مقالات

في اليوم العالمي للتعليم-العدوان على قطاع غزّة يسحق القطاع التعليمي والثقافي  بقلم نعمت بيان – مستشارة المرأة والطفل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو الهيئة الإدارية في منظمة المغتربين العرب في السويد.

بقلم نعمت بيان – مستشارة المرأة والطفل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو الهيئة الإدارية في منظمة المغتربين العرب في السويد.

في اليوم العالمي للتعليم-العدوان على قطاع غزّة يسحق القطاع التعليمي والثقافي
 بقلم نعمت بيان – مستشارة المرأة والطفل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو الهيئة الإدارية في منظمة المغتربين العرب في السويد.
24/1/2025
يصادف 24 كانون الثاني/يناير، يوم التعليم العالمي الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 3 كانون أول/ديسمبر 2018، والذي جاء كتعزيز وتأكيد على أهمية التعليم في تحقيق التنمية، والذي تم إقراره بإجماع 59 دولة من جميع أنحاء العالم لأهميته في القضاء على الجهل والفقر والأمية، والإرتقاء في المجتمعات وخاصة الفقيرة منها إلى مستويات راقية ومتحضرة مواكبة للعصر الحديث.
ولإن التعليم هو حق أساسي من حقوق الإنسان، حسب ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة (26) من اتفاقية حقوق الطفل، ولأن التعليم هو اللبنة الأساسية والمفتاح للتنمية، أقرّ المجتمع الدولي في أيلول/ سبتمبر 2015 تبنيه خطة التنمية لعام 2030، والتي تقول “بأن التعليم ضروري لنجاح جميع أهداف الخطة السبعة عشر، ويهدف تحديدا” الهدف الرابع إلى “ضمان توفير تعليم جيد وشامل وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع” بحلول عام 2030.
السؤال الذي يطرح نفسه ، أين هي الأمم المتحدة لما تعرّض له قطاع التعليم في فلسطين وتحديدا” في قطاع غزة على ضوء ما أعلنته المنظمات الأممية عن هذه الحق وحمايته، خاصة بعد حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها وما ومازال الكيان الصهيوني بحق أهلها على مرأى ومسمع العالم، والتدمير الممنهج لكل معالم الحياة وكل القطاعات الحيوية ومن بينها قطاع التعليم الذين دُمر بشكل كلي أو جزئي.
فمنذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 ولتاريخه شهد قطاع غزة أخطر عدوان في تاريخ فلسطين، حيث تجاوز الكيان الصهيوني بعدوانه الهمجي كل المحظورات وضرب بعرض الحائط كل المواثيق والقوانين الدولية والإنسانية وقوانين الحرب التي تقول بتجنيب المدنيين والمؤسسات من الاستهداف العسكري، إلا أن ما شهده قطاع غزة ناقض ذلك كليا”، فقد طال العدوان كافة مرافق الحياة والمؤسسات، عِدا عن الضحايا والجرحى والمفقودين التي تجاوزت أعدادهم 160000 شخص ،(بعض المصادر تشير إلى ان العدد قارب 250.000 شخص، لتزايد أعداد الشهداء يوميا” والمفقودين الذين لن يتم احصائهم بشكل دقيق) جلّهم من الأطفال والنساء، ناهيك عن تداعيات أزمة النزوح والحصار الغذائي والطبي….
إن كافة التقارير التي صدرت عن منظمات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والمحلية أبرزت هول تداعيات العدوان على غزة الذي دمر كل قطاعاته الانتاجية، ومنها القطاع التعليمي الذي تضرر بشكل كارثي. فالإحصائيات المحلية ومجمل التقارير الدولية والأممية أبرزت أرقام صادمة لحجم الأضرار في هذا القطاع. حيث تعرضت جميع المدارس والجامعات والمؤسسات التربوية لاستهداف مباشر، حيث تم تدمير بشكل كلي 123 مدرسة وجامعة، و335 جزئيا”، بالإضافة إلى استشهاد أكثر من 11 الف طالب و750 معلما” ومعلمة وإصابة 231 معلما”، واستشهاد 100 أستاذ جامعي ( 3 رؤوساء جامعات و95 عميدا” واستاذا”). حتى أماكن النزوح التي اُعتمدت لتكون بديل عن المدارس التي دُمرت، لم تسلم من الاستهدافات الصهيونية، وهذه المراكز عِدا عن أنها لا تستوفي الشروط الصحية ، تعاني من نقص حاد في الغذاء والماء، الذي يهدد صحة الطلاب النازحين وسلامتهم، حيث يتسبب سوء التغذية والأمراض المنقولة عن طريق المياه في إصابتهم بالأمراض. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن تسعة من كل عشرة أطفال دون سن الخامسة يعانون من مرضاً واحد أو أكثر من الأمراض المعدية. كما إن هذه الحرب الجهنمية حرمت الأطفال في سن الدراسة من متابعة دراستهم لمدة عام وأربعة أشهر بسبب الدمار الواسع الذي لحق بالمدارس والمنشآت التعليمية الأخرى، وتعرّض ما يقارب 93% من مدارس القطاع البالغ عددها 564 مدرسة لأضرار جسيمة حيث يتطلب 84.6% منها إعادة بناء كاملة، حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة ” اليونيسف”.
ووفقا” لوكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة “الأونروا” ، فقد عرقلت الحرب على غزة مسار تعليم 625000 طفل وطفلة وأثرت أيضا” على حياة ومعيشة 22,564 معلما” ومعلمة، ناهيك عن أن عشرات الآلاف من الأطفال الذين يعانون من صدمات نفسية حادة، يُحرمون من التعليم بعد أن تحولت مدارسهم إلى مراكز إيواء تعج بالنازحين وغير صالحة أو مؤهلة للتدريس، هذا إن لم تُستهدف بالقصف. وفي تصريح لمفوض الأونروا فيليب لازاريني عبر منصة “إكس” في 2 أيلول/سبتمبر الماضي ، قال فيه: ” إن أكثر من 70% من مدراسنا في غزة تعرضت للتدمير أو الضرر، والغالبية منها أصبحت ملاجىء مكتظة بمئات الآلاف من الأسر النازحة، مما يجعلها غير صالحة للاستخدام التعليمي”.
تجدر الإشارة إلى أن عددا” من الدول المانحة أوقفت أو قلّصت المساعدات لوكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة “الأونروا” خلال العدوان على غزة استجابة لقرار الكنيست الصهيوني بإنهاء نشاط الأونروا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي يُعتبر قرار كارثي، لأنه يضعف أو يشل بشكل كبير الإستجابة الإنسانية في غزة، مما يؤدي بدوره إلى تدهور الأوضاع المعيشية بالكامل ومنها القطاع التعليمي.وقد اعتبر المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني في تصريح له خلال مؤتمر صحافي بتاريخ 17/1/2025 عقب صدور قرار وقف إطلاق في غزة، إن ” الحكومة الإسرائيلية تدّعي أن خدمات الأونروا يُمكن أن تُنقل إلى جهات اخرى، مع إن الولاية الموكلة للوكالة (الأونروا) وقدراتها على تقديم خدمات تشبه الخدمات الحكومية لسائر السكان وتتمتع بطبيعة فريدة”. وذكر لارازيني “أن موظفي وخدمات الأونروا مرتبطون بشكل وثيق بالنسيج الاجتماعي في غزة، وان تفكيك الوكالة سيزيد من انهيار النظام الاجتماعي، ويقوض اتفاق وقف النار وتعافي غزة والانتقال السياسي، حيث أن قدرة الأونروا على تقديم التعليم والخدمات الصحية الأولية بشكل مباشر، يفوق بكثير قدرة أي جهة أخرى، لأن هذه الخدمات هي على أرض الواقع ولا يمكن أن تُنقل سوى إلى دولة عاملة أو مؤسسات عامة”. وفي الضفة الغربية أوضحت السلطات الفلسطينية أنها لا تملك الموارد المالية أو القدرات لتعويض خسارة الأونروا”.
وذكّر المفوض الأممي مجلس الأمن بحملة التضليل الدولية الشرسة ضد الأونروا، والضغط المكثف التي تمارسه حكومة إسرائيل ومنظمات غير حكومية مؤيدة لها على حكومات وبرلمانات في أكبر الدول المانحة للوكالة لوقف المساعدات لها .
توازيا”، أجمع الخبراء الأمميون على أن ” الهجمات القاسية المستمرة” على البنية التحيتة التعليمية في غزة لها تأثير مدمر طويل الأمد على حقوق السكان الأساسية في التعلم والتعبير عن أنفسهم بحرية، مما يحرم جيلا” آخر من الفلسطنيين من مستقبلهم”. ويعتبر هؤلاء الخبراء إن تضرر أو تدمير أكثر من 80% من المدارس في غزة هو متعمد لتدمير نظام التعليم الفلسطيني بشكل كامل ، وهو عمل يُعرف باسم الإبادة الجماعية، التي تدل على المحو المنهجي للتعليم من خلال اعتقال أو إحتجاز أو قتل المعلمين والطلاب والموظفين وتدمير البنية التحتية التعليمية.
ولم تكتف سلطات وجيش الإحتلال من إبادة القطاع التعليمي، بل تعمل أيضا”على محو التاريخ الفلسطيني، حيث تم تدمير 195 موقعا” تراثيا” بما في ذلك الأرشيف المركزي لغزة الذي يحتوي على 150 عاما” من التاريخ، إضافة إلى 227 مسجدا” بينهم المسجد العمري التاريخي الذي بني في القرن السابع، وثلاث كنائس ومن بينها كنيسة برفيريوس التي تُعد ثالث أقدم كنيسة في العالم. كما تضررت أو دمرت 13 مكتبة عامة، وهدم جامعة الإسراء وهي آخر جامعة متبقية في غزة. حتى المدارس التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) التي تؤوي النازحين قسرا”، لم تسلم من القصف والتي حُددت أماكنها على أنها آمنة. هذه الإعتداءات اعتبرها الخبراء الأمميون أنها حوادث غير معزولة، إنما تمثل نمطا” ممنهجا” من العنف يهدف إلى تفكيك أسس المجتمع الفلسطيني، أي عندما يتم تدمير المدارس والنطام التعليمي برمته، يتم تدمير الآمال والاحلام.
اما في الضفة الغربية ، فالقطاع التربوي والتعليمي ليس بحال أفضل، فحسب تقرير صدر عن مجموعة التعليم الدولية ( وهي عبارة عن مجموعة منظمات ووكالات دولية تسعى لتلبية احتياجات التعليم أثناء الأزمات الإنسانية)، فإن قطاع التعليم في الضفة الغربية لم يسلم من الاستهدافات الصهيونية ومن عنف المستوطنين، من خلال تدمير المرافق التعليمية واستهداف المعلمين والطلاب إن كان بالقتل أو بالإعتقال أو تقييد الحركة.
هذه الإنتهاكات الفظيعة التي يمارسها الإحتلال الصهيوني تدل على انه من خلال استهدافه للقطاع التعليمي، إن كان بالآلة العسكرية التدميرية، أو من خلال تزوير وتغيير في المناهج التعليمية والتربوية وتدمير المعالم التاريخية لفلسطين ، يهدف إلى محو التاريخ والسردية الفلسطينية من الذاكرة وتكريس السردية اليهودية-الصهونية التي تلغي حق الشعب الفلسطين بأرضه وهويته. فدولة فلسطين التي تُعتبر واحدة من الدول التي لديها أدنى مستوى لمعدلات الأمية عربيا” وعالميا”، حيث سجل الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني أن نسبة الأمية هي 2.1% بين الأفراد الذين تبلغ اعمارهم 15 سنة وأكثر في عام 2023، يريد الإحتلال تغيير هذه النسبة وتعميم حال الجهل والتخلف من خلال استهدافه المؤسسات التعليمية والثقافية الفلسطينية، لكن الشعب الفلسطيني الجبار الذي سطّر ملاحم بطولية في الصمود، أكبر وأقوى من هذه المحاولات، ، لأنه أثبت للعالم ثباته وتشبثه بحقه وتصديه بصبر وعناد لكل محاولات الإحتلال طمس تاريخه ومحو هويته العربية.
اليوم وبعد الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي تم الإعلان عنه في 17/1/2025، يؤمل أن تلتزم دولة الاحتلال بهذا الاتفاق لإعادة إعمار ما دُمر، خاصة في قطاع التعليم، من خلال إعادة بناء وترميم المدارس والجامعات وكامل المؤسسات التعليمية الأخرى، وأن يخضع العدو للمساءلة والمحاسبة لانتهاكاته الجسيمة للقانون الدولي خلال العدوان على غزة ، وحرب الابادة الجماعية وتدميره لكافة معالم الحياة والقطاعات ومن بينها تدمير المدارس والجامعات واستهدافه الاكاديميين والمعلمين والطلاب على حد سواء، والأهم من ذلك، منع تطبيق تشريع الكنيست الاسرائيلي المتعلق بانهاء نشاط ” الأونروا”، لما تقدمه من خدمات على كافة الصعد. والوكالة قد أعلنت عن عزمها لإستئناف العلمية التعليمية لطلبتها في قطاع غزة المنكوب من خلال خطة عمل تبدأ من مطلع عام 2025 تُنفذ على مراحل كخطوة اولية لحين عودة الحياة الطبيعية لقطاع غزة.
في المحصلة ، إن غزّة اليوم، وبعد عام وأربعة أشهر على حرب الإبادة الجماعية وما ألمّ بها من خسائر بشرية ومادية هائلة، وجرائم وانتهاكات يندى لها الجبين، بحاجة للململة جراحها، و إن إعادة إعمار القطاع المنكوب أمام تحديات جمّة، لأن إعادة الإعمار ليس متعلق فقط بإعادة بناء الحجر، بل هو مسار طويل من عملية البناء الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والصحي والنفسي الذي يتطلب تعاونا” دوليا” مكثفا” عبر تجنيد المنظمات الدولية والعربية والجهات المانحة لإعادة بناء ما تهدم، واعداد وتنفيذ خطط واستراتيجيات فعالة لإعادة تفعيل كل القطاعات وأهمها القطاع التعليمي لإعادة الحياة الطبيعية والأمل إلى القطاع وسكانه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب