ثقافة وفنون

“علَّمني حرفًا” يوثق للعلاقة خارج نمطية العصا والفلقة

“علَّمني حرفًا” يوثق للعلاقة خارج نمطية العصا والفلقة

د. نضير الخزرجي

بين الخشية والهيبة مائز خفيف الظل رفيع الجدار يكاد تغيب معه معالم التمييز، فلا يدري المرء كيف يصف الموقف على سبيل المثال حينما يتواجه في مكان عام تلميذ بمعلمه، فالموقف السائد كما عهدنا في زماننا أن يشيح الطالب بوجهه عن المعلم ويخفي نفسه لئلا يتواجه مع معلمه وإذا ما تقابلا على حين غرة يميل الطالب المؤدب إلى أن يخفض رأسه ويلقي عليه السلام، فلا تدري ما يجيش في صدر التلميذ هل ما بدر منه هو من باب الهيبة والإحترام والتقدير للذي كاد أن يكون رسولاً  أو خشية منه ورعباً لما هو كامن في ذهنية الطالب عن نمطية المعلم وهو يحمل بيده عصى التأديب، أو الملا في الكتاتيب وبين أصابعه العصا وفي الزاوية حبل الفلقة.

صورتان قريبتان من ذهن طالب العلم ولكنهما متغايرتان من حيث المؤدى، فالخشية قرينة الخضوع الصامت والهيبة قرينة الخضوع الناطق، وما بين الصامت والناطق تتجلى حقيقة العلاقة بين التلميذ والمعلم، فمن ينظر إلى المعلم كأبٍ ومربٍّ يتهيبه احتراماً كما يتهيب أباه يقترب منه يلقي عليه تحية السلام حبًّا وتقديراً، ومن يتهيب عصا المعلم يخشاه ويبتعد عنه، وإذا رآه من مكان بعيد خارج المدرسة يتوارى بين الناس أو في الأزقة حتى لا يراه.

وتظهر معالم الخضوع الناطق عندما يلتقي الطالب بمعلمه خارج المدرسة أو الجامعة أو الحوزة العلمية فلا يقف عنده مبجلاً فحسب وإنما يهوى على يديه يقبلها عرفاناً بجميل التعليم والتتلمذ وكمظهر من مظاهر البراءة في السنوات الأولى من الدراسة، وحتى إذا كبر الطالب وكبر المعلم ثم يتلاقيان لا يكثر من السلام الحار فقط وإنما يعمد إلى طبع قبلة على جبهته أو عمته أو يهوى على يديه يقبلها مثلما كان يقبلها صغيراً، وهذا المظهر الصادق من مظاهر الخضوع الناطق هو الذي عبَّر عنه أمير الكلام الثري علي بن أبي طالب عليه السلام بالعبودية الفاعلة: (مَن علَّمني حرفاً فقد صيَّرني عبداً)، وبتعبير رسول الكلمة الصادقة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلَّم: (مَنْ عَلَّمَ أَحَداً مَسْأَلَةً مَلَكَ رِقَّهُ قِيلَ أَيَبِيعُهُ وَيَشْتَرِيهِ؟ قَالَ بَلْ يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ‌)، فهي عبودية العلم والتعلم، وهي العبودية التي أشعلت فتيل المشاعر في كانون قوافي الشاعر المصري أحمد شوقي الذي دعا كل صاحب علم صغيراً كان أو كبيراً أن:

قُم للمعلِّمِ وَفِّهِ التَّبجيلا… كادَ المعلمُ أنْ يكونَ رسولا

وأقل مراتب القيام هو تقديم فروض الإحترام لرسول الحرف والكلام لا خشيته والرعب منه، فهو إنسان كإنسان كان تلميذا ثم أصبح معلماً، وإذا كان قد حمل باليمين قلم التعليم وباليسار عصا التأديب، فمراده خير التلميذ والطالب، واحترام المعلم إنما هو صورة أخرى من إحترام الوالد، ومن لا يحسن إحترام المعلم لا يحسن إحترام والده أو ذي رحم، وهو ممن فشل في عالم الإختبار الأسري والتعليمي.

هذه الصورة الرسالية النبوية للمعلم أرانا تفاصيلها وجزئياتها الفقيه والمحقق آية الله الشيخ محمد صادق بن محمد الكرباسي في كتابه الجديد المعنون “علَّمنى حرفاً” الصادر العام 2026م عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 624 صفحة من القطع الوزيري، راجعه وعلَّق الباحث العراقي المقيم في لندن الدكتور نضير بن رشيد الخزرجي وقدّم له وقرظه الباحث والأديب العراقي البابلي المولد والنشأة والمقام الدكتور سعد بن محمد حسين الحداد العبودي كما قرّظه الشاعر الجزائري المقيم في لندن الدكتور عبد العزيز بن مختار شَبين.

 

محطات ومراحل

في الأغلب الأعم أن الواحد منا مر بمراحل عدة في التتلمذ والدراسة إبتداءً من مرحلة لإبتدائية وانتهاءً بالدراسة الجامعية وما بينهما مرحلة المتوسطة والثانوية والإعدادية، ومن زاد انهى مرحلة الماجستير وأعقبها بالدكتوراه، وفي المدارس الحديثة فإن الدراسة قد تبدأ بسن مبكرة في الحضانة والروضة والتمهيدي، أي يمر بست مراحل حتى ينال شهادة البكالوريوس (ليسانس)، وفي الإصدار الجديد يطلعنا المؤلف وهو يوثق لسيرة معلميه في المراحل الدراسية حتى أصبح علماً يُشار له بالبنان، فهو يبدأ بمرحلة الوالدين في البيت وينتهي بمرحلة البحث الخارج من التعليم الديني الحوزوي وما بينهما مرحلة الكتاتيب والملالي، ثم المدارس الحديثة، ثم درس خارج الحوزة العلمية إلى جانب دروس المقدمات وبعدها دروس مرحلة السطوح والسطوح العليا، وخلال مسيرة التتلمذ مرَّ من تحت عشرات المعلمين، وثَّق الأحياء منهم والأموات، شاكراً ومقرظًا لحيهم وناعياً ومؤرخاً لميتهم.

والمصنف في “علَّمنى حرفاً” انطلق في توثيق المعلمين والأساتذة من القاعدة النبوية الشريفة: “مَن ورَّخ مؤمناً كأنما أحياه”، وهو على خلاف الكثير من الأعلام الذين إذا أشاروا إلى أساتذتهم شخَّصوا المشهورين منهم، فإنه عمد إلى توثيق المغمورين من المعلمين والأعلام، ولهذا فهو عند الحديث عن مرحلة الطفولة والتتلمذ في مدرسة الكتّاب يشير إلى الملاية والشيخة سكينة الكربلائية المتوفاة نحو سنة 1976م التي كانت أول معلمة له وهو في الخامسة من عمره، وعند الحديث عن الدراسة الحوزوية يشير إلى مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران المرشد السيد روح الله الموسوي الخميني المتوفى سنة 1989م حيث تتلمذ على يديه في النجف الأشرف وهو في عنفوان شبابه.

كما لم ينس حتى الذين أخذ عنهم العلم لفترة قصيرة للغاية، وبتعبير الأديب اللبناني الأستاذ عبد الحسن دهيني في مقدمة الناشر: (لم يكتف سماحته بذكر أساتذته الذين درس عندهم طويلاً، بل حتى الذين درس عندهم لماماً، أو تحصَّل منهم بعض المعلومات البسيطة، وهذا ينم عن أخلاقيات سماحته وتواضعه وسمو ذاته).

ولأنّ البيت هو أول الأشواط في مضمار التربية والتعليم فإنَّ تراجم المعلمين تناول أولاً الوالدة والوالد، ثم أتى على جميع الأساتذة في المراحل الدراسية الست وعددهم 62 معلماً ما بين أفندي ومعمم، على أنه ومن باب: (أمُّك ثم أمُّك ثم أمُّك ثم أبوك) كما ورد عن الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم، فقد أفرد المؤلف للوالدين كتاباً مستقلاً أسماه “الوالدان في الذاكرة” قريب الصدور من تحت سنابك خيل المطبعة.

وقبل أن يلج المؤلف ساحة الحديث يرشدنا إلى ضرورة مراعاة العلاقة بين الطالب والأستاذ من خلال بيان حق المعلم على التلميذ حيث بيّن الإمام علي بن الحسين السجاد عليهما السلام الخطوط العريضة لهذه العلاقة بقوله في رسالة الحقوق: (وحق سائسك بالعلم التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه، وأن لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدث في مجلسه أحداً، ولا تغتاب عنده أحداً، وأن تدفع عنه إذا ذُكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبه، وتظهر مناقبه، ولا تجالس له عدواً، ولا تعادي له ولياً، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله عز وجل بأنك قصدته وتعلمت علمه لله عزَّ وجلَّ اسمه لا للناس).

ولا شك أنَّ العملية التعليمية والتربوية في أي بلد مرهون نجاحها في أحد أوجهه الثبوتية بالعلاقة بين المعلم والتلميذ، وهي كما يؤكد المحقق الكرباسي: (المفتاح الموصل إلى نجاح العملية التعليمية أو فشلها في مستقبل التلميذ، ويمكن أن يقال: ما من فشل أو نجاح – كجزء علّة- لشخصية ما في مستقبله إلا ويعود إلى المعلم الذي لعب الدور الكبير في بناء شخصيته فأدى إلى فشله أو نجاحه في المستقبل).

 

اسحب بساطك!

جاء في المثل الفارسي (گلیمت را از آب بَكَش بِيرون)، أي: إسحب بساطك من الماء، وهو تعبير عن طلب العلم من الصغر والخوض في كل العلوم حتى يكون المرء واقفاً على الأمور فلا تهجم عليه اللوابس وليغدو عالماً تجاوز مرحلة التعلم على سبيل نجاة.

هذا المثل الذي ألقاه الفقيه آية الله الشيخ محمد الكرباسي على ولده مؤلف الكتاب كنصيحة من معلم إلى تلميذ قبل أن تكون نصيحة من والد لولده، كانت الجرس الذي ظل يطرق مسامع الكرباسي كل حين، وقد جاء رئيس قسم اللغة العربية في معهد إعداد المعلمين الصباحي في حلة بابل الدكتور سعد الحداد العبودي ليطرق سمعنا بها وهو في تقديمه للكتاب تحت عنوان: “سياحة في كتاب علَّمني حرفًا”، ليعيد تأكيد نصيحة الوالد لولده وأنَّ خلاصة المثل هو أنه: (عليك أن تعرف كل شيء، وأن تأخذ طرفاً من كلِّ علمٍ. عليك ألاّ تقف عاجزاً امام طلب المعرفة، فكلما تقدَّم بك العمر تعرَّضت إلى مواقف تحتاج معها إلى فكِّ رموزها وتجاوزها بما تحصَّنت به من تحصيل معرفي. عليك إذن أن تفتش عن كلِّ علمٍ، فتعرف كُنههُ وأسراره، ما تسدُّ به رمقك وتُشبع به رغباتك، فالعمر يمضي كالبرق الخاطف).

وتلقى الشيخ الولد النصيحة الثمينة من الشيخ الوالد بذهن وقاد وإرادة صلبة، ولذلك وهو في العقد التاسع من عمره أغنى المكتبة العربية بنحو ثلاثة آلاف مصنَّف في علوم مختلفة، أودع عناوين المطبوع منها والمخطوط في كتاب أسماه “الموجز فيما أُنجز” صدر حديثا (2026م) في 372 صفحة من القطع الوزيري.

ومن جميل ما في “علَّمني حرفًا” أنَّ التلميذ البار بذل وسعه في تقصي سيرة أساتذته في جهد استثنائي بخاصة وإنهم توزعوا زمانيا على ثمانية عقود، ومكانياً على مدن كربلاء المقدسة والنجف الأشرف في العراق ومدن طهران وقم المقدسة في إيران، وحرص على أنْ يوثقهم بصور متنوعة من قلب الحدث التاريخي فجاء الكتاب تحفة معرفية، وبتعبير الدكتور الحداد في التقديم: (الكتابُ موسوعةُ معارفٍ، وأَنماطٍ من الأَلوانِ الحياتيَّةِ المجتمعيَّةِ، وأَشكالٌ فكريَّةٌ وثقافيَّة.. الكتابُ احتجنَ المَاتعَ والنَّافعَ، فهو جَامِع لألوانٍ زاهيةٍ من الفنونِ بقصدٍ أَو دونِهِ. الكتابُ وثيقةٌ تاريخيَّةٌ تؤرشفُ لسنواتٍ من عُمرٍ مباركٍ تقضَّى بالبرِّ وطلبِ العِلمِ، والتَّنقُّلِ بينَ الحواضر والأَمصار في مهامٍ أُخرى موازية للدرس العلمي، كان فيها خيرٌ للبلاد والعباد ضمن التكليف الشَّرعي. الكتابُ منهجٌ للشبابِ الراغبينَ في طلب العلم، فهو كنزٌ تربويٌّ، يحملُ قيمًا انسانية نبيلة. بل للطلبة المنخرطينَ في الحوزات العلميَّة دليل عمل في التعامل والعلاقات المجتمعية المختلفة. وهو لأَهلِ الأدبِ تحفةٌ أَدبيَّةٌ في فنِّ السِّيرة من خلالِ تَراجمِ الآخرين وعلومهم ونشاطاتهم وعلاقاتهم. ولأَهلِ الشِّعرِ ما أَبدعَهُ المؤلفُ من عروضٍ شعريٍّ، وما رسمَهُ من صورٍ لأَعلام الكتاب. نعم .. إنَّه سياحةٌ رائعةٌ في دائرةِ الحياةِ).

ولأن المقدِّم يمسك بسارية النظم إلى جانب القلم النثري، فإنه قرّظ الكتاب مؤرخاً صدوره من بحر السريع:

سِفْرٌ نبيلٌ ضوَّع العَرفا … أبدعه محمدٌ وصفا

يظل في تاريخه الحالي … ضياءَ مَن علمني حرفا

وكان مجموع التأريخ (1441هـ/ 2022م) وهو تاريخ انتهاء المؤلف من تحرير الكتاب، ولكن الشاعر الدكتور شَبين، جاء عام 1447 للهجرة الموافق للعام 2026م مقرظاً الكتاب من بحر الهزج، مطلعها:

سنًا علَّمني حَرْفا … وأجلى أُنسُهُ الخَوْفا

ثم يختم بقوله:

فَتاجُ المجدِ كَرْباسُ … عليكَ الآنَ قَدْ زُفَّا

ومن لطيف التعلم والتعليم قول النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلَّم: (تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تَعَلَّمُونَ مِنْه)، وعملاً بهدى السَّنة الشريفة فإن الفقيه الكرباسي في نهاية الكتاب تقدم بالشكر لكل من ساهم في رفد الكتاب بمعلومة أو صورة ذاكراً عدداً من الأسماء اللامعة في عالم البحث والتحقيق، وقد صاحب شكرَه الإعتذارُ قائلا: أقدّم عذري إلى هؤلاء المربين وإلى الأعلام ممَّن علَّمني حرفاً، موقناً بأني لم أتمكن من القيام بما يجب والعذر عند كرام الناس مقبول، والله عليمٌ بذات الصدور.

الرأي الآخر للدراسات- لندن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب