مقالات

عندما يتحول الحق في التعليم إلى معركة يومية من أجل البقاء

عندما يتحول الحق في التعليم إلى معركة يومية من أجل البقاء

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في كل عام دراسي جديد تتجدد معاناة آلاف الأسر الفلسطينية، لكن هذا العام تبدو الصورة أكثر قسوة وأشد إيلاماً. فالموظف الفلسطيني الذي ينتظر راتبه المنقوص أو مستحقاته المالية المتراكمة منذ سنوات، يجد نفسه أمام استحقاق آخر لا يقل ثقلاً عن أعباء الحياة اليومية، وهو تأمين مستقبل أبنائه التعليمي.

المشهد يتكرر بصورة تكاد تكون مأساوية؛ أب يقف أمام شباك التسجيل في إحدى الجامعات الفلسطينية آملاً أن يتمكن ابنه أو ابنته من مواصلة الدراسة، فيُفاجأ بأن التسجيل متوقف إلى حين تسديد الرسوم. يعود إلى منزله محملاً بالخيبة والعجز، وهو يعلم أن ما يتقاضاه من راتب لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء ومواصلات وسكن، فكيف له أن يؤمن آلاف الشواقل المطلوبة للرسوم الجامعية؟

هذه ليست قصة فردية، بل واقع يعيشه عشرات الآلاف من الموظفين وأصحاب الدخل المحدود، الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لأزمة مالية طويلة الأمد ألقت بظلالها على مختلف مناحي الحياة الفلسطينية.

أزمة تتجاوز حدود الجامعات

الخطأ الأكبر في فهم هذه القضية هو اختزالها في خلاف مالي بين الجامعات والطلبة أو بين الحكومة ومؤسسات التعليم العالي.

الحقيقة أن ما نشهده اليوم هو أزمة وطنية مركبة تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتنموية.

فالحكومة الفلسطينية تعاني من أزمة مالية مزمنة نتيجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي في احتجاز أجزاء من أموال المقاصة، وتراجع الدعم الدولي، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة والفقر. وفي المقابل، تعاني الجامعات الفلسطينية من ضائقة مالية خانقة ناجمة عن تراكم الديون وارتفاع تكاليف التشغيل وضعف مصادر التمويل.

أما الحلقة الأضعف في هذه المعادلة فهو المواطن الفلسطيني الذي يتحمل وحده كلفة الأزمة من دخله المحدود ومستقبله ومستقبل أبنائه.

وهكذا يجد الطالب نفسه محاصراً بين مؤسستين تعانيان الأزمة نفسها: حكومة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها المالية، وجامعات عاجزة عن الاستمرار دون تحصيل الرسوم.

التعليم ليس خدمة بل استثمار وطني استراتيجي

في الدول التي تخطط لمستقبلها، لا يُنظر إلى التعليم باعتباره خدمة استهلاكية، بل باعتباره استثماراً استراتيجياً في رأس المال البشري.

فالثروات الطبيعية قد تنضب، والمساعدات الخارجية قد تتراجع، لكن الإنسان المتعلم يبقى الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني قادر على الصمود والنهوض.

لقد أدركت الشعوب التي نجحت في تحقيق التنمية أن الجامعات ليست مجرد مؤسسات أكاديمية تمنح الشهادات، بل مصانع للعقول والكفاءات والخبرات القادرة على بناء الاقتصاد وتعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحقيق التنمية المستدامة.

أما عندما يصبح الطالب مهدداً بترك مقاعد الدراسة بسبب عجز أسرته عن دفع الرسوم، فإن الخسارة لا تقع على الطالب وحده، بل تمتد إلى المجتمع بأسره.

إن تعطيل تعليم آلاف الطلبة يعني عملياً تعطيل جزء من المستقبل الوطني الفلسطيني، وإضعاف قدرة المجتمع على مواجهة تحديات الاحتلال والاستيطان والتبعية الاقتصادية.

الاحتلال حاضر في خلفية المشهد

لا يمكن فصل الأزمة المالية الفلسطينية عن السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى إضعاف مقومات الصمود الفلسطيني.

فالاحتلال لا يكتفي بمصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان وتقويض فرص التنمية الاقتصادية، بل يفرض واقعاً مالياً معقداً من خلال التحكم بالمعابر والموارد وأموال المقاصة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها تجاه مختلف القطاعات.

وفي الوقت الذي تستنزف فيه محافظات الضفة الغربية بفعل الاستيطان والإغلاقات والحواجز العسكرية، تتعرض المؤسسات الوطنية لضغوط مالية متزايدة تجعلها عاجزة عن أداء دورها بالشكل المطلوب.

ومن هنا فإن أزمة التعليم لا يمكن فصلها عن السياق الوطني العام، باعتبارها جزءاً من معركة الصمود والبقاء على الأرض.

من يدفع الثمن؟

الجواب واضح ومؤلم في آن واحد: الأسرة الفلسطينية.

فالموظف الذي يتقاضى نصف راتب أو أقل لا يواجه فقط رسوم الجامعة، بل يواجه سلسلة متصلة من الالتزامات:

أقساط التعليم الجامعي. ، أجور السكنات الجامعية. ، تكاليف المواصلات. ، الكتب والمراجع والقرطاسية. ،النفقات المعيشية اليومية. ، والقروض البنكية والالتزامات المالية المتراكمة.

ومع وجود أكثر من طالب جامعي في الأسرة الواحدة، تتحول المسألة إلى عبء يفوق قدرة معظم العائلات على الاحتمال.

ولعل الأكثر خطورة أن هذه الضغوط تدفع بعض الطلبة إلى تأجيل دراستهم أو الانقطاع عنها نهائياً، فيما يضطر آخرون إلى البحث عن أعمال مؤقتة على حساب تحصيلهم الأكاديمي.

أزمة ثقة لا أزمة أموال فقط

ما يجري اليوم لا يهدد العملية التعليمية فحسب، بل يهدد الثقة بين المواطن ومؤسساته.

فالموظف الذي خدم سنوات طويلة في القطاع العام يشعر أن حقوقه المالية أصبحت رهينة للظروف السياسية والاقتصادية.

والطالب يشعر أن مستقبله الأكاديمي أصبح رهينة لأزمة لا يد له فيها. ، والجامعة تشعر أنها تُترك وحدها في مواجهة أعباء مالية متفاقمة دون حلول مستدامة.

هذه المعادلة تولد حالة من الإحباط الاجتماعي وتضعف الشعور بالعدالة وتزيد من حالة القلق تجاه المستقبل.

نحو رؤية وطنية شاملة لإنقاذ التعليم

إن معالجة الأزمة لا تكون عبر إجراءات مؤقتة أو حلول إسعافية محدودة، بل من خلال تبني رؤية وطنية استراتيجية تقوم على اعتبار التعليم أولوية وطنية عليا.

وتشمل هذه الرؤية:

أولاً: إنشاء صندوق وطني دائم لدعم التعليم الجامعي يشارك في تمويله القطاع العام والقطاع الخاص والمؤسسات الوطنية ورجال الأعمال الفلسطينيون.

ثانياً: تسوية الالتزامات المالية المتبادلة بين الحكومة والجامعات ضمن خطة زمنية واضحة وشفافة.

ثالثاً: تطوير نظام قروض تعليمية ميسرة بضمانات حكومية وشروط عادلة تراعي الظروف الاقتصادية للأسر.

رابعاً: توسيع برامج المنح والمساعدات للطلبة المتضررين من الأزمة الاقتصادية.

خامساً: إعادة صياغة العلاقة بين التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل بما يضمن توجيه الموارد نحو التخصصات الأكثر حاجة للاقتصاد الوطني.

سادساً: اعتبار دعم التعليم جزءاً من استراتيجية الصمود الوطني في مواجهة الاحتلال ومخططاته.

الخاتمة

إن السؤال الذي يطرحه آلاف الموظفين الفلسطينيين اليوم ليس سؤالاً مالياً فحسب، بل سؤال وطني وأخلاقي وسياسي بامتياز:

إلى من نتوجه عندما تصبح مستحقاتنا محتجزة، ورواتبنا منقوصة، وأبواب الجامعات مغلقة أمام أبنائنا؟

إن ترك الموظف الفلسطيني وحيداً في مواجهة هذه المعادلة القاسية يعني تعميق الأزمة الاجتماعية وتهديد مستقبل جيل كامل من الشباب الفلسطيني.

فالتعليم ليس امتيازاً لمن يملك المال، ولا سلعة تخضع لقانون العرض والطلب، بل حق أصيل كفلته الشرائع والقوانين والمواثيق الدولية، وركيزة أساسية من ركائز المشروع الوطني الفلسطيني.

إن حماية التعليم اليوم ليست مسؤولية الجامعات وحدها، ولا الحكومة وحدها، بل مسؤولية وطنية جماعية تتطلب إرادة سياسية وقرارات شجاعة ورؤية استراتيجية تدرك أن الاستثمار في الإنسان الفلسطيني هو الاستثمار الأكثر ربحاً والأكثر قدرة على حماية الحاضر وصناعة المستقبل.

فالأوطان تُبنى بالعقول قبل الحجر، وحين يُحرم الطالب من مقعده الجامعي بسبب عجز أسرته عن دفع الرسوم، فإن الخسارة لا تقع على فرد أو أسرة فحسب، بل تصيب المشروع الوطني الفلسطيني في صميمه

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب