على وقع الأزمة السياسية والتحديات الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي…تونس إلى أين؟

على وقع الأزمة السياسية والتحديات الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي…تونس إلى أين؟
روعة قاسم
تونس ـ : تعيش تونس اليوم لحظة مفصلية من تاريخها الحديث تتقاطع فيها الأزمة السياسية مع ضغوط اقتصادية خانقة وتحديات اجتماعية متراكمة، في ظل مشهد حقوقي يزداد انكماشًا يوماً بعد يوم. ويجد التونسيون أنفسهم اليوم بين مطرقة التحديات الاقتصادية وسندان الأزمة السياسية التي تبدو فيها البلاد تسير نحو نمط حكم أكثر انغلاقًا ينسف ما تبقى من مكتسبات العقد الماضي.
فالأزمة الراهنة في تونس تمتد لتشمل مختلف الأبعاد، أي السلطة ومؤسساتها، والاقتصاد والقدرة الشرائية، وواقع الحريات والفضاء المدني، وكذلك الاحتقان الاجتماعي والتفاوت الجهوي. وفي خضم ذلك يبدو التونسيون على موعد مع تحركات هامة واحتجاجات واضرابات في عديد القطاعات والمستويات خلال الأيام المقبلة ستكون لها انعكاسات وتداعيات على الوضع العام في البلاد.
التضييق على الحريات
شرعت السلطات في تونس، ومنذ 25 تموز/يوليو 2021 في اتخاذ ما يُعرف بالإجراءات الاستثنائية التي اعتبرها كثيرون بداية تحول لنظام حكم الشخص الواحد وتراجعا في التمثيلية السياسية وتضييقا على المعارضة واستهدافا للحقوق والحريات. ولعل تراجع البلاد في ترتيب حرية التعبير والصحافة في سنتي 2024 و2025 والذي أرجعه البعض إلى ملاحقات تشهدها وسائل الإعلام والصحافيين بموجب ما يُعرف بـ«المرسوم عدد 54» أو بسبب قوانين أمنية، يدعم ما ذهب إليه هؤلاء. فالتقهقر في الترتيب هام ولافت وذلك بعد سنوات من تصدر تونس لهذا التصنيف عربيا وأفريقيا.
ويرى البعض أن تعليق نشاط جمعيات حقوقية واجتماعية خلال سنة 2025 مثل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وجمعية النساء الديمقراطيات وغيرها، تحت ذريعة مخالفات إدارية ومالية، يصب أيضا في هذا الإطار. فالمسار الديمقراطي الذي انطلقت فيه تونس بعد 2011 يتعرّض برأي هؤلاء، نتيجة لكل ما ذكر، إلى نكسة حقيقية سببها انفراد السلطة التنفيذية بالحكم وتقييد الفضاء المدني والسياسي.
وتؤكد عديد الأطراف على أن الوضع الحقوقي في تونس عرف تراجعًا ملحوظًا منذ 2021، ويظهر ذلك في عدة مؤشرات وممارسات على الأرض. فوفقا لهيومن رايتس ووتش في تقريرها سنة 2025، شهدت تونس «إغلاقا دراماتيكيا» للفضاء المدني من خلال ما تراه اعتقالات سياسية واحتجازات تعسفية وتعديلا لقوانين الانتخابات قبل أيام قليلة من الاقتراع.
كما يؤكد كثير من معارضي الحكم على أن تونس شهدت خلال السنوات الأخيرة عودة لافتة لظاهرة المحاكمات ذات الطابع السياسي، في تطوّر أعاد إلى الواجهة مخاوف كانت قد انحسرت بعد 2011. فقد تمّت، ملاحقة عدد من الشخصيات السياسية المعارضة، ونشطاء المجتمع المدني، وصحافيين، ومحامين، بتهم تتراوح بين «التآمر على أمن الدولة» و«نشر أخبار كاذبة» و«الإساءة إلى رموز الدولة»، في ظل غموض كبير يحيط بالملفات وغياب ضمانات كافية للمحاكمة العادلة، بحسب منظمات حقوقية محلية ودولية.
وتُوجَّه إلى السلطات من قبل خصومها اتهامات بتوظيف القضاء لتصفية الخصوم السياسيين، خصوصًا مع تزايد الاعتماد على مراسيم قانونية مثل المرسوم عدد 54 المتعلق بـ«مكافحة الجرائم المتصلة بنظم المعلومات»، والذي استُخدم لملاحقة صحافيين ومدوّنين بسبب آراء أو تدوينات. كما يؤكد هؤلاء أنه تم تسجيل إيقافات واعتقالات طالت رؤساء أحزاب، ووزراء سابقين، ونقابيين، في سياق يرى فيه مراقبون محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي عبر التضييق على الأصوات المعارضة.
