الصحافه

فورين أفيرز: أمريكا والصين تندفعان نحو كارثة نووية

فورين أفيرز: أمريكا والصين تندفعان نحو كارثة نووية

واشنطن: بات واضحا أن الصين تسعى إلى إنهاء النظام النووي ثنائي القطب الذي تنفرد فيه الولايات المتحدة وروسيا بامتلاك ترسانة نووية ضخمة، ليحل محله نظام ثلاثي يشمل الصين.

فوفقا للتقديرات الأمريكية الرسمية، ضاعفت بكين مخزونها من الرؤوس النووية ثلاث مرات تقريبا منذ عام غير محدد. كما عززت قدراتها على إطلاق الصواريخ النووية من البر والبحر والجو، إلى جانب توسيع بنيتها التحتية لأبحاث وتطوير وتجميع الرؤوس الحربية النووية.

في الوقت نفسه، أعلنت الصين في منتصف مارس/آذار الماضي اعتزامها تعزيز قدراتها الاستراتيجية للردع، مؤكدة التزامها بتعزيز ترسانتها النووية كما ونوعا.

ضاعفت بكين مخزونها من الرؤوس النووية ثلاث مرات تقريبا منذ عام غير محدد. كما عززت قدراتها على إطلاق الصواريخ النووية من البر والبحر والجو

واستجابة لذلك، تسعى واشنطن إلى تعزيز مخزونها، مع محاولة التفاوض مع بكين بشأن الحد من الانتشار النووي. لكن، وعلى الرغم من تزايد الضغوط الأمريكية، ترفض الصين باستمرار إجراء مفاوضات بشأن الحد من الأسلحة النووية، ويبدو أنها لا ترغب في تقييد قدراتها.

وفي تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، قال تونغ شاو، الباحث الزميل الكبير في معهد كارنيغي لأبحاث السلام الدولي، إن السبب وراء امتناع الصين عن الالتزام بأي قيود على طموحاتها النووية هو اعتقاد الحكومة الصينية أن تعزيز الردع لا يزيد المخاطر بقدر ما يزيد فرص استقرار العلاقات مع الولايات المتحدة، من خلال إجبار المسؤولين الأمريكيين على التعامل مع بكين معاملة الند، ومنع المساس بمصالحها الحيوية.

في الوقت نفسه، ومع تصرفات الإدارة الأمريكية منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أصبحت واشنطن أكثر حرصا في التعامل مع المصالح الجوهرية للصين، بما في ذلك ملف تايوان. كما أبدت اهتماما كبيرا بالحفاظ على استقرار العلاقات مع بكين، وهو ما تعتبره الأخيرة دليلا على جدوى نهجها في تعزيز قدراتها النووية، وبالتالي لا ترى سببا وجيها لتغيير مسارها.

في المقابل، يقوض رفض الصين المتكرر لمفاوضات جوهرية بشأن الحد من التسلح، والشفافية النووية الحقيقية، وتدابير بناء الثقة الأساسية، الاستقرار الدولي إلى حد كبير، حتى بمعايير بكين نفسها. فهذا الرفض يؤدي إلى خيبة أمل الولايات المتحدة، ويؤجج توسيعها لقدراتها النووية والدفاعية الصاروخية. كما أن تنامي التعاون العسكري الصيني مع روسيا، بما في ذلك في الملف النووي، يزيد من حدة القلق في أوروبا. لذلك بدأت فرنسا وبريطانيا إعادة بناء ترسانتيهما النوويتين ردا على ذلك، مما يقلل فرص الحد من التسلح متعدد الأطراف.

والنتيجة هي مشهد دولي أكثر فوضوية، يعزز اعتقاد بكين بضرورة مواصلة زيادة قدراتها النووية. ويعني هذا أن دخول بكين وواشنطن في سباق نووي منفلت قد يقود العالم نحو كارثة نووية مكتملة الأركان.

ورغم أن الخروج من هذه الدوامة النووية الدولية ليس بالأمر الهين، فإن هناك سبلًا لوضع حدود فعالة للحد من مخاطرها. وإذا استطاعت بكين وواشنطن تعزيز الشفافية بشكل أكثر واقعية بشأن القدرات النووية قصيرة المدى، باعتبارها الأقرب إلى الاستخدام في حالات الصراع الإقليمي والأكثر ترجيحا لإثارة مخاوف البدء باستخدام الأسلحة النووية، فسيكون بإمكان الدولتين نزع فتيل أكبر المخاطر في ظل تصاعد حدة التنافس النووي.

دخول بكين وواشنطن في سباق نووي منفلت قد يقود العالم نحو كارثة نووية مكتملة الأركان

والحقيقة هي أن برنامج الأسلحة النووية للصين يعد، إلى حد ما، رد فعل على تصوراتها للتهديدات التي تواجهها، وفي مقدمتها الخوف من تزايد قوة واشنطن، ما قد يشجعها على استغلال نقاط ضعف بكين الداخلية. لذا ليس من قبيل المصادفة أن الصين أكدت التزامها بتسريع توسعها النووي في أوائل عام 2021، بعد أن هاجمت إدارة ترامب الأولى نظامها السياسي خلال جائحة فيروس كورونا المستجد، ما فاقم المخاوف بشأن أمن النظام.

كما أن الهجوم الأمريكي على كل من فنزويلا وإيران خلال العام الحالي يؤكد لبكين أن واشنطن لا تزال تسعى لإسقاط الأنظمة المناوئة لها، رغم ادعاءاتها عكس ذلك. ويرى العديد من خبراء الاستراتيجية الصينيين أن التدخل الأمريكي في أي دولة يعتمد على الضعف النسبي للخصم. ونتيجة لذلك، يرى كثيرون في بكين أن تعزيز القوة العسكرية بشكل متواصل أمر بالغ الأهمية للأمن القومي.

ولا يؤدي الغموض المحيط بخطط الصين إلا إلى زيادة مخاوف الولايات المتحدة. فبكين تطور عددا كبيرا ومتزايدا من الأسلحة القادرة على حمل رؤوس نووية أو تقليدية، مثل صاروخ “دي. إف-26” الباليستي، الذي يغطي مداه معظم منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ولم تفصح الصين، ولو بشكل غير مباشر، عن عدد هذه الأنظمة المخصصة للاستخدام النووي.

لذلك، يفترض الخبراء الأمريكيون في أغلب الأحوال أن الصين تعتبر معظم هذه الصواريخ نووية، مما يؤدي إلى تقييمات موسعة لقدرات الصين النووية الإقليمية وجاهزيتها، وهو ما يعزز المخاوف بشأن احتمال لجوء الصين إلى استخدام الأسلحة النووية أولا في أي نزاع إقليمي.

ورغم هذه المخاوف، لا تزال لدى واشنطن دوافع قوية لعدم البدء باستخدام الأسلحة النووية، حتى في مواجهة التهديدات الصينية. كما أن استخدام الأسلحة النووية أولا، الذي ينطوي على تصعيد متعمد ومحفوف بالمخاطر، ليس بديلا مستداما أو موثوقا لقوة واشنطن العسكرية التقليدية عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن حلفائها وشركائها.

وبالتالي، ليس لدى واشنطن سبب يذكر للمخاطرة بدفع بكين نحو تعزيز ترسانتها النووية بشكل أوسع وأكثر تطورا. وقد حسنت الصين بالفعل قواتها النووية قصيرة المدى ذات الدقة العالية، مما يمنحها خيارات مرنة في حال نشوب نزاع نووي إقليمي محدود. لكن إذا خلص جيش التحرير الشعبي الصيني إلى أن واشنطن قد حققت مكاسب ملموسة من سعيها للهيمنة على مستويات أعلى من القدرات النووية، فقد يدفع نحو تطوير ترسانة نووية أكبر وأكثر تنوعا لمضاهاة القدرات الأمريكية في كل مستوى من مستويات التصعيد.

لذا، فإن الخيار الأكثر حكمة لواشنطن هو توجيه بكين بعيدا عن سباق نووي نحو الهاوية، من خلال تركيز التنافس بعيدا عن التسلح النووي.

في الوقت نفسه، فإن جدوى تعزيز الولايات المتحدة لترسانتها النووية تبقى موضع شك. وتشير قراءة متأنية للآراء الصينية إلى أن القدرات النووية الحالية لواشنطن لا تزال كافية لردع الصين. كما أن أي تحرك أمريكي نحو تعزيز الترسانة النووية قد يعني تقليص الموارد المالية التي يمكن استخدامها في تطوير أسلحة تقليدية أكثر أهمية وإلحاحا في معظم الصراعات.

لذا، ينبغي على الولايات المتحدة والصين اتخاذ خيارات مدروسة لوضع حدود لترساناتهما النووية وسياساتهما العملياتية، بما يصب في مصلحتهما الاستراتيجية ويحافظ على أمن واستقرار العالم.

(د ب أ)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب