عمان-برلين-باريس و«حل الدولتين»: درب مؤثر أم مجرد «مؤآنسة» بين عاجزين؟

عمان-برلين-باريس و«حل الدولتين»: درب مؤثر أم مجرد «مؤآنسة» بين عاجزين؟
بسام البدارين
الاتصالات الأردنية الفرنسية تحديدا في حالة تفاعل إضافية على أمل توفير ملاذ آمن لمسار فكرة مؤتمر حل الدولتين الذي اقترحته فرنسا مع بعض الدول العربية.
عمان ـ «القدس العربي»:واضح تماما أن الانشغال الأردني الدبلوماسي والسياسي بالاستثمار الأفضل في القناة اليتيمة المتاحة وهي بعض الدول الأوروبية، يعكس من جهة سعيا من المؤسسة الأردنية للاستمرار في العزف على أوتار إحياء عملية السلام مع الشركاء المتاحين، لكنه يعكس من جهة أخرى وقد يكون هذا الأهم تراجعات كبيرة واستثنائية وغير مسبوقة، لا بل خطرة وحساسة في رهان الدولة الأردنية على الأمريكيين تحديدا ليس فقط في سياق عودة عملية السلام، ولكن في سياق إضفاء شرعية أمريكية على مشاريع واتجاهات اليمين الإسرائيلي المتطرفة.
غادر عمان إلى برلين منتصف الأسبوع وزير الخارجية أيمن الصفدي، وألقى الملك عبد الله الثاني في الاتحاد البرلماني الأوروبي خطابا شهيرا تحت عنوان تراجع الضمير العالمي في ملف غزة، لكن الاتصالات الأردنية الفرنسية تحديدا في حالة تفاعل إضافية على أمل توفير ملاذ آمن لمسار فكرة مؤتمر حل الدولتين الذي اقترحته فرنسا مع بعض الدول العربية.
توصف فرنسا في الأقنية الخلفية أردنيا بأنها تتخذ مواقف متقدمة في ملف إضفاء الشرعية على الاعتراف بدولة فلسطينية.
وتوصف ألمانيا الآن بأنها برسم إعادة برمجة موقفها في هذا السياق بعيدا عن حسابات ائتلاف اليمين الإسرائيلي المتطرف، وهو الأمر الذي يبرر إظهار عمان الدائم حرصها على التواصل مع برلين وباريس.
خلف الستائر يقول الألمان للأردنيين أنهم مستعدون للمساهمة في مبادرة شرعنة حل الدولتين وفي الهندسة العكسية الجارية الآن، لكنهم لا يرغبون بمناكفة نتنياهو إعلاميا بسبب حساسيات انعكاس ذلك على العلاقات الألمانية مع الإدارة الأمريكية.
ويقول الفرنسيون خلف الستائر بجاهزيتهم للعمل مع الأردن ومصر والسعودية على هندسة عكسية تقود إلى تأسيس لشرعية دولة فلسطينية في مشروع ترى المؤسسة الأردنية أن نتنياهو بافتعال المعركة الحالية مع إيران تقصد إحباطه.
عمليا وجد الأردنيون مع فرنسا وألمانيا مساحة مشتركة في مخاوف «الحرب الدينية» التي يسعى لها نتنياهو وقد تديم الصراع في الإقليم إلى فترات طويلة جدا.
لا يجد الطرف الرسمي العربي عمليا إلا الحراكات الأوروبية لتأسيس ثغرات وطرح مقترحات والتركيز الأردني الشديد على فرنسا وألمانيا وحراكهما جذره الأساسي هو الخوف من شرعية أمريكية ستمنح لليمين الإسرائيلي خصوصا بعد ما تقف الحرب بين إسرائيل وإيران بصفقة أو بدونها.
يقال في مواقع القرار الأردني الخلفية إن كل الجهد يتوجب أن يبذل مع النشاط الأوروبي.
ويقال إن التصعيد العسكري الذي قرره نتنياهو ضد إيران وما سيلجأ إليه لاحقا ضد العراق، هو بالتأكيد مرتبط بهدف خبيث عنوانه إحباط مسعى مؤتمر مسار حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية.
عليه يمكن القول أو الإستنتاج بأن ماكينة العجز الرسمي العربي في مواجهة التداعيات التي يفرضها اليمين الإسرائيلي هي التي يظهر تورطها بعد غياب أي تأثير على القرار الأمريكي، ما يدفع بالعاجزين العرب عمليا إلى البحث عن شركاء أوروبيين يمكنهم إظهار ولو قدر من التفهم والمشاركة لمعاناة النظام الرسمي العربي ولاحقا الشعب الفلسطيني.
لذلك التشبيك الدبلوماسي مع الأوروبيين قرينة معاكسة على ضعف التأثير بالبوصلة الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما لاحظه سابقا المحلل السياسي عريب الرنتاوي، وهو يرجح الحاجة أردنيا للإقرار بوقائع الحال القائلة إن الأردن وبقية الدول العربية فقدوا بصمات التأثير سواء على الإيقاع الإسرائيلي أو في معادلة القرار الأمريكي.
ذلك عمليا يبقي المساحة المشتركة مع أوروبا مخصصة للخطابات وأحيانا اللغو السياسي والدبلوماسي غير المؤثر.
لكن ذلك هو المتاح، والفكرة المرتبكة بشرعنة دولة فلسطينية ثم الاعتراف بها عبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة هي المطروحة على الطاولة الآن وتدعمها الدبلوماسية الأردنية فيما تحاربها المؤسسة الأمريكية بوضوح.
غياب التأثير والكلمة العربية والأردنية هو المفتاح الأساسي لحالة العجز التي تدفع باتجاه مخاطبة الأوروبيين مؤخرا مادام الإسرائيلي توقف عن الالتفات لاحتياجات بلد مثل الأردن، ومادام الأمريكي بدوره صامت أو متواطئ كما يقدر السياسي مروان الفاعوري، وهو يصر على أن العدو الحقيقي للأمتين والشعبين الأردني والفلسطيني هو الولايات المتحدة، وإسرائيل مجرد عضلات في ماكينة البلطجة الأمريكية على دول المنطقة.
تقدير الفاعوري أن البقاء عند شبابيك ونوافذ أوروبا غير مفيد، والعودة لمراجعة كل التشخيصات هي الأساس، لأن أوروبا تابعة عمليا جزء من الإشكال وليست في موقع التأثير الحقيقي وأضعف من أن تحدث تأثيرات بالغة في مشهدية القضية الفلسطينية.
ما يؤشر عليه الفاعوري وآخرون يتحول إلى شعور عام بالمزاج الأردني وسط الحاجة للبحث عن مقاربة صلبة ومقنعة أكثر لا تقف عند حدود البحث عن مساحات غير مؤثرة مع دول أوروبية لم تعد قوية أو صلبة.
بالخلاصة الدبلوماسية الأردنية تستثمر في المتاح والموجود، ودرب الوحدة الذي وضعت إسرائيل النظام الرسمي العربي فيه مؤخرا يمكن أن يحول التواصل مع الأوروبيين أقرب إلى صيغة «مؤآنسة» بين أطراف خارج التأثير.




