في ما وراء استهداف صنعاء «المخا»: هكذا تحوّل الميناء إلى ثكنة عسكرية

في ما وراء استهداف صنعاء «المخا»: هكذا تحوّل الميناء إلى ثكنة عسكرية
يكشف الجدل حول استهداف ميناء المخا عن تعقيدات عسكرة المدينة وتحولاتها، في ظل انتقال النفوذ فيها من الإمارات إلى السعودية، وما يكتسبه موقعها قرب باب المندب من أهمية استراتيجية في الصراع على البحر الأحمر.
عرضت قناة «العربية» السعودية، ليل أمس، مشاهد للدمار في أكثر من موقع في مدينة «المخا» الساحلية غربي تعز، وخصوصاً في محيط الميناء، الذي تعرّض، وفق ما أوردته مصادر وتقارير متداولة، خلال الأيام السابقة، لاستهدافات بالصواريخ والطائرات المسيّرة من قِبل قوات صنعاء. وجاء ذلك في إطار محاولة وسائل الإعلام الخليجية واليمنية التابعة لحكومة عدن، تقديم تلك الاستهدافات باعتبارها اعتداءً على منشأة مدنية وميناء تجاري، متجاهلةً واقعاً كانت وثّقته وسائل إعلام خليجية أيضاً في تقارير سابقة. إذ سبق لقناة «الجزيرة» أن نشرت، في أكثر من مناسبة، تقارير مصوّرة عن طبيعة الاستخدام العسكري لميناء «المخا»، واصفةً الأخير بأنه تحوَّل إلى ما يشبه «ثكنة عسكرية»، ومتحدّثةً عن حشد أرتال من المعدّات العسكرية فيه، وإقامة مخازن للسلاح داخله، فضلاً عن استخدامه لنقل الإمدادات العسكرية واللوجستية إلى القوات الموجودة في الساحل الغربي، وعلى رأسها الفصائل التابعة لطارق صالح. وسبق للقناة نفسها أن بثّت تقارير، في أوقات متفاوتة، أظهرت فيها، استناداً إلى صور قالت إنها خاصة بها، تحويل المنشأة ومحيطها إلى منطقة عسكرية مغلقة، تضمّ قوات ومباني ومنشآت عسكرية.
والواقع أن استهداف «المخا» ومينائها لا يمكن فصله عن مسار طويل من عسكرة المدينة -وضَع الأخيرة في دائرة أيّ تصعيد مستقبلي-، بدءاً من مرحلة توسّع النفوذ الإماراتي خلال السنوات الماضية، وصولاً إلى مرحلة انحسار هذا النفوذ لمصلحة السعودية حالياً. وكانت «المخا» تحوّلت، خلال السنوات الماضية، إلى نقطة ارتكاز للقوات الموالية للإمارات، خصوصاً مجموعات طارق صالح، في الساحل الغربي، غير أنها بدأت تشهد تغييرات لافتة منذ مطلع العام، في ظلّ تراجع الدور الإماراتي المباشر، وأخْذ السعودية على عاتقها مهمّة إعادة تنظيم القوات التابعة لحكومة عدن، بما فيها تلك الموجودة في «المخا».
ما يجري في «المخا» وثيق الصلة بالصراع الأوسع على البحر الأحمر وباب المندب
وفي هذا السياق، تداول ناشطون، أخيراً، مقاطع مصوّرة قالوا إنها توثّق وجود وفد سعودي في المدينة، في أثناء قيامه بأعمال الحصر والتدقيق وتسجيل البصمات لعناصر ما يُعرف بـ«قوات المقاومة الوطنية»، وذلك بحضور قائدها طارق صالح. وأثارت هذه المشاهد جدلاً واسعاً بين الناشطين، الذين رأى بعضهم فيها انتقاصاً من المكانة التي كانت تتمتّع بها تلك القوات، ورسالة واضحة بشأن طبيعة التحوّلات الجارية في موازين النفوذ في الساحل الغربي، لمصلحة الجانب السعودي. والظاهر أن المملكة أرادت من ظهور وفدها في «المخا» بالصورة المشار إليها، تأكيد وجود عملية إعادة هيكلة شاملة تحت مظلّتها، من شأنها إعادة الاعتبار إلى مؤسسات ما يسمّى «الشرعية» و«مجلس القيادة الرئاسي».
هنا، تَبرز أهمية موقع طارق صالح داخل هذه المعادلة؛ فالرجل، رغم ارتباط قواته تاريخياً بالدعم الإماراتي، لا يزال عضواً في «المجلس الرئاسي»، لكنه ظهر خلال الأشهر الأخيرة في إطار التنسيق مع المؤسسات المدعومة سعودياً، في حين شهدت «المخا» نفسها فعاليات ومشاريع بدعم من المملكة. وتكمن الأهمية الاستراتيجية للمدينة، قبل كلّ شيء، في موقعها الجغرافي الحسّاس، فهي تقع على مقربة من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرّات البحرية في العالم، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، كما أنها تمتلك ميناءً وموقعاً ساحلياً متقدّماً، وهو ما يجعلها ذات أهمية عسكرية ولوجستية كبيرة، ويفسّر اهتمام القوى المتنافسة بفرض نفوذها عليها. ومن هنا، وإذ لا يبدو ما يجري في «المخا» معزولاً عن الصراع الأوسع على البحر الأحمر وباب المندب، فإن كلّ تغيير في طبيعة السيطرة على المدينة ومنشآتها، ينعكس بالضرورة على توازنات الساحل الغربي، ويمنح الطرف المسيطر عليها ورقة إضافية.





