على خلفية “شبهات بالتحرش”.. أزمة الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة تتفاقم واليوم القول الفصل في مسألة مرشحها الثاني

على خلفية “شبهات بالتحرش”.. أزمة الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة تتفاقم واليوم القول الفصل في مسألة مرشحها الثاني
وديع عواودة
الناصرة- : تتواصل الأزمة الداخلية في حزب الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة برئاسة البروفيسور يوسف جبارين داخل أراضي 48، على خلفية نقاشات وسجالات حول مستقبل بقاء المرشح الثاني في قائمتها لانتخابات الكنيست، جعفر فرح، الذي تنسب له شبهات تحرش من قبل جمعيات نسوية في الفترة الأخيرة، والذي اضطر للمكوث في مستشفى حيفا منذ الخميس حتى أمس الأحد بسبب تردي صحته جراء الضغوط النفسية.
على خلفية الأحاديث المنتشرة وحملات جمعيات نسوية حول ظاهرة التحرش، شكلت “الجبهة” طاقم فحص داخليا استمع إلى إفادات لنساء يدعين أنهن تعرضن للتحرش من قبل فرح، نقلتها مندوبات عن جمعيتي “نساء ضد العنف” و”سوار”، وقام الطاقم بنقلها إلى قيادة “الجبهة” التي قررت إيلاء الثقة بها، حيث قالت في بيان مطول إن طاقما خاصا فحص المعطيات المتوفرة، وقدم توصيات تشمل انسحاب فرح.
وفي بيان ثان صدر يوم الجمعة الأخير، أكدت “الجبهة” أن الرفيق جعفر فرح “أبلغها أمس الخميس، بقراره بسحب ترشحه للكنيست ضمن الموقع الثاني في قائمتها وذلك من منطلق المسؤولية ونصرة للقائمة المشتركة”. وحسب البيان المذكور، جاءت خطوة الرفيق فرح هذه من منطلق المسؤولية الوطنية والحزبية وبالتنسيق مع هيئات الحزب والجبهة وشخصيات قيادية جبهية حيفاوية وقطرية، وذلك بهدف قطع الطريق أمام محاولات ضرب القائمة المشتركة من خلال استغلال الادعاءات بحق الرفيق فرح، والتي نفاها جملة وتفصيلا.
وأوضحت أن فرح أكد أنه سيبذل قصارى جهده في الفترة القادمة لمواصلة نشاطه السياسي والاجتماعي وتجنده لنصرة الجبهة والحزب والقائمة المشتركة. وتابعت: “إننا نرى بخطوته هذه، تضحية كبيرة تنم عن مسؤولية وشجاعة كبيرتين كعهدنا به منذ نشاطه في صفوف الشبيبة الشيوعية والحركات الطلابية وبدوره الطليعي في إنشاء وإدارة مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها مركز مساواة الحقوقي، والذي قام ضمن إدارته بعمل مهني وجماهيري هام”.
على خلفية كل ذلك، عقدت السكرتارية القطرية للجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة واللجنة المركزية للحزب الشيوعي اجتماعا مشتركا السبت الماضي في مدينة شفاعمرو لانتخاب مرشح بديل. وخلال الاجتماع، انسحب كافة المرشحين ولم يبق سوى مرشح وحيد، رئيس مجلس محلي بلدة عيلبون في الجليل سمير أبو زيد، الذي أبدى استعداده ليكون مرشحا توافقيا وبالتراضي. وأوصى الاجتماع بعقد المجلس العام لـ”الجبهة” للمصادقة على توصيته المذكورة.
محكمة ميدانية خطيرة
من جهته، رفض جعفر فرح التنحي وقال في تصريحات إعلامية أمس إنه لم يلتزم بالتنحي، وإن هناك محاولات مستمرة حتى الآن لابتزازه وتهديده بتقديم شهادات جديدة ضده وإخضاعه لمحكمة ميدانية غير عادلة، مذكرا بأنه انتخب بشكل ديموقراطي في اجتماع مجلس الجبهة في مايو/أيار الماضي.
في ذات الوقت، قال فرح إنه منفتح على الحوار مع قيادة “الجبهة” بشكل لائق ومحترم وبدون محاكمات ميدانية، بهدوء بعيدا عن عيون الإعلام. قبل ذلك، كان فرح قد أكد في بيان قبل عشرة أيام استعداده للمثول أمام منبر قانوني أو هيئة مهنية مستقلة، نافيا بشكل قاطع صحة الادعاءات.
وجاء تكرار نفي فرح أمس رغم أن “الجبهة” أعلنت في بيانين وبتصريحات بعض قادتها أنه قد أبلغها بسحب ترشحه للكنيست من منطلق المسؤولية ونصرة القائمة المشتركة، ورغم أن رئيس لجنة الدستور في “الجبهة” المحامي حسين مناع قد قال بالصوت والصورة بعد اجتماع سكرتارية الجبهة ومركزية الحزب الشيوعي في شفاعمرو يوم السبت الأخير إنه قد رافق الرفيق جعفر في المستشفى وإنه لا يوجد ضغوط عليه، مشددا على أن بيان “الجبهة” من يوم الجمعة صدر بالتنسيق الكامل معه وموافقته. وتابع: “بل قمنا بتصحيح بيان التنحي حسب ما طلب الرفيق جعفر”.
ما الذي حصل؟
ربما منذ البداية كان جعفر فرح يرفض الاستقالة، وكل ما نسب عنه جاء نتيجة ضغوط عليه قبل وخلال دخوله المستشفى، أو إنه استشعر حجم التأييد الواسع له داخل الحزب الشيوعي والجبهة وفي المجتمع العربي، كما يتجلى في مناشير وتعقيبات الجمهور في منتديات التواصل الاجتماعي، فعدل عن تنحيه.
وتعتبر أغلبية هذه المناشير والتعقيبات أن ما حصل مؤامرة على جعفر فرح ومحكمة ميدانية له، وتشكك برواية الجمعيات النسوية، معتبرين أن من لديه شكوى ومزاعم فليذهب للشرطة.
في مقال تنشره صحيفة “هآرتس”، يتساءل السكرتير السابق للجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة، الكاتب عودة بشارات، عن مدى أهلية طاقم التحقيق داخل الجبهة وعن مدى مهنيته وحيازته أدوات تقصي وتحقيق، وهل أعضاؤه منزهون، نظرا لأن الكل يعرف الكل داخل الحزب والجبهة، ونظرا لأنه داخل الجبهة “كلو عمك خالك”. ويضيف بشارات، بما يتماشى مع آراء مثقفين عرب آخرين: “ربما الأنسب هو تشكيل لجنة تحقيق برئاسة قاض متقاعد مع حقوقيين”.
ويطرح بشارات تساؤلا ثانيا حول الشبهات والاتهامات التي أثيرت عام 2019، ووقتها نفاها جعفر فرح، بل قدم شكوى في الشرطة ضد ملاحقة له. ويتابع: “هدف النضال ضد التحرش هو معاقبة المتحرش، ولكن أيضا للفصل بينه وبين ضحايا أخرى محتملة. لكن فرح رجل جمهور معروف ورئيس مركز ‘مساواة’. وإذا كان الحديث يدور عن تحرش، ممكن الافتراض أنه خطير أيضا على النساء العاملات في مركز ‘مساواة’، وهو أخطر بأضعاف من الخطر المترتب على إشغاله وظيفة عضو كنيست. فهل المقصود منعه من أن يصبح عضو كنيست أم دفعه للاستقالة من منصب مدير ‘مساواة’ أيضا؟”.
مجلس الجبهة العام القول الفصل
واليوم الاثنين، وعلى خلفية رفض جعفر فرح التنحي وسحب ترشحه بخلاف موافقة سابقة له على ذلك، يلتئم مساء اليوم المجلس العام للجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة من أجل البت في المسألة من خلال تصويت أعضائها البالغ تعدادهم نحو 950 مندوبا.
وكانت “الجبهة” قد أصدرت ليلة أمس بيانا قالت فيه: “استنادا إلى قرارات السكرتارية القطرية للجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة واللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاجتماعين الأخيرين، وعلى ضوء البلاغ المفاجئ اليوم من الرفيق جعفر فرح، بالتراجع عن موقفه بسحب ترشيحه ضمن قائمة الجبهة والانقلاب على موقفه الذي نشرناه يوم الجمعة الأخير، بالتنسيق معه، نعلن عن عقد جلسة استثنائية لمجلس الجبهة القطري، مساء الاثنين، الساعة السادسة مساء في قاعة العوادية في شفاعمرو”.
وقالت إنها ستضع أمام المجلس التقرير الذي أعدته لجنة الفحص بشأن الإفادات الموجهة بحق الرفيق جعفر فرح، وإفادات إضافية وصلتها مؤخرا، كما ستمنح للرفيق فرح فرصة منصفة لتقديم رده.
وسيتم التصويت على المصادقة على توصية سكرتارية “الجبهة” ومركزية الحزب الشيوعي بسحب ترشح جعفر فرح، وفي حال سحب الترشيح، انتخاب المرشح على المقعد الثاني.
وقال مصدر في “الجبهة” لـ”القدس العربي” إن قادة الجبهة سيقرؤون حرفيا إفادات النساء “ضحايا التحرش” على مسمع أعضاء مجلس الجبهة كي يحكموا بأنفسهم على مصداقيتها قبل الشروع بالتصويت.
وتابع: “ربما يكون هذا جزءا من الضغط على جعفر فرح كي يتنحى قبل التئام مجلس الجبهة مساء اليوم، الذي سيجتمع بكل الأحوال حتى لو تراجع عن ترشحه، بغية المصادقة على مرشح بديل”.
ولا يستبعد المصدر المطلع أن ينجح جعفر فرح بالفوز مجددا في انتخابات مجلس الجبهة اليوم، مما سيقود إلى أزمة خطيرة جدا من شأنها أن تفضي لانقسامها.
ترشح مشروط
وقال رئيس مجلس بلدة عيلبون المحلي في الجليل سمير أبو زيد لـ”القدس العربي” إنه أبلغ قادة الحزب والجبهة ليلة أمس إنه “ثابت على موقفه، ففي حال لم ينسحب جعفر فرح من ترشحه لن يرشح نفسه، رغم أنه المرشح الوحيد الآن لاستبدال فرح”.
وأكد أن هناك تفاهمات سابقة بينه وبين الجبهة تقول إنه سيقبل الاستقالة من رئاسة المجلس المحلي في بلدته وأن يكون مرشحا في انتخابات الكنيست بديلا لجعفر فرح فقط في حال استقال الأخير وتمت العملية بالتراضي.
ومضى في توصيف الحالة السياسية الدقيقة الآن: “نحن أمام مسؤولية تاريخية تجاه مجتمعنا وشعبنا. أنا في الدورة الثالثة من رئاسة المجلس المحلي، لكن إذا اقتضت الحاجة سد الفراغ فأنا أقبل القيام بالدور. اتصلت مع جعفر قبل ذهابي لاجتماع سكرتارية الجبهة ومركزية الحزب في شفاعمرو يوم السبت الأخير وقلت له: سأقدم ترشيحي إذا تنحيت، فوافق وقال إنه مرهق وأخذت موافقته”.
وأضاف: “بعد التوافق في الاجتماع المذكور في شفاعمرو، زرت فرح وهو في المستشفى مع وفد من رفاق الجبهة والحزب، وأبلغته بما حصل، ونحن رفاق وعلاقاتنا طيبة. وبعدما اطمأننا على صحته، قال: أعطوني فرصة لأتثبت من وضعي الصحي. احترمت رأيه، فهو منتخب دستوريا. له جمهور واسع، ويتمتع بكفاءات وطاقات، ومن دون أن يكون لجانبنا صعب أن أترشح. التفاهم بيني وبين ‘الجبهة’ أن تكون هناك موافقة خطية ورسمية من فرح. لا أريد استبدال أحد، بل سد فراغ في حال صار”.
وردا على سؤال هل سيقدم ترشحه في حال تمت إقالة جعفر فرح بدلا من استقالته، فقال: “أفضل التريث والتشاور قبل الإجابة على هذا السؤال. أريد التأكد من عدم وجود حالة انقسام وأن أبقى محل توافق لا انقساما. الجبهة تاريخها عريق وهناك حسم ديموقراطي وستتجاوز المحنة وتخرج موحدة للشارع وتحقق نجاحات، فنحن أمام تحد كبير ومهمتنا المشاركة في إسقاط هذه الحكومة العنصرية، وشعبنا كله ينتظر منا ذلك”.
وتابع: “هذه الحكومة تضيق الخناق على مجتمعنا وشعبنا، وعلينا الفوز بأكبر عدد ممكن من النواب ونؤثر على الحكومة البديلة. حكومة نستطيع نتفاهم معها، وربما نستنسخ تجربة ‘الكتلة المانعة’ عام 1992، حينما منحت ‘الجبهة’ والحزب الديموقراطي العربي ‘سلة أمان’ لحكومة رابين بتوجيه من أجل المساهمة في شق الطريق نحو السلام مع الشعب الفلسطيني ومنع ‘الليكود’ برئاسة شامير من تشكيل حكومة. التحدي الآن أن نشارك في إسقاط حكومة نتنياهو”.
“القدس العربي”



