فلسطين… الجرح المفتوح ومفتاح العدالة المفقود

فلسطين… الجرح المفتوح ومفتاح العدالة المفقود
بقلم: رئيس التحرير
بعد أكثر من سبعة عقود على نكبة عام 1948، وما يقارب ستة عقود على احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، لا تزال القضية الفلسطينية تمثل أحد أكثر الاختبارات صعوبة أمام منظومة القانون الدولي وفاعلية المؤسسات الدولية. فالصراع الذي طال أمده لم يعد مجرد نزاع سياسي قابل للإدارة بالبيانات والمواقف الدبلوماسية، بل أصبح قضية ترتبط بحقوق شعب، وبقواعد قانونية دولية، وبمسألة الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.
ورغم صدور عشرات القرارات الدولية التي تناولت جوانب مختلفة من القضية الفلسطينية، فإن الفجوة بين النصوص القانونية وآليات تنفيذها ما زالت واسعة، الأمر الذي أسهم في استمرار الأزمة وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية عادلة ودائمة.
القانون الدولي بين النص والتطبيق
شكّلت قرارات الأمم المتحدة، على امتداد العقود الماضية، جزءًا أساسيًا من المرجعية الدولية للقضية الفلسطينية. فالقرار 194 تناول قضية اللاجئين، بينما أكد القرار 242 مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، ودعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من أراضٍ احتُلت في النزاع، وجاء القرار 338 ليؤكد ضرورة تنفيذ القرار 242 والدخول في مفاوضات تهدف إلى إقامة سلام عادل ودائم.
كما أن قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالاستيطان، وفي مقدمتها القرار 2334، أكدت الموقف الدولي من عدم مشروعية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.
ومع ذلك، بقيت المشكلة الأساسية في ضعف القدرة الدولية على تحويل هذه المرجعيات إلى إجراءات عملية تنهي الاحتلال وتضمن حماية المدنيين وتصون الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.
ازدواجية المعايير… أزمة ثقة دولية
لا يمكن تجاهل أن استمرار الاحتلال، وتوسّع الاستيطان، ومصادرة الأراضي، والتهجير، والقيود المفروضة على الحركة، وما يرتبط بالحرب والعمليات العسكرية من آثار إنسانية جسيمة، كلها عوامل عمّقت حالة عدم الاستقرار وأضعفت الثقة بفاعلية النظام الدولي.
وفي المقابل، فإن مواجهة الإرهاب والتطرف لا يمكن أن تكون منفصلة عن معالجة الأسباب السياسية والقانونية والإنسانية التي تغذي مشاعر الإحباط واليأس في المنطقة. وهذا لا يعني تبرير استهداف المدنيين أو العنف ضد الأبرياء، فحماية المدنيين مبدأ أصيل في القانون الدولي الإنساني، أياً كانت هويتهم أو الجهة التي ينتمون إليها.
المطلوب هو مقاربة متوازنة ترفض الإرهاب واستهداف المدنيين من جهة، وترفض في الوقت ذاته استمرار الاحتلال وانتهاك الحقوق المشروعة من جهة أخرى.
فلسطين ليست قضية هامشية
إن استمرار القضية الفلسطينية دون حل عادل لم يعد شأنًا فلسطينيًا أو عربيًا فحسب، بل أصبح اختبارًا لمصداقية النظام الدولي وقدرته على تطبيق قواعده على الجميع دون انتقائية.
فالسلام المستدام لا يمكن أن يقوم على إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، ولا على تأجيل القضايا الجوهرية، وإنما يحتاج إلى معالجة جذور المشكلة، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وفق المرجعيات الدولية ذات الصلة.
ومن هنا، فإن إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق حل سياسي يستند إلى القانون الدولي والقرارات الدولية ذات الصلة، تظل إحدى الركائز الأساسية لأي تسوية قابلة للحياة.
من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل
لقد أثبتت التجربة أن البيانات وحدها لا تكفي، وأن استمرار إصدار القرارات دون آليات فاعلة لتنفيذها يوسع الفجوة بين الشعوب والمؤسسات الدولية.
المطلوب اليوم إرادة سياسية دولية تعيد الاعتبار للقانون الدولي، وتضع حماية المدنيين ووقف التهجير والاستيطان والعنف في مقدمة الأولويات، وتفتح طريقًا سياسيًا جادًا يقود إلى حل عادل وشامل.
فالقضية الفلسطينية ليست بحاجة إلى مزيد من إدارة الأزمة، بقدر ما تحتاج إلى معالجة أسبابها. والعدالة لا تعني الانحياز لطرف ضد آخر، وإنما تعني تطبيق معيار واحد على الجميع، واحترام حقوق الإنسان، ومساءلة من يثبت ارتكابه انتهاكات جسيمة وفق الأطر القانونية المختصة.
إن فلسطين ستبقى جرحًا مفتوحًا في ضمير العالم ما لم تتحول القرارات الدولية من نصوص إلى إجراءات، ومن مواقف سياسية إلى واقع ملموس.
فالسلام الحقيقي لا يُبنى على تجاهل الحقوق، والعدالة لا تكتمل بالانتقائية، والاستقرار الدائم يبدأ عندما يصبح القانون الدولي قاعدةً تُطبّق على الجميع، لا شعارًا يُرفع عند الحاجة.
