قصة رسائل نزار قباني كما روتها كوليت خوري

قصة رسائل نزار قباني كما روتها كوليت خوري
ماجدة حمود
كاتبة سورية
تستعيد الراحلة كوليت خوري، حين كانت تتحدث عن نزار قباني، ألق الشباب وحيويته، ولا يمكن أن أنسى انفعالها ونبرة الكبرياء في صوتها، وهي تقول «أنا من رفضت نزار قباني» فتترك انطباعا في النفس برقة الأنثى، وقد امتزجت بخيبتها في الحب، وهي تتحدث عن قصتها معه.
إنها امرأة تجاوزت عصرها، تعبّر عن ذاتها، منذ كانت شابة صغيرة، بالكلمة (شعر، رواية…) وبالفعل (تختار الزوج (الإسباني) وحين تضطرب علاقتها به، تتركه، في زمن كان فيه الطلاق مستهجنا، وتستقل مع ابنتها (نارا) في بيت خاص، كما أنها ترفض، بعد طلاقها، الزواج من (نزار قباني) على حد قولها، وتفضل عليه استقرار حياتها مع حبيب الطفولة (طوني).
كانت، في أواخر أيامها، حريصة على رسائل نزار، حرصها على كنز ثمين، من يستطيع لومها، خاصة بعد أن تعرضت رسائلها إليه للسرقة من بوّاب عمارة (نزار) في بيروت، وأرسل يساومها، لتدفع من أجلها ثمنا باهظا، فرفضت، لكنها أفلحت باسترداد بعضها عن طريق أصدقاء لها في بيروت، كما أن رسائل نزار إليها، تعرضت للسرقة من إحدى المؤتمنات على كتابتها؛ لهذا عذرتها، خاصة أنها باتت، وقد تجاوزت التسعين، تشكّ في كل من يدخل بيتها، وهذا حقها، بعد ما عاشته من تجارب مريرة (خيانة الأمانة والخبز والملح).
لاحظت، عندما كنت أزورها، بأن كل أوراقها الشخصية، وليس الرسائل فقط، التي تتعلق بميراثها الثقافي (مقالاتها، أشعارها…) كانت لا تسمح لأيّ كان بلمسها، لكن للرسائل، كما أحسست، مكانة خاصة في نفسها، فهي ثروتها وفخرها بمجدها الأدبي والإنساني معا، حاول الكثير من الأصدقاء والمحبين لها تذكيرها بضرورة نشر هذه الرسائل، وكنت من بينهم، كنا نذكرّها بالوعد، الذي تكرره أمام الجميع، بنشرها قريبا (فتذكر دور نشر سورية، لبنانية، بل أحيانا كانت تقول: سأطبعها على حسابي) خاصة أنها كانت جاهزة (كُتبت على الحاسوب) شاهدتها بنفسي، لكنها كانت تحتاج إلى ترتيب حسب التاريخ، وقد سمحت لي بمساعدتها في ذلك (مرة واحدة) وكما أخبرتني الراحلة بأن معظم الرسائل، التي أرسلها لها نزار، كانت، في خمسينيات القرن الماضي، في الفترة (1958- 1959) وقد تحدّثت عن معاناة الرسالة في طريقها للوصول إليها، تنتقل من الصين (حيث يعمل نزار) إلى الشام (حيث عنوانها الدائم) إلى نيويورك (حيث تقيم مؤقتا) لهذا ضاعت أول رسالة، كتبها نزار إليها؛ فاحتاجت إلى عنوان وسيط لأحد معارفها، لتصل إليها، وبذلك لم تكن تخجلها رسائل حب، أرسلها الشاعر إليها، وهي مازالت شابة (أواخر الخمسينيات) إذ لم تكن علاقتها به سرية، لكن ما سبب ترددها في نشرها، في مراحل لاحقة من عمرها؟ ترى هل باتت تخجلها، في مرحلة نضجها وشيخوختها، فامتنعت عن نشرها؟ هل تخاف عدم احترام المجتمع لها، وإساءة فهمه لها؟
هل يمكن لمن كتبت بلغة جريئة رواية «أيام معه» التي تتحدث فيها عن قصتها مع (زياد/نزار) وطليقها الإسباني (ألفرد/رودريغو)؟ تُرى هل استيقظت تربية الراهبات المحافظة؛ لتردعها عن نشر رسائل حب وُجهت إليها؟ هل الإقامة في بلدها، الذي يعدّ من البلدان الشرقية المحافظة دور في إحجامها، في حين تجرأت غادة السمان، في نشر رسائل أدباء، أحبوها؛ لأنها تقيم خارج بلدها (باريس)، أم شتان بين بيروت مدينة الحرية، التي عاشت فيها غادة، حتى الحرب الأهلية، ومدينة محافظة (دمشق) التي عاشت فيها كوليت، حتى آخر لحظة من حياتها؟ أم هناك أسباب أخرى…
من البدهي ألا تخجلها هذه العلاقة، برأيي، فهي امرأة حرة تكره النفاق والكذب، كما أنها ابنة الأصول، لهذا كانت علاقتها به علنا، تكاد تسير وفق إطار شرعي، يرضى عنه المجتمع (الزواج) فقد حدثتني، بأنه حين تقدّم أهله لخطبتها، لم يمانع أهلها، رغم اختلاف الدين، كما حدّثتني بأنها في فترة علاقتهما، بات ولداه (هدباء وتوفيق) في مرتبة ابنتها (نارا) من زوجها الإسباني (الذي أصبحت طليقته) فكانت كثيرا ما تستبقي (نزار) وأسرته للغداء أو العشاء، وتزوره في بيت أسرته، حتى باتت صديقة الجميع، لذلك أصبحوا جميعا أشبه بأسرة واحدة.
إذا يمكننا أن نستنتج، هنا، أن كوليت لم تسرع بالموافقة على الزواج، بل أرادت أن تختبر، أولا، مشاعرها تجاه شاعر المرأة (الذي لاحظت أنه ينتقل من زهرة إلى أخرى) خاصة أنه سيكون الزواج الثاني (وهي ما زالت في عمر مبكر، وفشل المرأة ثانية، مهما كانت حرة وجريئة، ليس أمرا سهلا، في مجتمعنا) خاصة أنها تنتمي إلى الدين المسيحي، الذي لم يكن متساهلا، في تلك الفترة، مع طلاق الزوجين.
بيّنت لي بأن عواطف نزار اشتعلت، خاصة حين سافر إلى الصين في بعثة دبلوماسية، وعانى هناك من الوحدة؛ وقد سألته كوليت، في إحدى الرسائل، التي قرأتها لي: هل شغلتك العيون المقطّوبة عني (الصينية) فكان رده (حسبما أذكره) غزلا بعينيها، التي تجمع ألوان الجنة والتبغ.
وعلى نقيضه يبدو أن سفرها إلى أمريكا، كان نقطة تحوّل في علاقتهما، باتت تنفر من استمرارها، لهذا رفضت عرض الزواج (على ذمة قولها) خاصة أنها لاحظت برود عواطفها تجاهه، فقررت العودة إلى طليقها، والد ابنتها، في حين أدرك الشاعر أنه لا يستطيع الاستغناء عنها، خاصة بعد أن جرحها، كما تبيّن لي، من خلال وصفها له (أناني، يبحث عن مجده الشعري، مبتذل، خائن، يحب كل النساء…) لهذا لم يهتم بمشاعرها، ولم يشعر بأهمية وجودها في حياته.
يلاحظ أنها لم تقطع علاقتها به، بل ظلا أصدقاء، وقد كان يزورها، كلما زار دمشق، حتى بعد زواجه من بلقيس، وزواجها من طوني؛ وما يؤكد ذلك البرقية، التي ردّ فيها نزار على عزائها (وأسرتها) بزوجته (بلقيس، التي استشهدت، أثناء الحرب الأهلية في بيروت، والتي حدثتني عن إعجابها بها وصداقتها لها) فقد أبرزت هذه البرقية، كيف تحوّلت علاقة الحب إلى صداقة، فكتب لها يقول: «لا أدري كيف أشكركم/ فالحبيبة بلقيس سافرت/ وأخذت معها كل حروف الأبجدية/ لم أكن أتصوّر أن الورود، حين تموت، تلغي كل اللغات».
حين سألتها لمَ أخّرت طباعة الرسائل، خاصة بعد وفاة نزار (مع أنها لو نشرتها خلال حياته لما اعترض)؟ أجابت: لاحظت أن كثيرا من النساء سارعن إلى نشر كل كلمة قالها نزار عنهن، وأنا لا أريد أن أكون كالأخريات، تبدو هذه العبارة أثيرة لدى كوليت؛ لهذا كانت كثيرة الترداد لها، مثلما رددها، في رأيي، نزار في وصفه لها في شعره «امرأة معجزة، ليست كالنساء، هي البداية في كل شيء وبأنها مسك الختام» بل أعتقد أن ثلاثة دواوين قد خُصصت لها («حبيبتي»1961، «يوميات امرأة لا مبالية» 1968، «هل تسمعين صهيل أحزاني»1991، وفي هذا الديوان أعلن فيه حنينه للعودة إليها بعد مرور ثلاثين سنة على العلاقة بينهما، بل نجده يمارس فيه النقد الذاتي في نظرته للمرأة، فكأنه يعلن تخليه عن عقلية شهريار في النظرة إليها، بل يعلن توبته عن نرجسيته في قصيدة «اعترافات رجل نرجسي» وكأنه يؤرّخ لقصته معها، بصوت الحسرة لدى إنسان ضيّع كنزه، ففي (مقطع 9) يقول: «وبعد ثلاثين عاماً/ رأيت بعينيك برهان ربي، وشاهدت رموز اليقين/ وشاهدت كلّ الصحابة والمرسلين/ وشاهدت برقاً/ وشاهدت نارا/ وشاهدت بالعين رائحة الياسمين/ وشاهدت، وشاهدت، حتى نسيت الكلام…» وبذلك يعترف (بعد ثلاثين سنة) بأنه أساء في علاقته بامرأة مثقفة (مثل كوليت خوري).
إذا كانت الراحلة فخورة برسائله إليها، بل كانت مبعث تألقها، وعودة دماء الحياة إلى شيخوختها، حتى إنها كانت تذكرها في كل مناسبة، بل تؤكّد لكل من يسمعها بأنها ستنشرها قريبا، مع الأسف، لم تصدر، وقد باتت، اليوم، وثيقة أدبية وتاريخية لشخصيات مؤثرة في حياتنا الأدبية، ومازالت هذه الرسائل أمانة في يد ورثتها، الذين لن يقصّروا في نشرها، كما آمل..
كاتبة سورية




