
في الذكرى السادسة لتأسيس منتدى القوميين العرب: نحو استعادة المشروع القومي العربي في مواجهة تحديات الهيمنة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط
كلمة امين عام منتدى القوميين العرب الدكتور حسين السردار
تمرّ الذكرى السادسة لتأسيس منتدى القوميين العرب في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، لتضع العالم العربي أمام اختبار وجودي يتعلق بمستقبله السياسي والاقتصادي والأمني. ولم تعد هذه الذكرى مجرد محطة لاستحضار الماضي، بل تحوّلت إلى مناسبة لإعادة بناء رؤية استراتيجية تستلهم الفكر القومي، كما يتبلور اليوم في أدبيات المنتدى القومي العربي، بما يواكب تحديات المرحلة.
لقد شكّل منتدى القوميين العرب أحد أبرز الحواضن الفكرية والسياسية التي ربطت بين الوحدة العربية والتحرر الوطني، وجعلت من القضية الفلسطينية محورًا مركزيًا للصراع العربي مع المشروع الصهيوني. واليوم، وفي ظل ما تشهده المنطقة من تصاعد لمشاريع إعادة الهيكلة الجيوسياسية تحت عناوين “الشرق الأوسط الجديد”، تعود تلك المرتكزات لتفرض نفسها كمدخل لفهم الصراع الدائر، ليس فقط بوصفه نزاعًا سياسيًا، بل كصراع على الهوية والسيادة والموارد.
إن التحولات الراهنة تكشف بوضوح أن المنطقة العربية باتت ساحة مفتوحة لمشاريع الهيمنة الدولية، وفي مقدمتها المشروع الأمريكي–الصهيوني، الذي يسعى إلى إعادة رسم الخرائط السياسية والاقتصادية بما يضمن تفوق إسرائيل وإدماجها كقوة مركزية مهيمنة. ويظهر ذلك من خلال استمرار العدوان على غزة، وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، إلى جانب محاولات فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية.
في هذا السياق، يطرح فكر منتدى القوميين العرب رؤية متكاملة تقوم على أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تتم إلا من خلال إعادة بناء المشروع القومي العربي على أسس حديثة، تتجاوز الشعارات إلى آليات التنفيذ. وفي مقدمة هذه الآليات، تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك باعتبارها حجر الزاوية في بناء منظومة أمن قومي عربي قادرة على ردع التهديدات الخارجية، وإنهاء حالة الارتهان الأمني للقوى الأجنبية.
كما أن إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، والتخلص من القواعد العسكرية التي تقيد القرار العربي، يشكّل خطوة ضرورية نحو استعادة السيادة الوطنية، وبناء استقلال استراتيجي حقيقي. فلا يمكن الحديث عن مشروع عربي مستقل في ظل استمرار التبعية الأمنية والعسكرية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يبرز التكامل العربي كخيار استراتيجي لا غنى عنه. فالعالم اليوم يتجه نحو التكتلات الكبرى، فيما لا يزال الاقتصاد العربي يعاني من التشتت والتبعية. إن توظيف الثروات العربية، من النفط والغاز إلى الموارد البشرية، ضمن مشروع تنموي مشترك، من شأنه أن يحرر الاقتصاد العربي من الهيمنة الأجنبية، ويؤسس لاقتصاد إنتاجي قادر على المنافسة.
ولا يكتمل هذا المشروع دون إحداث نقلة نوعية في مجال الصناعات التكنولوجية، التي باتت تمثل جوهر القوة في العصر الحديث. فبناء قاعدة علمية وصناعية عربية متقدمة، وتوجيه الاستثمارات نحو الاقتصاد المعرفي، يشكّلان ركيزة أساسية لأي نهضة حقيقية، ويعززان من القدرة العربية على التأثير في النظام الدولي.
إن الربط بين الإرث الفكري لمنتدى القوميين العرب والرؤية المعاصرة للمنتدى يفضي إلى خلاصة استراتيجية مفادها أن الوحدة العربية لم تعد خيارًا أيديولوجيًا، بل ضرورة وجودية تفرضها معادلات الصراع الدولي. فبدون وحدة القرار السياسي، وتكامل القدرات الاقتصادية، وتنسيق السياسات الأمنية، سيبقى العالم العربي عرضة لمزيد من التفكك وإعادة الهيكلة وفق مصالح الآخرين.
وفي مواجهة مشاريع “الشرق الأوسط الجديد”، التي تسعى إلى تكريس واقع التجزئة وإعادة توزيع النفوذ، تبقى الوحدة العربية السبيل الأنجع لإفشال هذه المخططات. فالأمة العربية، بما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي وثروات هائلة، قادرة على استعادة دورها إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الموحدة.
ختامًا، فإن الذكرى السادسة لتأسيس منتدى القوميين العرب تمثل دعوة مفتوحة لإعادة إحياء المشروع القومي العربي برؤية حديثة، تستند إلى دروس الماضي وتستجيب لمتطلبات الحاضر. وهي في جوهرها دعوة لبناء نظام عربي جديد، قائم على الوحدة والسيادة والتنمية، وقادر على مواجهة تحديات الهيمنة، وصناعة مستقبل عربي أكثر قوة واستقلالًا وعدالة.




