تحقيقات وتقارير

“كان الأطفال أشلاء”: ستة أشهر على مجزرة مدرسة ميناب في إيران والأهالي أسرى للوجع والصمت المطبق

“كان الأطفال أشلاء”: ستة أشهر على مجزرة مدرسة ميناب في إيران والأهالي أسرى للوجع والصمت المطبق

بعد ستة أشهر من قصف مدرسة جنوب إيران ومقتل مئة وخمسة وخمسين شخصا غالبيتهم أطفال، يعيش الأهالي صمتا مطبقا وفقدانا تاما للقدرة على التخطيط، غارقين في صدمة نفسية عميقة ومرارة تمنعهم حتى من زيارة الأطلال المدمرة.

لا تغيب عن ذهن معصومة ذاكري تفاصيل الليلة الأخيرة التي قضتها مع ابنتها البالغة تسع سنوات، قبل أن تُقتل صباحا بضربة على مدرستها، في الساعات الأولى من الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير.

في تلك الليلة تحدّثت الطفلة مطهرة بحماسة عن العطل المقبلة، وحفلات الزفاف المُقررة، والملابس التي أرادت أن تشتريها. تناولت وجبة السحور قبيل الفجر ثم وضعتها والدتها في سريرها.

وتقول الأم البالغة من العمر 44 عاما: “لم أرها مجددا. كانت (تلك) المرة الأخيرة”.

واستفاقت مطهرة قبل والديها، واستقلّت الحافلة إلى مدرسة شجرة طيّبة في مدينة ميناب في جنوب إيران.

امرأة تحمل رفاة ابنها ضحية قصف المدرسة (Getty Images)

وبعد ساعات قليلة، بدأت الغارات على إيران وطُلب من ذاكري في اتصال هاتفي المجيء لاصطحاب ابنتها إلى المنزل.

لكنها لم تصل في الوقت المناسب، فقد سبقتها غارة أصابت المدرسة وقُتل فيها 155 شخصا على الأقل، معظمهم من الأطفال على غرار ابنتها.

وعثر على جثة الطفلة في وقت لاحق من ذاك اليوم، وأمكن التعرف عليها من “أقراطها وسوارها”، كما تروي الأم.

(Getty Images)

وبعد مرور ستة أشهر، تحوّلت المدرسة إلى أطلال وركام ترتفع فيها صور الأطفال القتلى، وأعلام إيرانية.

وتؤكد إيران أن صاروخين من طراز “توماهوك” أصابا المدرسة، لكن أيا من الولايات المتحدة أو إسرائيل لم يعلن مسؤوليته عن الضربة.

وحمّلت منظّمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية، المسؤولية للولايات المتحدة، فيما أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بأن المدرسة أصابها صاروخ أميركي من طراز “توماهوك”.

ومنذ وقف إطلاق النار في نيسان/ أبريل، تراجعت إلى حد كبير عمليات القصف المكثف، لكن الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب وصلت إلى طريق مسدود.

عشرات القبور محفورة للطلبة الذين قُتلوا (Getty Images)

وتقول ذاكري إنها لم ترَ جثمان ابنتها بعد العثور عليه، لئلا يشوِّه ذلك آخر ذكرى جميلة لها.

وتضيف: “أصبح بيتنا بعد رحيلها صمتا مطبقا”.

“لم أستوعب ذلك”

يذكر مدرّس الأدب الفارسي يعقوب يزدان بناه (34 عاما) كيف تلقى اتصالات هاتفية عاجلة لأخذ ابنته ذات الأعوام الست من مدرستها.

ماذا نعرف عن قصف مدرسة في إيران في بداية الحرب الإسرائيلية الأميركية؟

يقول “لم أستوعب ذلك”، ويستذكر كيف انطلق مسرعا من عمله، ليعلق في زحمة السير مع تصاعد النيران والدخان من الموقع المستهدف.

وحين وصل إلى المدرسة، رأى رجالا يجمعون أشلاء بشرية مبعثرة ويغطّونها بالأقمشة، على مقربة من جثمان فتاة عالقة تحت كتلة خرسانية.

(Getty Images)

ويقول يزدان بناه “عجزت عن التنفس. لم أقوَ على الوقوف”.

وفي وقت لاحق من ذاك اليوم، عُثر على جثمان ابنته.

ويروي الرسّام جواد شهرجو لحظة وصوله إلى مدرسة ابنه الأصغر علي رضا ليبحث عنه، حين أطاح به وبدراجته النارية عصف الضربة الصاروخية الثانية.

ويقول “في الباحة كان الأطفال أشلاء… رأس هنا وقدم هناك. وكانت فتاة على وشك السقوط من الطابق الثاني”.

وعُثر على ابنه ذي الأعوام السبعة بعد ثلاثة أيام. عرفوه من ملابسه الداخلية وجواربه وحذائه، و”تفحّم جسمه بالكامل”.

“لا نخطّط لشيء”

تقول السلطات إن المدرسة ستبقى على حالها، وستصبح نصبا تذكاريا.

(Getty Images)

ويقول الأهالي إن لا قدرة لهم على زيارتها مجددا، بل يفضلون زيارة المقبرة.

ويقول آرش تندرو البالغ 45 عاما والمقيم قرب المدرسة: “لم أفهم لماذا قصفت المدرسة، ليس هناك موقع عسكري الآن، الموقع العسكري كان قبل 10 سنوات أو 12”.

وتزور ذاكري قبر ابنتها بانتظام، وتقول إنها فقدت القدرة على التفكير بالمستقبل.

وتضيف “لا نخطّط لأي شيء على الإطلاق. لا نقوى على الذهاب إلى أي مكان، أو فعل أي شيء”.

(Getty Images)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب