
في ليالي الشتاء الطويلة
بقلم عبدالله المنشاوي
في ليالي الشتاء الطويلة
حين ينام الحيّ مبكّرًا،
وتغفو الأضواء في شوارع المخيّم،
كانت أمي – رحمها الله – تجمعنا حولها،
تغزل لنا من سكون الليل حكاياتٍ تمشي على أطراف الخوف،
وتهمس بصوتٍ متعبٍ لكنه دافئ:
“احذروا أبا رجلٍ مسلوخة…”
فنسكت جميعًا،
تتسع أعيننا كأنها قناديل في عتمة المساء،
تختلط أنفاسنا بصوتها،
فنرى في خيالنا وجهه،
ونسمع وقع خطواته على بلاط الحارة القديمة،
تقترب، ثم تبتعد،
ثم تعود لتختبئ خلف جدار الليل…
كنا نخاف حتى من ظلّنا،
ونتحاشى النظر إلى الزوايا،
كأن في كل ركنٍ سرًّا غامضًا يسكنه،
فلا نخرج من البيت بعد الغروب،
ولا نجرؤ أن نطلّ من النافذة،
نظن أن الريح إذا صرخت فهو غاضب،
وإذا سكتت فهي تراقب.
ورغم الخوف، كنا نحب تلك الليالي،
لأنها كانت تحمل دفءَ الأم،
وصوتها الذي يشبه الدعاء في آخر الليل،
وحكايتها التي تزرع الرهبة في قلوبنا،
لكنها تزرع معها الأمان،
كأنها تقول لنا من وراء القصة:
“لا تخافوا، ما دمتم بقربي.”
رحمكِ الله يا أمي،
كم كنتِ تصنعين من الخوف حبًّا،
ومن الظلام دفئًا،
ومن الحكاية مأوىً لطفولتنا الهاربة من الزمن.
مع تحيات عبدالله المنشاوي ابو عمر



