في انفصال وتكامل وقف حرب الإبادة والدولة الفلسطينية

في انفصال وتكامل وقف حرب الإبادة والدولة الفلسطينية
سليمان أبو ارشيد
إن تحريك سفن حربية أوروبية باتجاه “أسطول الصمود” في البحر المتوسط هو تحدٍّ للعربدة الإسرائيلية واستباحة إسرائيل للقانون الدولي وانتهاكها لحرية الملاحة، وهو بمثابة توفير غلاف من الحماية لسفن الأسطول والمتضامنين الذين على متنها…
إذا ما تُرجمت التصريحات الإيطالية/الإسبانية المتعلقة بإرسال سفن حربية لحماية “أسطول الصمود” لكسر الحصار عن غزة، والذي يضم 50 سفينة تحمل على متنها مواد إغاثة ومتضامنين من 45 دولة بينها إيطاليا وإسبانيا، فإن ذلك يعني انتقال دول أوروبية وازنة، للمرّة الأولى، من القول إلى الفعل، ومن التصريح والإدانة إلى التصدي العملي للانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي ومجابهة قرصنتها واعتداءاتها على السفن المدنية في عرض البحر، وهو ما يُمثّل نقلة نوعية في الموقف الأوروبي تجاه إسرائيل وحرب الإبادة التي تخوضها في قطاع غزة.
رئيس الحكومة الإسبانية، فيدرو سانشيز، الذي اتخذ مؤخرًا سلسلة قرارات جريئة في هذا السياق، بينها وقف صفقات السلاح الإسرائيلية، قال في تصريح له من نيويورك عقب تكرار اعتداءات مسيّرات إسرائيلية على سفن الإغاثة التابعة للأسطول: “إن بلاده مُصرة على ضمان احترام القانون الدولي وحرية مواطنيها بالإبحار في البحر الأبيض المتوسط بأمان”.
وبصرف النظر عمّا إذا كان الغرض من إرسال السفن الإيطالية والإسبانية الحربية هو إنقاذ مواطني هاتين الدولتين في حال تعرّض سفنهم لاعتداء إسرائيلي أو إحباط هكذا اعتداء، فإن تحريك سفن حربية أوروبية باتجاه “أسطول الصمود” في البحر المتوسط هو تحدٍّ للعربدة الإسرائيلية واستباحة إسرائيل للقانون الدولي وانتهاكها لحرية الملاحة، وهو بمثابة توفير غلاف من الحماية لسفن الأسطول والمتضامنين الذين على متنها.
وتقود إسبانيا موقفًا أوروبيًا أكثر تقدّمًا تجاه القضية الفلسطينية وفي مواجهة حرب الإبادة التي تخوضها إسرائيل على غزة، وكانت في طليعة الدول التي قادت الحملة الأوروبية المتجددة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، والتي جاءت مبادرة الرئيس الفرنسي ماكرون الأخيرة في سياقها، علمًا أن المبادرة الفرنسية تبدو منفصلة عن اتخاذ موقف حازم تجاه حرب الإبادة، تعززه خطوات عقابية صارمة ضد إسرائيل، بل يظهر لأول وهلة وكأنها تعويض عن قصور فرنسي في هذا الصدد.
من هنا نشأت، على ما يبدو، المفاضلة بين الاعتراف بالدولة الفلسطينية وبين وقف حرب الإبادة الجارية في غزة، في حين أن الطبيعي هو أن يتكامل الموقفان. لكن كي يحدث ذلك، كان على مؤتمر نيويورك الذي قاده ماكرون في الأمم المتحدة أن يُبدي موقفًا حازمًا تجاه إسرائيل، ويطرح مطلب وقف حرب الإبادة التي تشنها على غزة بقوة، باعتبارها شرطًا أساسيًا لأي حديث عن الدولة الفلسطينية. إذ من غير المعقول الحديث عن الاعتراف بدولة فلسطينية والتغاضي أو عدم التعاطي بجدية وحزم مع أفعال إسرائيل التي تقوّض أي إمكانية لإقامة مثل هذه الدولة على الأرض، عبر عمليات الإبادة والتهجير في غزة وتقطيع أوصال الجغرافية الفلسطينية في الضفة الغربية.
لقد صدق جدعون ليفي عندما كتب: “إنه في اليوم الذي احتفل فيه الرئيس الفرنسي بنصر دبلوماسي (مؤتمر حل الدولتين) فإن الدولة الفلسطينية تبدو أبعد من أي وقت مضى”، مشيرًا، للتدليل على مدى انفصال حلم الدولة عن الواقع على الأرض، إلى عدم السماح لرئيس الدولة العتيدة، محمود عباس، بالوصول إلى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك، التي تبحث شأن دولته، عبر خرق أميركي فاضح للاتفاق مع الأمم المتحدة.
وفي وقت كان فيه المطلوب رقم واحد لمحكمة الجنايات الدولية، بنيامين نتنياهو، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، يتأنّق استعدادًا لسفره إلى تلك الهيئة، كما يقول ليفي، كان رئيس الدولة التي يعترف بها كل العالم تقريبًا، يشاهد الاجتماع من على شاشة عن بُعد… هذا ناهيك عن أن الاعتراف لم يُنقذ طفلًا واحدًا من الموت في غزة.
ويبدو ليفي أكثر صدقًا، والصورة أكثر قتامة، ليس في ضوء الحقائق على الأرض فقط، بل أيضًا في ظل الإجماع الإسرائيلي غير المسبوق الرافض لحل الدولتين ولإقامة دولة فلسطينية، وهو الموقف الذي تجمع عليه الأحزاب الإسرائيلية من يمينها إلى يسارها المزعوم. حيث كان لافتًا موقف يائير جولان، زعيم حزب “الديمقراطيين” (حزب العمل سابقًا)، الذي اعتبر الحديث عن دولة فلسطينية في هذا الوقت مدمّرًا لإسرائيل، داعيًا إلى ما أسماه “انفصالًا مدنيًا” عن الفلسطينيين مع الإبقاء على المسؤولية الأمنية الإسرائيلية.
والحال كذلك، فنحن أمام هيمنتين: الأولى هي هيمنة الموقف الأميركي، الذي تقوده إدارة محكومة من قبل اليمين المتطرّف والإنجيليين، والتي تبدو معها المبادرة الفرنسية بقيادة ماكرون مجرد شكل من أشكال الضريبة الكلامية والنفاق. والهيمنة الثانية هي هيمنة اليمين الديني الاستيطاني على القرار السياسي في إسرائيل، والتي تبدو المعارضة الإسرائيلية في ظلها خائفة، عاجزة ومستسلمة.



