
«كان ياما كان» … حكاية مصرية إنسانية من دفتر الأحوال الشخصية
كمال القاضي
ربما هي المرة الأولى التي يدخل فيها الفنان ماجد الكدواني، سباق الموسم الرمضاني، مُحدثاً هذا التأثير القوي بدور ينوب فيه عن الآباء الذين يُعانون من ضغط الحياة الأسرية، في ظل مطاردات قانونية من جانب الزوجة لإثبات حقوقها الشرعية، حسب نصوص ومواد القانون المصري للأحوال الشخصية.
المسلسل الذي كتبته شيرين دياب وأخرجه كريم العدل وشارك في بطولته عارفة عبد الرسول ونُهى عابدين وحازم راغب ويوسف عمر، يحاول الاقتراب من أصل الأزمة العائلية وأسبابها بتوازن، بلا انحياز لطرف دون الآخر.
وهو ما يؤكد بداية أن الهدف ليس فضح المُشكلات الأسرية وتعرية المُجتمع، كما يحدث في بعض الحالات النادرة التي تُثير الشبهة وتفتقد للمصداقية. «كان يا ما كان» رؤية درامية تضع المُشاهد في قلب الأحداث والظروف التي يُعاني منها الزوجان، ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، فالأزمة تتلخص في فتور العلاقة الزوجية، ورتابة الحياة بعد مرور وقت طويل من السنين وتفاصيل وذكريات كثيرة ربطت بين الطرفين، وعاشوها بحلوها ومرها. إلى أن وصلوا إلى مُنتصف العُمر، حيث الأزمة المعهودة والمُتكررة، والتي امتلأت محاكم الأحوال الشخصية بملفاتها فصارت مرضاً يُهدد الاستقرار الاجتماعي ويُنذر بكوارث وخيمة، من شأنها نسف الإطار العائلي بالكامل والقضاء نهائياً على مستقبل أجيال من الأطفال، هم الضحايا الحقيقيين لفساد العلاقة الزوجة، وتخلي كل من الزوج والزوجة عن مسؤولياته الأساسية تجاه الأبناء.
الحكاية بامتدادها الدرامي التراجيدي، يُمكن أن تصل أبعادها إلى ما هو أخطر من الانفصال والطلاق، الذي تتصور الزوجة أنه الخلاص من عبودية الزوج وسيطرته، فالأمر لا يتوقف عند حدود فسخ عقد الزواج وتحقيق الاستقلال. وإنما بالتراكم وتكرار الحالات يُمثل الطلاق عائقاً قوياً أمام جيل آخر يتأثر قطعاً بالأزمة وربما يتبنى الفكرة ذاتها فينصرف تماماً عن التفكير في الزواج وتكوين أسرة.
وهو احتمال غير بعيد لأن فوضى الطلاق ونوازع التمرد تنتشر بالعدوى والتقليد الأعمى، من دون النظر للعواقب، لاسيما إذا كان هناك أطفال، حيث المؤسف ليس هو الطلاق في حد ذاته. وإنما التعاسة التي يُحكم على أبناء الأزمة بها فيقضون بقية حياتهم في كدر وضجر وتشتت.

المُسلسل يُقدم من الصور الدرامية والتعقيدات العائلية الخلافية، ما يوحي بتلك النهايات المُرعبة بالمنظور البعيد للمُشكلة، أو الأزمة، على الرغم من حالة الهدوء الواضحة في الإيقاع والتناول الرصين للأحداث. فضلاً عن عدم اللجوء إلى أسلوب المُشاجرات وارتفاع الأصوات وتبادل الاتهامات.. إلى آخر البنود المحفوظة والتقليدية في الخلافات الأسرية المُشابهة والمُتعددة درامياً.
إن ثمة إحساسا قويا يتسلل لمُتابع الأحداث عن كثب، بالكآبة والضيق وسوداوية الحياة التي تستمر على هذا النحو من الملل والعزلة. وهذا بالطبع مقصود درامياً للوصول إلى ذروة التصعيد وإدراك المعنى، فالأب الحائر بابنته والمُمزق بين حُبه لها وإشفاقه عليها من أجواء الحُزن البادية في كل ركن من أركان البيت، يُخبئ معاناته ويدوس على آلامه ويتظاهر بالتماسك، حتى يُحافظ على التوازن النفسي لابنته الوحيدة. كذلك الطفلة نفسها تُعاني أشد المُعاناة جراء حنينها لأمها وارتباطها بأبيها، فلا تُغنيها الرفاهية ولا المال ولا التدليل، فهناك شيء جوهري مُفتقد في داخلها وقلب تحطم على صخرة الخلافات الأسرية بين الأب والأم.
مُعالجة شديدة الذكاء والرهافة والمُغايرة اضطلعت بها الكاتبة شيرين دياب عند تناولها لواحدة من أخطر القضايا الاجتماعية. كما أن كريم العدل كمخرج أجاد كثيراً في بلورة التفاصيل فنياً وإبداعياً، باستخدام أدوات التأثير المهمة، كالإضاءة والألوان والمونتاج والديكور والموسيقى، حتى مستوى الصوت في الأداء التمثيلي، كان واعياً بأهميته لتوصيل المعنى كما ينبغي أن يصل، فنبرة الانكسار في صوت ماجد الكدواني كانت دالة على حزنه الشديد وسوء حالته النفسية وفق ما هو مطلوب درامياً.
أيضاً يسرا اللوزي جاء أداؤها مؤثراً للغاية، فهي الزوجة التي تُعاني من عدم الاستقرار النفسي والعاطفي، وتبحث لنفسها عن مخرج مما هي فيه.
وفي الوقت نفسه، تُشفق على ابنتها، وتحرص على كرامة طليقها لأنه أبو ابنتها وسندها في الحياة، ومن ثم ترفض إهانته والتقليل من قيمته.
أسلوب مُختلف وراق في إدارة الأزمة والتعامل مع الطلاق، كحدث وقع بالفعل ولا يُمكن التراجع فيه لأسباب شخصية بحتة، تعرف الزوجة وحدها دواخله غير المُعلنة. لذا لا تُبالغ كثيراً في التصعيد ولا تتبع تعليمات المُحامي، الذي يضعها في دائرة ضيقة يُحاصرها فيها، بإغراءات المكاسب والتعويضات التي ستحصل عليها حال، ما يتأكد للمحكمة استحقاقها لها، وهي نفقة المُتعة ومؤخر الصداق وقائمة المنقولات وما تلاها من مُكتسبات أخرى.
ما يُميز مسلسل «كان يا ما كان»، هو التأني والتدقيق في رصد وقائع الخلاف وتطوراته بواقعية لا تُجافي كثيراً الحقائق المُدونة في سجلات المحاكم وعرائض الدعاوى القضائية.
كاتب مغربي




