مقالات

قدري أبو بكر .. رحل الجسد وبقيت السيرة.

قدري أبو بكر .. رحل الجسد وبقيت السيرة.
بقلم : د.ياسر أبوبكر.
هناك أشخاص يدخلون حياتك بهدوء، لكنهم يتركون فيها أثراً لا يمحوه الزمن. ومن هؤلاء كان الشهيد اللواء قدري أبو بكر ، ذلك الرجل الذي لم يكن يحتاج إلى وقت طويل ليكسب محبة من يلتقيه، لأن أخلاقه كانت تسبقه، وتواضعه كان عنوانه، وإنسانيته كانت لغته.
تعرفت إلى أبي فادي في العراق، يوم كان مبعداً عن وطنه، يحمل فلسطين في قلبه كما يحملها كل من اضطرته المنافي إلى الابتعاد عن أرضها. لم يكن المنفى قد غيّر فيه شيئاً ، بقي فلسطينياً حتى النخاع، بسيطاً في حياته، كبيراً في حضوره، قريباً من الناس، يفتح قلبه قبل أن يفتح باب مكتبه أو منزله.
يومها قيل لي مازحين إن ما جمع بيننا هو اسم العائلة، فكلاهما “أبو بكر”. لكنني كنت أشعر أن ما جمعنا أكبر من تشابه الأسماء بكثير. لقد جمعتنا قيم النضال، واحترام الإنسان، والإيمان بأن خدمة الناس هي أسمى أشكال الانتماء للوطن. كان يشعر من يجلس معه بأنه يعرفه منذ سنوات طويلة، وهذه نعمة لا يمتلكها إلا أصحاب القلوب الصافية.
كان قدري أبو بكر من ذلك الطراز النادر من المناضلين الذين لا يصنعون حول أنفسهم هالة مصطنعة، ولا يبحثون عن الأضواء. كان حضوره طبيعياً، وكلمته صادقة، وابتسامته صادقة، ولذلك دخل قلوب الناس بسرعة، وبقي فيها.
وعندما تفرقت بنا السنوات، لم تنقطع العلاقة، بل ازدادت رسوخاً. كنت أتابع مسيرته، وأرى فيه الرجل الذي بقي وفياً للمبادئ نفسها التي عرفته بها في العراق. وحين تولى مسؤولية هيئة شؤون الأسرى والمحررين، لم يتعامل معها بوصفها منصباً، بل بوصفها رسالة. كان يرى في كل أسير حكاية وطن، وفي كل عائلة أسير أمانة يجب أن تُصان، فكرّس جهده ووقته للدفاع عنهم، مؤمناً بأن قضية الأسرى ليست ملفاً إدارياً، بل قضية كرامة وطنية.
ولعل أكثر ما كان يميزه أنه لم يتغير. كثيرون تغيرهم المناصب، أما هو فبقي كما عرفناه في المنفى ، الإنسان نفسه، والمناضل نفسه، والصديق نفسه. كان يفرح لنجاح الآخرين، ويواسيهم في محنهم، ويستقبل الجميع بالوجه البشوش ذاته.
وحين جاء خبر استشهاده، شعر كثيرون أنهم فقدوا قريباً، لا مسؤولاً. لأن الرجال الذين يعيشون بين الناس بصدق، يصبحون جزءاً من ذاكرتهم الشخصية، وليس فقط من التاريخ الوطني.
واليوم، وبعد مرور ثلاثة أعوام على رحيله، أستعيد صورته الأولى في العراق، قبل أن أستعيد صوره في فلسطين. أستعيد ذلك الرجل الدمث، الهادئ، الذي كان يؤمن أن الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل سلوكٌ يُمارس كل يوم.
لقد رحل الجسد، لكن بقيت السيرة. وبقيت المواقف. وبقيت المحبة التي زرعها في قلوب الناس. وهذا هو الخلود الحقيقي، أن يرحل الإنسان، بينما يبقى أثره حياً في كل من عرفه.
رحم الله الشهيد اللواء قدري أبو بكر، الإنسان قبل المسؤول، والمناضل قبل القائد، والوفي قبل كل شيء. وسيبقى في الذاكرة واحداً من أولئك الرجال الذين لا تشبههم المناصب، بل يشبهون الوطن الذي عاشوا من أجله، وخدموا أبناءه بإخلاص، ورحلوا تاركين وراءهم سيرةً عطرة لا يطويها الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب