فلسطين وسياسة النأي عن المحاور: حماية الكينونة الوطنية في مواجهة مخططات اليمين الإسرائيلي

فلسطين وسياسة النأي عن المحاور: حماية الكينونة الوطنية في مواجهة مخططات اليمين الإسرائيلي
بقلم رئيس التحرير
في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتسارع فيها التحالفات وتتصاعد فيها سياسة المحاور والاستقطاب، تبدو القضية الفلسطينية أمام اختبار سياسي واستراتيجي بالغ الحساسية. فالمطلوب فلسطينياً اليوم ليس الانخراط في صراعات الآخرين، بل حماية الكينونة الوطنية الفلسطينية عبر تبني سياسة واعية تقوم على النأي بالنفس عن صراعات المحاور، وتعزيز الوحدة الوطنية، والتمسك بمرجعيات الشرعية الدولية باعتبارها الأساس القانوني والسياسي للنضال الفلسطيني.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن انخراط القضايا الوطنية في صراعات المحاور الإقليمية والدولية غالباً ما يؤدي إلى تآكل استقلالية القرار الوطني وتحويل القضية إلى ورقة في صراعات الآخرين. ومن هنا فإن الحكمة السياسية تقتضي الحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني، وعدم السماح بتحويل القضية الفلسطينية إلى أداة في صراعات لا تخدم الهدف الأساسي المتمثل في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه المشروع الوطني الفلسطيني لا يكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل في الواقع الداخلي الفلسطيني الذي ما زال يعاني من تداعيات الانقسام السياسي والجغرافي. فاستمرار الانقسام يضعف القدرة على مواجهة المخططات الإسرائيلية، ويمنح حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف فرصة إضافية لفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء من خلال التوسع الاستيطاني أو تكريس سياسات الضم والتطهير الديمغرافي.
إن إنهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية لحماية المشروع الوطني الفلسطيني. فالوحدة الوطنية تمثل حجر الزاوية في تعزيز القدرة على الصمود السياسي والدبلوماسي، كما أنها تشكل رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن الشعب الفلسطيني موحد في مطالبه وحقوقه الوطنية.
وفي هذا السياق، يبقى التمسك بقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي أحد أهم عناصر القوة في الموقف الفلسطيني. فهذه القرارات، التي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تشكل الإطار القانوني الذي يفضح السياسات الإسرائيلية القائمة على فرض الأمر الواقع وتجاوز القانون الدولي.
غير أن قراءة المشهد الإقليمي تكشف أن حكومة الائتلاف اليميني الإسرائيلي المتطرف تسعى إلى استغلال حالة الاضطراب الإقليمي والانقسام الفلسطيني لتمرير مشاريعها التوسعية. فهذه الحكومة، التي تضم أكثر التيارات تطرفاً في تاريخ إسرائيل السياسي، تعمل على تكريس مشروع “إسرائيل الكبرى” عبر توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
ولا يمكن فصل هذه السياسات عن الغطاء السياسي الذي تحظى به من الإدارة الأمريكية، حيث يوفر الدعم الأمريكي لإسرائيل مظلة سياسية ودبلوماسية تسمح للحكومة الإسرائيلية بالمضي قدماً في سياساتها دون خشية من مساءلة دولية حقيقية.
وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى دور عربي أكثر فاعلية في دعم القضية الفلسطينية وتعزيز الاستقرار الإقليمي. فالقضية الفلسطينية ليست قضية فلسطينية فحسب، بل هي قضية عربية مركزية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي العربي. ومن هنا فإن المرحلة الراهنة تستدعي بلورة موقف عربي موحد يعيد الاعتبار للعمل العربي المشترك ويضع القضية الفلسطينية في صدارة الأولويات.
إن تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك وإحياء فكرة القوة العربية المشتركة يمثلان خطوة استراتيجية ضرورية لحماية الأمن القومي العربي في مواجهة التحديات المتصاعدة في المنطقة. فوجود منظومة أمنية عربية فاعلة لا يسهم فقط في حماية الدول العربية من الأخطار الخارجية، بل يعزز أيضاً القدرة الجماعية على الدفاع عن الحقوق العربية وفي مقدمتها الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
إن المرحلة الراهنة تفرض على الفلسطينيين والعرب على حد سواء إدراك حقيقة أساسية مفادها أن قوة الموقف السياسي لا تنبع فقط من عدالة القضية، بل من القدرة على بناء جبهة داخلية متماسكة وتحالفات إقليمية قادرة على حماية المصالح المشتركة.
فالوحدة الوطنية الفلسطينية، والموقف العربي الموحد، والتمسك بالشرعية الدولية، تشكل مجتمعة الركائز الأساسية لحماية الكينونة الفلسطينية وإفشال مخططات اليمين الإسرائيلي المتطرف.
وفي ظل هذه المعادلة، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الفلسطينيين على استعادة وحدتهم الوطنية، وعلى قدرة العرب على استعادة روح التضامن والعمل المشترك، بما يعيد للقضية الفلسطينية مكانتها كقضية مركزية للأمة العربية، ويمنحها القوة السياسية والاستراتيجية اللازمة لمواجهة التحديات الراهنة وصون الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وحماية أمن وسيادة الدول العربية من اي اعتداء على سيادتها وقرارها الوطني المستقل



