علجية عيش.. هل تنبّأ مالك بن نبي بما يحدث اليوم لإيران و العالم الإسلامي؟

علجية عيش.. هل تنبّأ مالك بن نبي بما يحدث اليوم لإيران و العالم الإسلامي؟
هل تنبّأ مالك بن نبي بما يحدث اليوم لإيران و العالم الإسلامي؟
قبل ثلاث و خمسين سنة من وفاته ، قال مالك بن نبي كلاما و كأنه تنبأ و حذّر مما سيقع في المستقبل الذي هو حاضرٌ نعيشه اليوم، لقد بدأ بالحديث عن قيمة الوقت ( الزمن) كعنصر أساسي وضعه في معادلته الرياضية : (الحضارة = إنسان + تراب+ وقت)، كان مالك بن نبي أكثر إدراكا لأهمية كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة ، فعندما نقرأ الحوار الذي دار بينه و بين روجي غارودي حول تحوّل الحضارة إلى الغرب و سقوطها في الشرق، أي عند المسلمين ندرك أهمية الوقت عند مالك بن نبي في وضع كل تصرُّف توقعات ومواعد تقدر من حساب الزمن لتحقيق الأهداف الإسلامية ، على أن تكون المدة قصيرة، فعوضا أن تبقى عشر سنوات تكون في خمس سنوات، و إذا كانت تبقى عشرين سنة فعشر سنوات و هكذا..، لكن إذا لم تتحقق في حساب الزمن فقد تتبخر و يتبخر كل مشروع حضاري و يتلاشى و يفشل.
يريد مالك بن نبي القول أنه على المسلم أن يستثمر في الوقت، و على المسلم أن يقطع الوقت قبل أن يقطعه هو، يميّز مالك بن نبي بين الإنسان و صانع الإنسان، أي ان يكون الجانب الروحي في الإنسان واقعا اجتماعيا، و صناعة الإنسان تعني بناءه أو إعادة بنائه من جديد، و لا يحقق هذا المبتغى إلا الإنسان المؤمن بقضيته في عملية التغيير و الإصلاح ، فالمسلمون اليوم كما يقول مالك بن نبي معرضون للتلف، ليس لتقصيرهم في العبادات، بل إنهم معرضون للتلف إذا لم يدخلوا المعركة الاجتماعية الحضارية، كان مالك بن نبي يخشى من أن يُفَجَّرَ وضع المسلمين الاجتماعي و محيطهم الاجتماعي العام، و كان يخشى من أن يتمرد عليهم مجتمعهم لاحقا، و هذا ما يحدث بسبب السياسات الفاشلة وكأن مالك بن نبي يحذر من وقوع الانفجار البركاني الذي يشهده العالم اليوم و على كل المستويات السياسية، الدينية و الاجتماعية.
هي الرؤية البنّابية التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم ، مُجَسَّدَةٌ في العدوان “الصهيوأمريكي” الهمجي على إيران و لبنان ، و وقوف البعض ضد الموقف الإيراني في دفاعه عن بيت المقدس، خاصة و أن هذه الحرب هي امتداد لحرب الإبادة في غزة ، و هي حسب التحليلات حروب تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة لتخضع للهيمنة الكاملة للكيان الصهيوني، الرؤية الثانية التي تنبأها مالك بن نبي، هي صدام الأديان، عندما قال في محاضرة ألقاها في دمشق حول ما إذا كان الإسلام هو الحضارة ؟ ماهي السُّنَنُ الكونية في تداول الأيام؟، مثلما نقرأه في الآية الكريمة : “وتلك الأيام نداولها بين الناس” ( الآية 140 من سورة آل عمران).
لقد لخّصَ مالك بن نبي محاضرته في تفصيل وقائع الحضارة الإسلامية منذ القرن الثامن عشر و الشروط التي تُمَكِّنُ المسلم من أن يرتفع إلى مستوى الحضارة في العصر الحديث، فما أطلق عليه اليوم اسم مشروع “الديانة الإبراهيمية” أشار إليه مالك بن نبي في كتابه ” مجالس دمشق” و قبل سنة من وفاته فقط ، إذ يقول في الصفحة 75 من الكتاب: إننا في الثلث الأخير من القرن العشرين مرحلة هامة و خطيرة، فإما ان تجري تصفية حساب كل الأديان جميعا، و إمّا أن تُصَفَّى الأديان و يبقى الإسلام وحده، و هنا على المسلمين أن يقوموا بدورهم في نهاية القرن العشرين، فذلك ما تتطلبه الظروف لا رغبتنا …. إلى أن يقول: يجب أن يرتكز الجهد على رفع المسلم إلى مستوى الحضارة، فإذا رفع نفسه إلى مستوى الحضارة يستطيع عندئذ أن يحقق وعد الله، و يرى مالك بن نبي ان وعد الله يتحقق بشرطين هما:
الشرط الأول: أن يعيد المسلم لنفسه الكرامة أمام من حوله و في نظر الآخرين ، لأن الإنسان المسلم اليوم كما يقول هو يمشي على أرضه المهانة، بحيث يحتقره أحيانا اخوه المسلم و أحيانا يحتقره الأجنبي عدوّ الإسلام، لذا يجب أن يرتفع المسلم إلى مستوى الحضارة في فكره و سلوكه و في علاقاته مع الآخرين
الشرط الثاني : أن يسلك جوهر الحضارة، و جوهر الحضارة هو الإنسان نفسه بوصفه صانعها عبر تكامله العقلي و النفسي و المبادئ و القيم الإنسانية و الأخلاقية التي تنظم حياته، لا مجرد المنجزات المادية، و من هذا المنطلق نقول: إن الموقف الإيراني المُشَرِّف الذي حفظ ماء وجه المسلمين لكي يعيد للعرب و المسلمين كرامتهم و يرفعهم إلى مستوى الحضارة، فالقضية ليست قضية فلسطين أو إيران وحدها ، و إنما هي قضية العالم الإسلامي كله، من شرقه إلى غربه، لكن المسلمون يُصِرُّون على أن يظلوا متخلفين مهزومين في زمن التذبذبات و تشتت الأفكار و المواقف.
يضيف مالك بن نبي في الصفحة 76 قائلا : إن الحضارة الإسلامية توقف إنتاجها الثقافي في القرن الثاني عشر، لكن انهيارها تأجل تاريخيا حينما حلّ العنصر العسكري محل اللون الثقافي لمواجهة تحديات الخارج في قانون تداول الحضارات و تواصل الثقافات، و قد بدأ الانهيار منذ سقوط الدولة العثمانية و سقوط غرناطة آخر معقل للمسلمين في الأندلس الذي كان بإمارة أبي عبد الرحمن الذي قالت له أمّه: ” ابكِ مثل النساء مُلْكًا لم تحافظ عليه كالرجال”، فإذا لم يقف المسلمون اليوم أمام إيران التي تدافع عن الشرف العربي و الإسلامي فإنهم سوف يسقطون جميعا فيكون لهم الخراب و الدمار الأبدي.
علجية عيش