ويؤكد هؤلاء على أن هذه المحاكمات، أثّرت بشكل مباشر على الثقة في استقلالية القضاء، وأدت إلى انكماش حاد في الفضاء العام. كما أنها خلقت حالة خوف وحيطة داخل الوسط الإعلامي والسياسي، حيث أصبح التعبير العلني عن المواقف الناقدة محفوفًا بالمخاطر القانونية. وفي ظل غياب آليات رقابة قوية أو حوار وطني جامع، يخشى كثيرون أن تتحول المحاكمات السياسية إلى أداة ثابتة لإدارة الصراع السياسي في البلاد، بدل أن يبقى القضاء سلطة محايدة تحفظ دولة القانون.
ولعل ما يزيد الطين بلة برأيهم أنه لم يعد هناك وجود حقيقي على الساحة للأحزاب التقليدية التي كثيرا ما حركت المشهد السياسي في البلاد رغم كثرة الصراعات التي ميزت العلاقة بين هذه الأحزاب في الماضي القريب والبعيد. ولعل ذلك ما دفع بالبعض للتأكيد على أن تونس بصدد التحول من نظام تعددي ديمقراطي محدود بعد 2011، إلى نظام أكثر تركّزًا للسلطة، مع تراجع واضح في دور الأحزاب والمجتمع المدني والحقوق والحريات وهو ما يثير مخاوف جدية لدى هؤلاء حول مستقبل التعددية السياسية والرقابة الديمقراطية.
احتجاجات مدنية وسياسية
وتصدرت الاحتجاجات المرتبطة بالحقوق المدنية والسياسية المشهد حسب آخر تقرير صدر عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. إذ أكد المنتدى بأن الشهر الماضي عرف ارتفاعا في نسق الاحتجاجات بنحو 80 في المئة بالمقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية التي شهدت خلالها البلاد 330 تحركا. فقد ارتفعت التحركات الاحتجاجية منذ بداية السنة إلى 4838 احتجاجا مقابل 2638 احتجاجا للسنة الماضية أي بنسبة ارتفاع 83.4 في المئة.
ومثّلت الاحتجاجات المرتبطة بالحقوق المدنية والسياسية 43.46 في المئة من جملة التحركات التي تم توثيقها من قبل المرصد الاجتماعي التونسي للمنتدى، في مقابل 39.9 في المئة بالنسبة للمطالب المتعلقة بالحق في التشغيل.
فقد انتظم 111 تحركا خلال الفترة الحالية رفضا للأحكام القضائية الصادرة بحق نشطاء وصحافيين وحقوقيين. ويبدو أن وتيرة الاحتجاجات سواء المدنية والحقوقية أو الاجتماعية ستشهد تصاعدا خلال الفترة المقبلة.
إن الوضع في تونس يبدو مفتوحا على صراعات متعددة الأشكال. فمنذ أيام أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تنضوي تحته النقابات العمالية التونسية الفاعلة، عن إضراب عام وذلك في 21 كانون الثاني/يناير 2026 احتجاجًا على قيود الحريات النقابية ورفضا لتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
كما أن الاحتجاجات في العاصمة ومدن أخرى تتزايد، على الملاحقات التي تطال ناشطين في الشأن العام، وعلى تدهور الخدمات، والسياسات الاقتصادية والجبائية التي تثقل كاهل المواطن. ومن جهة أخرى فإن السلطات تواصل ملاحقة النشطاء وهو ما يثير مخاوف من تفاقم الأزمة الحقوقية وتقلص مساحة الحوار والمشاركة.
وتُعدّ أزمة قابس التي لم تحل بعد رغم تشكيل لجنة للغرض، واحدة من أكثر الملفات البيئية والاجتماعية استعصاء في تونس، إذ ورغم الوعود الحكومية المتكررة منذ سنوات، لم تُحرك عجلة الحلول الجذرية بعد. فالولاية التي تحتضن المنطقة الصناعية والمجمّع الكيميائي، لا تزال تعاني من مستويات تلوث مرتفعة أثّرت بشكل مباشر على صحة السكان، وعلى جودة الحياة، وعلى القطاعات الاقتصادية التقليدية مثل الصيد البحري والزراعة. ويصف نشطاء البيئة الوضع في قابس بأنه «كارثة بيئية مستمرة»، نتيجة انبعاثات المصانع، وتسربات الفوسفوجيبس إلى البحر، واستهلاك كميات ضخمة من المياه الجوفية.
وأدت هذه الأزمة إلى شعور عميق بالتهميش في الجهة، حيث يرى الأهالي أن الدولة تجعلهم يدفعون ثمن التنمية الوطنية من دون أن توفّر لهم المقابل في شكل بنى تحتية، أو مشاريع تنموية، أو إجراءات جدية للحد من التلوث. وبينما تطالب منظمات المجتمع المدني بخريطة طريق واضحة تتضمن نقل الوحدات الملوِثة خارج المدينة كما تم التعهّد به سابقًا، تشير الوقائع إلى تعثر تنفيذ أي برنامج فعلي، إما بسبب نقص التمويل، أو غياب الإرادة السياسية، أو تضارب مصالح الأطراف المعنية بالصناعات الكيميائية.
هذا الوضع جعل من قابس رمزًا للفجوة التنموية والبيئية في تونس، ومؤشرًا على عجز الدولة عن معالجة الملفات الهيكلية التي تمس مباشرة صحة المواطنين وحقهم في بيئة سليمة. وبين استمرار التلوث وتنامي الاحتجاجات الدورية، تبقى الأزمة مفتوحة على كل السيناريوهات، في انتظار قرار سياسي جريء ينهي سنوات المعاناة ويعيد الثقة لأهالي الجهة.
إن الوضع العام في تونس يجعل الكثيرين يعبرون عن إحباطهم بسبب غياب رؤية واضحة للإصلاح. ويرى هؤلاء أن الحل يتطلب خريطة طريق شاملة سياسية واقتصادية واجتماعية بديلة للنموذج الحالي القائم على التعويل على الذات. ويرون أيضا أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن تونس ستواجه مستقبلا عدة مخاطر حقيقية.
ومن بين هذه المخاطر تفاقم الفقر وعدم المساواة وذلك مع تراجع القدرة الشرائية، وتراجع الخدمات، وتباطؤ الاستثمار، ما قد يخلق جيلا جديدا من الشباب والعاطلين. ومن المخاطر أيضا التفكك الاجتماعي وهجرة الأدمغة وذلك مع استمرار البطالة وضعف الأمل في المستقبل وغياب الفرص ما سيساهم في تفريغ البلد من طاقاته.
أزمة اقتصادية اجتماعية
ويعكس الوضع الاقتصادي لتونس بدوره تعقيدات كبيرة، ويُشير خبراء إلى أن السياسات الاقتصادية تفتقر إلى معالجة جذرية للمشاكل الهيكلية ومنها ضعف الاستثمار الخاص وانكماش القدرة الشرائية والاختلال في توزيع النمو عبر الجهات. كما أن «سياسة التقشف» والاعتماد على التمويل الداخلي بدلاً من الخارجي لتجنّب اللجوء إلى دعم من صندوق النقد الدولي أدت إلى تراجع قدرة المؤسسات الاقتصادية على الاستثمار، وهو ما حدّ من تشغيل الشباب وتحفيز النشاط الخاص. في المقابل فإن البنك الدولي أعطى مؤشرات إيجابية نسبيا تتعلق بزيادة النمو في الناتج الداخلي الخام بنسبة 2.4 في المئة، وكذلك ارتفاع الاستثمار الأجنبي في سنة 2025 خاصة في الطاقة المتجددة بنسبة 41 في المئة خلال أول سبعة أشهر من السنة. وحسب تقرير البنك الدولي فإن نسبة التضخم سجلت انخفاضا في تشرين الأول/أكتوبر 2025 لتصل إلى 4.9 في المئة بعد أن كانت 10.4 في شباط/فبراير 2023.
ورغم تحسّن التضخّم مؤخرًا، إلا أن القدرة الشرائية لدى المواطن لا تزال تتآكل بصورة مستمرة، ما يقلّص من الطلب الداخلي ويثقل كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة. وما يزيد الطين بلة هو الدين العام الذي لا يزال مرتفعًا حيث بلغ نحو 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2024.
كما أن التفاوت الجهوي يزيد من تفاقم الأزمة باعتبار أن المناطق الداخلية والأرياف تعاني أكثر من المناطق الساحلية، سواء من حيث التشغيل أو الخدمات، وهو ما يُغذّي التوترات الاجتماعية والهجرة الداخلية أو الهجرة خارج البلاد. وترتفع البطالة في هذه المناطق خاصة بين الشباب وهو عامل أساسي لتغذية الشعور بالإحباط والخوف من المستقبل، وهو ما يُغذي نزيف الهجرة والعزوف عن المشاركة السياسية أو الاجتماعية البناءة.
ويعاني التونسي اليوم من تآكل القدرة الشرائية ومن ارتفاع الأسعار، وهو ما جعل المواد الأساسية والخدمات أكثر صعوبة في الوصول بالنسبة لفئات واسعة من الشعب. كما تشكو الخدمات العمومية من ضعف سواء من حيث الجودة أو التغطية الجغرافية وهو ما دفع كثيرين للجوء إلى القطاع الخاص في الصحة والتعليم والنقل مقابل تكاليف إضافية.
تغيير في هيكلة الحياة السياسية
يرى الكاتب والباحث السياسي والاجتماعي هشام الحاجي في حديثه لـ «القدس العربي» أن الحصيلة، منذ كانون الثاني/يناير 2011 وإلى حد الآن تبدو ضعيفة وبعيدة كل البعد عن التطلعات و«الآمال» التي أطلقتها «ثورة» فقدت بريقها وأصبحت التساؤلات حول خلفياتها تحاصرها. ولا تبدو حصيلة المنظومة الحالية، بحسب الحاجي، استثناء في ما يتعلق بضعف المنجز الاقتصادي والسياسي. فمن الناحية الاقتصادية يرى الكاتب التونسي أنه لم تتحقق نتائج ملموسة في أهم الملفات التي تؤرق التونسيين والتونسيات كالبطالة والتفاوت بين الجهات، إلى جانب التضخم وتردي الخدمات وتفشي المخدرات والعنف والتسرب المدرسي وغيرها من الظواهر التي تتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية في تنامي تأثيرها السلبي ومجال انتشارها. ويرى أن الاختيارات الكبرى التي كانت وراء الاحتقان الاجتماعي الذي وفرّ الأرضية لانتفاضة 14 كانون الثاني/يناير 2011 ظلت فاعلة وحاضرة بقوة ولم تتأثر كثيرا بتوجهات الرئيس قيس سعيد.
ويضيف محدثنا قائلا: «في المقابل هناك تغير واضح في هيكلة الحياة السياسية، سواء من الناحية القانونية أو من الناحية الواقعية. ذلك أن الرئيس قيس سعيد لا يؤمن بدور الهياكل الوسيطة وقد وظف ما شاب السنوات التي سبقت توليه الحكم من سلبيات، وما أتاحه له دستور 2021 من نفوذ ومن قدرة على إقامة نظام يمنحه سلطات واسعة، للحد من دور الأحزاب السياسية».
وتابع بالقول: «لقد أصبحت الحياة السياسية بدون أحزاب، وتقلصت حرية الإعلام وعدنا إلى ما قبل نقطة الانطلاق. حياة سياسية من دون أحزاب وبلا إعلام تعددي وبلا حوار بين رؤى متناقضة، ويضاف إلى ذلك ضمور المنظمات النقابية، سواء كانت عمالية أو تمثل الأعراف وأرباب المال والأعمال، وعدم رغبة الدولة في الحوار معها».
واعتبر محدثنا أن أداء الحكومة بطيء ومحل انتقادات متزايدة ويضاف إلى ذلك أن مناقشات ميزانية الدولة الأخيرة كشفت للرأي العام وجها غير مطمئن لمجلس النواب. نواب انفعاليون فاقدون لتمثيل منطق الدولة ويتعاملون مع الحكومة بمنطق رد الفعل وتغذية الشعبوية». ويؤكد الحاجي على أنه من الطبيعي في هذا المناخ الذي يفتقد لمنطق المؤسسات، أن ينمو التوجه نحو الاحتجاج وهو ما يتجلى في تعدد التحركات التي تتخذ من الشارع فضاءها المفضل والتي أصبحت تستقطب أعدادا متزايدة من الشباب خاصة.
وفي خضم كل هذه التحديات والهواجس يبدو أن الوضع يسير نحو المزيد من المواجهة، وأن القطيعة بين السلطة السياسية والمعارضة ستتعمق.
«القدس العربي»




