح تصحيح العوج ضرورة لا ترفًا.

المحامي علي أبو حبلة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب