قانونيون: إسرائيل كررت في إيران أخطاءها التي ارتكبتها في غزة وقادتها إلى “لاهاي”

قانونيون: إسرائيل كررت في إيران أخطاءها التي ارتكبتها في غزة وقادتها إلى “لاهاي”
ينيف كوفوفيتش وحن معنيت
بدت الحرب مع إيران مختلفة جداً عن معارك إسرائيل خلال العقود الأخيرة، لا بسبب الأضرار الكبيرة في الجبهة الداخلية والهجمات من مسافة مئات أو حتى آلاف الكيلومترات عن حدودها؛ فمقابل القتال مع حماس وحزب الله والحوثيين، فهذه المرة تحارب إسرائيل دولة سيادية، لها حدود وجيش وفصل واضح بين البنى التحتية المدنية والعسكرية. “الأمر الذي يحول القضايا القانونية المعقدة التي واجهناها في غزة ولبنان إلى بسيطة أكثر للطرفين”، وأضاف مصدر قانوني – أمني: “في مهاجمة قواعد وأهداف عسكرية، فإن قضية غير المشاركين غير موجودة؛ لأن المدنيين غير موجودين فيها”.
لكن في الوقت الذي يتحدث الجيش بمفهوم أسود – أبيض، يطرح خبراء في القانون الدولي موقفاً أكثر تعقيداً، وقد تم التعبير عنه عندما تلتقي النظرية مع الواقع. هذا ما حدث في الأسبوع الماضي عندما هاجمت إسرائيل مقر هيئة البث في طهران. “قناة تلفزيونية، حتى لو كانت تبث دعاية تحريضية، لا تعتبر هدفاً عسكرياً”، قال البروفيسور الياف ليبليخ من جامعة تل أبيب.
وقد أشار ليبليخ إلى وجود “وسائل إعلام في إسرائيل تبث دعاية تحريضية”. وحسب أقواله، فإن الهجوم قد يعتبر مسموحاً به حال استخدام قناة التلفزيون بصورة عسكرية. “الموضوع لغوي، رغم قول الجيش باستخدام عسكري كهذا، أشار وزير الدفاع ورئيس الحكومة والمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي أن سبب الهجوم هو البث الدعائي. حسب رأيي، هذا يثير الكثير من الشك بخصوص قانونية هذا الهجوم”.
شكوك مشابهة ثارت أيضاً في الساحة الدولية، التي وجهت الانتقادات في هذا السياق. الدكتورة تمار مجيدو، محاضرة في القانون الدولي في الجامعة العبرية، أوضحت بأن السياق حاسم. وحسب قولها، حتى لو استخدمت وسائل الإعلام بالفعل لهدف عسكري، فهو شرط قد يكون مسموحاً به. وثمة شرط آخر يسري هنا، وهو أن “الضرر الذي سيلحق بالمديين يجب ألا يكون مبالغاً فيه بالنسبة للتفوق العسكري المباشر والملموس الذي ينتج عن ذلك، وأنه تم اتخاذ وسائل الحذر لتقليص هذا الضرر”.
دوافع تقليص الإضرار بالمدنيين، غير غريبة عن جهاز الأمن. في العمليات والحروب كلها منذ 1973 وقفت إسرائيل أمام تنظيمات إرهابية لا تعترف بالقانون الدولي أو قوانين الحرب أو قوانين استخدام القوة بين الدول. هذه التنظيمات، كما قالت “القدس”، تقوم ببناء بنى تحتية عسكرية لها في محيط مدني مثل المستشفيات، والمدارس أو مناطق مأهولة حساسة، ما يصعب مهاجمة المسلحين وإلحاق أدنى ضرر بالأشخاص غير المشاركين. ولكن الآن حيث تقف دولة أمامنا، تقول مصادر قانونية أمنية رفيعة، فإن قوانين الحرب تحول حدود الساحة إلى حدود أكثر وضوحاً. ولكن حتى لو حظيت الأقوال العامة بدعم واسع نسبياً، فسنتعمق في التفاصيل لكشف عدد غير قليل من المناطق الرمادية فيها، مثلاً القواعد العسكرية. في إسرائيل، وفي دول كثيرة أخرى، تقام منشآت عسكرية مهمة في المراكز السكانية. فوزارة الدفاع في تل أبيب، وتل هشومير في رمات غان، وقواعد الاستخبارات التي تنتشر في المركز، هي أمثلة ملموسة للأهداف الإيرانية التي تعتبر مشروعة في زمن الحرب. في الوقت الذي تطلق فيه إيران الصواريخ على مثل هذه القواعد، يمكنها تقديم تفسير لذلك حتى لو أصيب مدنيون. مع ذلك، سريان هذا الادعاء ربما يكون محدوداً؛ فكلما ازداد سقوط الصواريخ في الأحياء السكنية، وبالتأكيد الأحياء البعيدة عن القواعد العسكرية، فستجد طهران صعوبة في الدفاع عن هجماتها وستضطر لإثبات أنها لا تهاجم المدنيين بشكل متعمد.
هذا الأمر صحيح بشكل معاكس أيضاً. لذلك، تقول مصادر أمنية، قبل مهاجمة بنية تحتية عسكرية بين السكان، ينشر الجيش الإسرائيلي تحذيرات موجهة للمدنيين الموجودين حول الهدف، كما فعل في قطاع غزة ولبنان. ولكن يمكن طرح أسئلة أخرى هنا حول هوية الأهداف ودرجة مشروعية هذه الأهداف. منذ بداية الحرب، اغتال الجيش الإسرائيلي القيادة العليا في إيران، وأصاب عدداً من المهندسين الذين ترأسوا المشروع النووي. ولكنها مجموعات غير متشابهة.
“أثناء المواجهة المسلحة، ليس مسموحاً إلا مهاجمة أعضاء في القوات المسلحة، أي جنود، أو أعضاء في منظمات مسلحة”، قال البروفيسور ليبليخ. “بخصوص المدنيين، لا يسمح بمهاجمتهم إلا إذا كانوا مشاركين بشكل مباشر في العمليات العدائية في الوقت نفسه. بشكل عام، العمل على تطوير السلاح بحد ذاته لا يعتبر مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية”. يقدر ليبليخ بأن لدى إسرائيل تفسيرات قانونية، التي تعتقد بأنه أمر مسموح في ظروف معينة. ولكنه لا يعتقد أن هذا الموقف مقبول بشكل واسع. عملياً، هو موقف يعرض العلماء والمؤسسات الأكاديمية لدينا للخطر”.
ليست إسرائيل وإيران أعضاء في ميثاق روما، الذي يحدد من سيكون عضواً ويخضع لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي، لذلك يبدو أن هذه المحكمة لن تكون في الصورة هذه المرة. مع ذلك، الدول تستطيع تطبيق صلاحية قضاء عالمية على خروقات القانون، حتى لو لم توقع هذه الدول على ميثاق روما. يشار إلى أن الدعم الأمريكي المطلق للهجمات في إيران والتعاون بين الدولتين، قد يزيلان خوف إسرائيل من فرض عقوبات من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
لكن حتى قبل الهجمات الأمريكية، وبسبب الحذر، الأربعاء الماضي – اليوم الخامس لعملية “شعب كالأسد” – ربما أرسلت إسرائيل رسالة حملها وزير الخارجية جدعون ساعر إلى مجلس الأمن بررت فيها الهجوم على إيران. كتب في السطر الأخير أن العملية الحالية جزء من الصراع المسلح المستمر بين إسرائيل وإيران، بواسطة حماس وحزب الله، وأنه بدأ في ظل خطر السلاح النووي الذي هو في يد طهران، وليس حرب جديدة.
الدكتور غيل عاد نوعام، نائب المستشارة القانونية للحكومة في القانون الدولي، برر موقف إسرائيل في شبكة “اكس” وأوضح بأن إيران كانت مشاركة بشكل مباشر وغير مباشر في الصراع المسلح مع إسرائيل، بواسطة وكلائها في الشرق الأوسط. “ذروة من ذروات النزاع المستمر الأخيرة كانت هجمات الصواريخ والمسيرات الإيرانية على إسرائيل في نيسان وتشرين الأول 2024، التي كانت بنظرة تاريخية غير مسبوقة في نطاقها”، كتب وأضاف. “كجزء من هذا النزاع المتواصل، وقفت إسرائيل أمام تهديد وجودي قريب، في الوقت الذي عبرت فيه إيران عن نيتها وبحثت عن الوسائل لتحقيقها”.
حسب أقوال البروفيسور ليبليخ فإن الصورة هنا أكثر تعقيداً. حسب قوله، رغم أن إسرائيل تعتبر الهجوم في إيران مفهوماً بحد ذاته، فإن هذا الهجوم يثير الخلافات لدى المجتمع الدولي. “بشكل عام، مسموح للدولة الدفاع عن نفسها عند حدوث هجوم مسلح”.
ليبليخ يرد على “الادعاء الذكي” لإسرائيل، القائل بأننا نحن في حرب مع إيران منذ 7 أكتوبر 2023 على الأقل. وقال أيضاً إن هذا الادعاء قد يواجه خلافات وقائعية بخصوص مستوى سيطرة إيران على حماس وحزب الله والحوثيين. “في كل الحالات، حتى لو كانت إسرائيل في مواجهة مع إيران، فإن توسيع الحرب يجب أن يجتاز امتحان التوازن (أي هل الرد متوازن مع التهديد). أفترض أن يستمر الاختلاف حول هذا الموضوع لسنوات طويلة”، قال.
إضافة إلى سؤال: هل هذه حرب جديدة أم لا؟ يقول ليبليخ بأن هناك أهمية لأهدافها. ” يجب أن تكون الحرب المخرج الأخير، لصد هجوم قائم أو شبه مؤكد من قبل إيران”، شرح. “الحديث عن تغيير النظام معارض لهذه القواعد”.
ليس نطاق الأحاديث هو الهش فقط، معه قطاع الأعمال أيضاً. الدكتورة مجيدو تؤكد أن القانون الدولي ليس وحده ما يمنع توجيه هجمات للمدنيين، “توجيه الهجمات للبنى التحتية المدنية ممنوع كلياً، ويعتبر جريمة حرب”. لذلك، يبدو أن المسؤولين عن تزويد الكهرباء والمياه والاتصالات، أو المطارات ومؤسسات الحكم، قد يكونون خارج المعادلة.
في هذا السياق يمكن التساؤل أيضاً حول التقرير الذي صدر قبل أسبوع والذي بحسبه هاجمت إسرائيل بنى تحتية للطاقة في حقل الغاز جنوبي محافظة فارس، في إقليم بوشهر. “حقول الغاز”، توضح مجيدو، “أمور مدنية، يجب إثبات أنها استخدمت لأهداف عسكرية لتبرير المس بها، وعندها يجب أن يكون الإضرار بالمدنيين متوازناً”. منذ ذلك التقرير، لم يسمع كثيرون يتحدثون عن هذا الأمر.
معضلة المستشفيات
ثمة بنى تحتية مدنية حيوية أخرى برزت في العناوين، هي المستشفيات، بشكل خاص بعد إطلاق الصاروخ البالستي الإيراني الذي ضرب المركز الطبي في سوروكا الأسبوع الماضي. “مهم التأكيد على أنه حتى لو خرق أي طرف قوانين الحرب، كتوجيه هجوم لمستشفى، فهذا الخرق لا يعتبر أساساً لقيام الطرف الآخر بالخرق”، قالت مجيدوا في هذا السياق. “قوانين الحرب تعمل على أساس غير متبادل، وكل الأطراف ملزمة بالتصرف وفقاً لها، حتى لو قام الطرف المقابل بخرقها”. يشير ليبليخ إلى أن تفسيرات أقلية متطرفة تحاول الادعاء بأنه في ظروف معينة، قليلة، يسمح بمس البنى التحتية المدنية لدى الطرف الآخر كعمل انتقامي. “لكنه ليس المقاربة المقبولة”، أوضح. “بتقديري، كل عملية كهذه ستواجه إدانة واسعة جداً، وستعرض من ارتكبوها إلى أخطار قانونية”.
سمعت عدة تقارير عن مس بمستشفيات في إيران، لكن غير معروف بعد موثوقية هذه التقارير. وحتى لو حدث ذلك، فمن غير الواضح ما إذا شكلت هدفاً بحد ذاته أم أنها تضررت في سياق آخر.
ثمة تهديد مباشر خرج من إسرائيل، وصل مباشرة من وزير الدفاع يسرائيل كاتس. الإثنين الماضي، بعد قتل ثمانية أشخاص في صلية صواريخ أطلقت على مركز البلاد وحيفا، قال الوزير كاتس: “سكان طهران سيدفعون الثمن، قريباً”. بعد بضع ساعات، صدر توضيح: “لا نية لمس جسدي بسكان طهران، كما يفعل الديكتاتور القاتل مع سكان إسرائيل”، كتب الوزير في شبكة “اكس”. وحسب قوله، سيضطر “سكان طهران إلى دفع ثمن الديكتاتورية وسيتركون بيوتهم في المناطق التي ستكون هناك حاجة لمهاجمة أهداف للنظام وبنى تحتية أمنية فيها”. على أي حال، كما يقول ليبليخ، هذه تصريحات سيئة جداً، من النوع الذي شاهدناه طوال الحرب في غزة، والتي ورطت إسرائيل قانونياً في المحاكم الدولية وعكست سلوكاً غير مقبول أثناء القتال في غزة.
انتقاد مجيدو أكثر شدة. فحسب أقوالها، “لا مبرر لتدفيع المدنيين الثمن رداً على المس بالجبهة الداخلية الإسرائيلية. هذا عمل محظور نهائياً في القانون الدولي، يعتبر جريمة حرب” (لذلك فإن إعطاء الأمر بتنفيذه أمر غير قانوني تماماً).
هآرتس 24/6/2025




