منوعات

في زمن الحرب… الحبّ هو الناجي الأخير

في زمن الحرب… الحبّ هو الناجي الأخير

مريم مشتاوي

في بيروت في ذلك الصباح، الذي لم يكن صباحاً، حين كانت السماء ما تزال تتذكّر دويّها، وقبل أن يعلن العالم هدنة مؤقّتة كأنها استراحة بين جملتين من الألم، كانت القطة تقف عند حافة الركام… كانت تعرف أن أطفالها داخل هذا الخراب.
تعرف أن الأرض التي كانت بيتاً بالأمس، صارت الآن فماً مفتوحاً على الغياب، وأن داخل هذا الفم تختبئ أصوات صغيرة، ترتجف، وتقاوم أن تختفي. كان الغبار يملأ الهواء، كأن المدينة كلّها صارت ذاكرة مسحوقة، ومع ذلك، كانت تسمع. تسمع ما لا يسمعه أحد… تسمع مواء خافتاً.
هكذا تقدّمت، لم تكن خطواتها ثابتة، فالأرض لم تعد أرضاً، إنما طبقات من حجر مكسور، وأشياء فقدت أسماءها. دفعت بكتفها قطعة إسمنت، أكبر من جسدها، فاهتزّت قليلًا، ثم عادت لتستقرّ بثقل يذكّرها بأن العالم يمكن أن يكون قاسياً إلى هذا الحد. لكنها لم تتراجع. لم تكن تملك رفاهية التراجع.
حفرت بمخالبها. لم تكن تحفر في التراب فقط، إنما في الزمن، في اللحظة التي سبقت الانفجار، في الدفء الذي كان، في صوتهم وهم يتلاصقون حولها. كل حركة كانت وجعاً وكل ثانية كانت احتمالًا للفقد، لكنها كانت تتحرّك كما تتحرك الأمومة، بلا حساب، بلا خوف، بلا انتظار.
في عمق العتمة، جاءها الرد. مواء ضعيف، كأنه آخر ما تبقّى من الصوت. لكنه كان كافياً. كافياً ليعيد ترتيب قلبها، أدخلت رأسها في فتحة ضيّقة، نادتهم بصوت لا يسمعه أحد سواهم، صوت تعرّفوا إليه منذ كانوا مجرّد نبض في داخلها.
بدأت تسحب، ببطء، بحذر، كأنها تنتشل الضوء من بين شقوق الليل. خرج أولهم، مغطّى بالغبار، عيونه نصف مغلقة، لكن جسده يعرف طريقه إلى أمّه. لحسته بسرعة، كما لو أنها تريد أن تعيده إلى نفسه، أن تمسح عنه الحرب، ولو للحظة. ضمّته، وضعته جانبًا، في مكان أقلّ قسوة، أقلّ برودة، وإن كان الأمان في تلك اللحظة كلمة خجولة.
لكنها لم تتوقّف. عادت، دفعت الحجر مجدداً، حفرت أكثر، زحفت بين الفراغات، صارت أصغر من جسدها، أكبر من خوفها. الدم اختلط بالغبار، لكنها لم تنتبه. الألم كان تفصيلًا صغيراً في معركة أكبر من الجسد.
في الخارج، كان العالم يتهيّأ لالتقاط أنفاسه. أخبار، بيانات، كلمات عن هدنة مؤقّتة.
أما هنا، فكانت هدنة من نوع آخر، هدنة بين الموت والحياة، تدار بمخلب صغير وقلب لا يعرف كيف يستسلم.
أخرجت الثاني، ثم الثالث. كل واحد كان عودة من حافة الغياب. كل واحد كان إعلاناً صغيراً بأن الحياة لا تنتظر القرارات الكبرى لتستمرّ. كانت تنقذهم واحداً واحداً، حين هدأت قليلًا، جلست قربهم.
أجسادهم الصغيرة تتلاصق، تبحث عن الدفء الذي تعرفه، عن صوت قلبها الذي لم يتغيّر رغم كل شيء، رفعت رأسها نحو السماء.
لم تطلب شيئاً. في ذلك اليوم، كتب درس لا يحتاج إلى لغة، فالحرب، مهما كانت عنيفة، لا تستطيع أن تطفئ الأمومة. أن الحب، حين يكون أماً، لا ينتظر هدنة.
وأن الحياة، حتى وهي محاصرة، تعرف كيف تجد طريقها، عبر قلب صغير، يرفض أن يتخلّى.

حين تقضم الحرب تفاصيل الفرح

في الخيمة التي لا تشبه البيوت، في المكان الذي صار سقفه قماشاً رقيقاً يترجّف مع كل نفس، كانت أماني ترتّب فرحها، كما لو أنها تحاول أن تقنع الحياة بأن تأتي، ولو متأخرة، ولو خجولة، ولو مكسورة. لم يكن الفرح كاملاً، ولا نظيفاً، ولا حتى واضح الملامح. كان فرحاً مؤجلًا، مبللًا بالخوف، ومطعوناً بتفاصيل مؤلمة. قالوا لها: «بعد عشرة أيام سيكون يومك.» فابتسمت. لكنها لم تسأل نفسها: أي يوم؟ أي بيت؟ أي مرآة سترى فيها نفسها عروساً؟ كانت تعرف أن الحرب لا تعطيك إجابات، بل تعطيك أشياء ناقصة، وتتركك تكملها وحدك.
جلست أماني على الأرض، لا على كرسي مزيّن، ولا أمام طاولة زفاف، إنما فوق ذاكرة مفروشة على شكل ملابس. كانت تقلب قطعاً من جهازها، كل قطعة كانت حكاية، وكل حكاية كانت جرحاً صغيراً. رفعت ذلك القماش الأخضر. كان يوماً ما فستاناً ينتظر أن يلبس في لحظة خاصّة. كان ناعماً هادئ اللون، جميلاً. لكن الآن أصبح مثقوباً. ثقوب صغيرة، غير مرتبة، كأن شيئاً مرّ من هنا، ولم يكتفِ بالمرور، بل أراد أن يترك أثره. قالت بصوتٍ مكسور: شوفوا شو عملت فيا، لم تكن تتحدث عن القماش فقط، كانت تتكلم عن نفسها.
الأم، تلك التي تعرف كيف تخبّئ وجعها في زاوية صوتها، حملت حقيبة سوداء. كانت تفتحها ببطء، كما لو أنها تخاف أن يخرج منها شيء أكثر من الذكريات. أخرجت قطعة، ثم أخرى، ثم توقّفت. لم تكن تحتاج أن تقول الكثير. كل شيء كان واضحًا: القوارض لم تأكل القماش فقط، بل مرّت على الفرح نفسه، وقضمت أطرافه. قالت: «جهازها خرب، أغلبه أكلوا الفئران». قالتها ببساطة موجعة، كأنها تتحدث عن شيء عادي، بينما الحقيقة أن ما خرب لم يكن جهازاً فقط إنما لحظة كانت تحلم بها منذ الطفولة.
أماني لم تبكِ كثيراً. وهذا أكثر ما يخيف. حين لا تبكي الفتاة على فستانها، اعرف أن البكاء صار أعمق من أن يظهر. كانت تنظر إلى القطع، كجزء من صورة كانت ترسمها لنفسها: عروس، بفستان، ببيت، ببداية نظيفة. لكن ماذا تفعل حين تسرق البدايات؟ هل تعيد رسمها؟ أم تمشي كما هي، بثقوبها؟
في الخيمة، كانت الحياة تحاول أن تكون طبيعية. امرأة تطوي قطعة قماش. أخرى تنفض غباراً غير مرئي. طفلة تراقب بصمت. لكن كل شيء يؤكد أن هذا ليس مكانًا للأعراس. ومع ذلك، كانت أماني تصرّ. تجمع ما تبقى. تعدّل ما يمكن تعديله. تنظر إلى الثقوب… في مكان ما، كان هناك بيت هدم. ليس بعيداً، بل قريب جدًا من هذه الخيمة. بيت كان يمكن أن يحتوي هذا الفرح، أن يعلّق الفستان على باب غرفة، أن يضع المرآة في الزاوية، أن يستقبل العروس كما يجب. لكن البيت صار ذكرى، والذكرى لا تعلّق عليها الفساتين.
«عروسة وعريس من دون جهاز…»! قالتها الأم، وكأنها تعتذر للعالم، أو ربما لنفسها. لكن الحقيقة أن العروس لا تقاس بجهازها، ولا الفرح يقاس بكماله.
أماني ستتزوج. ليس رغم الحرب، بل داخلها. ستلبس ما تبقى، ستضحك قليلاً، ستحاول أن تسرق لحظة من قلب هذا الخراب. ربما لن يكون هناك فستان مثالي، ولا بيت جاهز، ولا بداية مرتّبة. لكن سيكون هناك قلب، ما زال يؤمن أن الحياة تستحق.
في تلك الخيمة، لم تكن القصة عن فئران أكلت القماش. كانت القصة عن شيء أكبر…عن كيف يمكن للحرب أن تدخل حتى إلى أدق تفاصيل الفرح، إلى الملابس، إلى الحقائب، إلى الأحلام الصغيرة. لكنها كانت أيضاً قصة مقاومة، مقاومة فتاة، تقرر أن تكون عروساً، حتى لو كان فستانها مثقوباً.
لأن الحقيقة، التي لا يفهمها كثيرون، أن الفرح ليس أن يكون كل شيء كاملاً. هي اختارت أن تفرح، رغم كل شيء.

كاتبة لبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب