مقالات

فلسطين دولة تحت الاحتلال الإسرائيلي: رؤية قانونية واستراتيجية لإعادة تعريف الصراع وتحميل المجتمع الدولي مسؤولياته

فلسطين دولة تحت الاحتلال الإسرائيلي: رؤية قانونية واستراتيجية لإعادة تعريف الصراع وتحميل المجتمع الدولي مسؤولياته

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لم تعد القضية الفلسطينية اليوم تواجه مجرد احتلال عسكري تقليدي، بل مشروعاً استعمارياً استيطانياً متكاملاً يسعى إلى تغيير الجغرافيا والديمغرافيا والهوية القانونية للأرض الفلسطينية، عبر التوسع الاستيطاني، وضم الأراضي، وتهجير السكان، وتكريس واقع سياسي وقانوني يتناقض بصورة صارخة مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وفي ظل انسداد الأفق السياسي، وتعطل عملية السلام، وانهيار الأسس التي قامت عليها اتفاقيات أوسلو بفعل الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، يبرز خيار استراتيجي يتمثل في إعلان فلسطين دولة واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، والتوجه إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة للمطالبة بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، استناداً إلى المكانة القانونية لدولة فلسطين وواجبات المجتمع الدولي تجاهها.

هذا الطرح لا يمثل إعلاناً رمزياً أو سياسياً فحسب، وإنما يعكس انتقالاً من إدارة الصراع إلى إعادة تعريفه قانونياً باعتباره احتلالاً لدولة عضو مراقب في الأمم المتحدة، وهو تحول من شأنه أن يعيد القضية الفلسطينية إلى مرجعيتها الأصلية: القانون الدولي والشرعية الدولية، بدلاً من بقائها رهينة لمفاوضات غير متكافئة فرضت إسرائيل شروطها عليها طوال العقود الماضية.

لقد شكل قرار الجمعية العامة رقم (181) لعام 1947 الأساس القانوني الدولي لقيام دولتين في فلسطين، ثم جاء إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988 ليؤكد الشخصية القانونية لدولة فلسطين، قبل أن تعتمد الجمعية العامة القرار (67/19) عام 2012 الذي منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو، وهو تطور تاريخي نقل فلسطين من مجرد كيان سياسي إلى دولة معترف بها في إطار الأمم المتحدة، وأتاح لها الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وغيرها من المنظمات الدولية.

ومنذ ذلك التاريخ، أصبح المجتمع الدولي يتعامل مع فلسطين باعتبارها شخصاً من أشخاص القانون الدولي، وهو ما يجعل الاحتلال الإسرائيلي احتلالاً لإقليم دولة، وليس مجرد إدارة لأراضٍ متنازع عليها كما تحاول إسرائيل الترويج له.

وهنا تكمن أهمية التحول الاستراتيجي في الخطاب الفلسطيني؛ فإسرائيل تعمل منذ سنوات على تكريس رواية “الأراضي المتنازع عليها” للتهرب من الالتزامات التي يفرضها قانون الاحتلال، بينما تؤكد قواعد القانون الدولي أن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة هي أراضٍ محتلة، وأن الاحتلال لا ينقل السيادة إلى القوة المحتلة، بل يبقى وجودها مؤقتاً، ولا يخولها أي حق في ضم الأراضي أو تغيير تركيبتها السكانية أو فرض قوانينها عليها.

وتؤكد المادة (42) من لائحة لاهاي لعام 1907 أن الاحتلال يتحقق بمجرد خضوع الإقليم فعلياً لسلطة جيش أجنبي، فيما تنص المادة الثانية المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع على سريان الاتفاقيات على جميع حالات الاحتلال الكلي أو الجزئي، بغض النظر عن وجود مقاومة مسلحة. كما تؤكد المادة (47) من اتفاقية جنيف الرابعة أن الاحتلال لا يؤثر في الوضع القانوني للإقليم المحتل ولا يسقط حقوق سكانه، بينما تحظر المادة (49) نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، وهو النص الذي يجعل المشروع الاستيطاني الإسرائيلي برمته مخالفاً للقانون الدولي ويرقى إلى جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

إن تثبيت فلسطين باعتبارها دولة تحت الاحتلال يحمل أبعاداً قانونية وسياسية عميقة، أهمها إعادة تحميل إسرائيل مسؤولياتها الكاملة باعتبارها قوة احتلال، بما يشمل حماية السكان المدنيين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، والامتناع عن العقوبات الجماعية، ومنع التهجير القسري، ووقف الاستيطان، واحترام النظام القانوني القائم في الأراضي المحتلة، وهي التزامات نصت عليها اتفاقيات لاهاي وجنيف بصورة واضحة.

كما أن هذا التوصيف يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية، لأن الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف ليست مطالبة فقط باحترام الاتفاقيات، بل بضمان احترامها، وهو ما يفتح المجال للمطالبة بإجراءات عملية تتجاوز بيانات الإدانة إلى فرض تدابير تكفل حماية المدنيين الفلسطينيين ومساءلة الاحتلال عن انتهاكاته.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن إعلان فلسطين دولة تحت الاحتلال يعيد تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها قضية إنهاء احتلال وليس مجرد نزاع سياسي، ويعيد نقل الملف الفلسطيني من دائرة المفاوضات الثنائية إلى دائرة المسؤولية الدولية، حيث تصبح الأمم المتحدة والمحاكم الدولية المرجعية الأساسية لمعالجة الصراع.

كما يوفر هذا التوصيف أساساً قانونياً أقوى للتحرك أمام المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، ومجلس حقوق الإنسان، والوكالات الدولية المتخصصة، ويعزز المطالبة بمقاطعة الاستيطان وعدم الاعتراف بأي آثار قانونية تترتب على الضم أو التوسع الاستيطاني، انسجاماً مع مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة.

ويكتسب هذا الخيار أهمية مضاعفة في ضوء الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الاحتلال الإسرائيلي، والذي أكد عدم شرعية استمرار الاحتلال، وعدم قانونية الاستيطان، ووجوب إنهائه، كما أكد مسؤولية جميع الدول عن عدم الاعتراف بالأوضاع غير القانونية الناشئة عنه وعدم تقديم أي دعم يسهم في استمراره.

ولا يتعارض هذا التوجه مع مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، بل يعززها؛ إذ تبقى المنظمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بينما تمثل دولة فلسطين الشخصية القانونية الدولية التي تمارس حقوقها أمام المجتمع الدولي، الأمر الذي يحافظ على وحدة التمثيل السياسي، ويصون الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة وحق تقرير المصير.

إن التطورات الميدانية، وما تشهده الأراضي الفلسطينية من توسع استيطاني، وعمليات ضم فعلية، وسياسات تهجير قسري، تفرض مراجعة شاملة للاستراتيجية الفلسطينية. فاستمرار التعامل مع الواقع الحالي باعتباره امتداداً لاتفاق أوسلو، رغم انهياره عملياً، يمنح الاحتلال فرصة لمراكمة الوقائع على الأرض، بينما يفرض القانون الدولي رؤية مختلفة تعتبر الاحتلال حالة مؤقتة لا يجوز أن تتحول إلى نظام دائم أو إلى أداة لفرض السيادة.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستوجب إطلاق استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على إعلان فلسطين دولة تحت الاحتلال، وربط هذا الإعلان بخطة تحرك دبلوماسية وقانونية تشمل التوجه إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة للمطالبة بتوفير الحماية الدولية، وتفعيل آليات المساءلة أمام القضاء الدولي، وتوسيع دائرة الاعتراف الدولي، وتعزيز المقاطعة القانونية للاستيطان، وربط أي عملية سياسية مستقبلية بإنهاء الاحتلال وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ضمن جدول زمني واضح.

إن إعادة تعريف فلسطين باعتبارها دولة تحت الاحتلال لا تمثل مجرد تغيير في الخطاب السياسي، بل تشكل انتقالاً استراتيجياً من إدارة الأزمة إلى توظيف أدوات القانون الدولي في مواجهة الاحتلال. كما أنها تنقل عبء المسؤولية من الشعب الفلسطيني وحده إلى المجتمع الدولي، الذي لا يستطيع، قانوناً وأخلاقاً، الاستمرار في الاعتراف بدولة فلسطين من جهة، والتغاضي عن احتلال أراضيها وحرمان شعبها من ممارسة سيادته من جهة أخرى.

إن المستقبل لن تصنعه موازين القوة وحدها، وإنما أيضاً قوة القانون وفاعلية الدبلوماسية وحسن توظيف الشرعية الدولية. ولذلك فإن ترسيخ مفهوم “فلسطين دولة تحت الاحتلال” يجب أن يكون مدخلاً لاستراتيجية فلسطينية جديدة تعيد الاعتبار للقانون الدولي، وتضع الاحتلال أمام مسؤولياته، وتدفع المجتمع الدولي إلى الانتقال من مرحلة البيانات السياسية إلى مرحلة الالتزام العملي بإنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والسيادة على أرض دولته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب