مقالات

كتابُّ موحَّد لتاريخ لبنان ، أَمَا آن الأوان ! بقلم نبيل الزعبي -طليعة لبنان –

بقلم نبيل الزعبي -طليعة لبنان -

كتابُّ موحَّد لتاريخ لبنان ، أَمَا آن الأوان !
بقلم نبيل الزعبي -طليعة لبنان –
في استقباله لوفد المركز الوطني للبحوث والإنماء رئيسةً واعضاء ، اعرب الرئيس جوزيف عون عن اسفه لعدم وضع كتاب جديد للتاريخ منذ العام 1968، منتقداً “كيف تنظر كل فئة الى لبنان من وجهة نظرها الشخصية وليس من وجهة نظر عامة”. وأمل “ان يتم السعي والنجاح في وضع كتاب جديد للتاريخ وتطوير المناهج العلمية بشكل عام، لان من لا يواكب التطور ينساه التاريخ”( الصحف والوكالات ١٨/٢/٢٠٢٥).
لعلّ هي من المرّات الاولى التي يتطرّق فيها رئيسُّ لبناني إلى احدى اكثر القضايا الوطنية سخونةً واحراجاً لم يجرؤ على أثارتها من سبقه من رؤساء بكل هذه الشفافية والوضوح حيث طرح موضوع الضرورة الوطنية الملّحة نحو اعداد كتاب تاريخ موحّد يقرؤه كل اللبنانيين دون ان يتوزع تاريخ لبنانهم كما هو حاصل ومنذ نيله الاستقلال على كتب عدة غير انها مختلفة في موضوعيتها وحياديتها كون كل كتاب فيها يلبّي ما هو مختزن في ذاكرة الطوائف والمكوَّنات اللبنانية الرازحة ثقافياً تحت كل ما كتبه الآخرون عن لبنان سواء الإرساليات الأجنبية وعهود القناصل او المجالس الملّية المذهبية فلا عجب بعدها ان ترى الأمير بشير الشهابي بطلاً قومياً لدى مكوّن كبير من اللبنانيين فيما يعتبره مكوّنُّ آخر غير ذلك البتّة ان لم نستخدم الأوصاف كما هي ، والعجب الأكبر بين هذا الموقف وذاك من الأمير بشير الشهابي ان كلا اصحاب الموقفين يُعتَبَران من مؤسسي الكيان اللبناني ،وكيف بعد ذلك ان تصدّق الاجيال الجديدة هذا او ذاك والواحد منهما متشبثُّ بنظرته ورؤيته للتاريخ وثمة جامعات كبرى تتبنى ما تقدّم فتُسهم وعن سابق تصوُّرٍ وتصميم بكل هذا الانفصام الذي تتشكّل منه شخصية اللبناني واللبنانية والواحد منها مكتوبُّ عليه ان يولد في مستشفىً تابع للمكوِّن الذي يُسَجَّل اسمه في خانة نفوسه وكأنه بات منذ تنفس الحياة ان يكون ملكيةً حصرية له ولتترسّخ هذه الملكية بالانتماء الاعمى حين يتم ادخاله في دور الحضانة فالمدرسة وحتى الجامعة التي يتلقّفُ منها كل ما يشدُّه إلى الحظيرة وينسى انه مواطنُّ لبناني يحمل هويةً وطنية تعرِّف به وجواز سفر يجول فيه عليهما رمز لبنان الأرزة اللبنانية .
هي من المفارقات المضحكة ان الطائفية تعيش في داخل عقل اللبنانيين من المهد إلى اللحد ، ولايقتصر ذلك على الأفراد والمناطق التي تحولّت بفعل الحروب الصغيرة التي مرّت على لبنان إلى ما يشبه الكانتونات الصغيرة ليسحب نفسه ايضاً على الإنتاج اللبناني بما يحمله من زراعات
باتت تحمل هُوِيّةَ أصحابها ايضاً فترى التفاح مثلاً والليمون وحبة الزيتون ونبتة التبغ موزعةً بدورها على المكوّنات الكبرى في البلد التي تستأثر بالوزارات السيادية الاربع في حكومات بعد الطائف مع الشكر والحمد للخالق ان حُبيبات القمح والُأرز والسُكّر كلها مستوردة والا لكان بالامكان مصادرة” أُبُوَّتَها”كما تُصَادر الوزارات ووظائف الدرجة الاولى في هذا البلد العجائبي .
قد يبدو ما تقدّم طريفاً لناحية الشكل غير انه صادمُّ ومؤلمُّ ومؤسف حتى النخاع خاصةً انه اقتصر على ناحية جزئية دون الولوج فيما هو مصيري واخطر منذ ان اختلف اللبنانيون على اقتسام بلدهم فكان ان اُوكلَ ذلك إلى القناصل وعهد المتصرفية الذي فرضته القوى الخارجية في رسالة واضحة انكم لا تستحقون ان تحكموا ولا بد من عامل خارجي ليحكمكم ويكون الحَكَم بينكم كما الحاكم عليكم ، وجاء الاستقلال ليُجَمِّل ويُنَقِّح من هذه الصورة على طريقة الكحل افضل من العمى فقدَّم العُرف على القوانين ليبقي من يرفض استقلال بلده مفضِّلاً الانتداب الفرنسي وما زال يشدو شوقاً إلى الام الحنون بينما بقي الحنين إلى العثملّي لا يفارق شوقاً لدى البعض الآخر ليقاسمهما في ذلك مؤخراً مرجعية قُمّْ بعد الاستحداث الجديد لولاية الفقيه وصار لكل واحدة من الطوائف الثمانية عشر ( بابها العلي) و”الاستانة” التي تلوذ بها كلما اقتضت الحاجة الذاتية والدفاع عن الوجود من حماية واستقواء خارجي ، باستثناء اولئك الذين رفضوا اي انتماء سوى للوطن فلجأ بعضهم إلى حذف عبارتي الدين والمذهب عن سجلاتهم الشخصية على سبيل المثال لا الحصر ، فأصرّت الاعراف الطائفية على معاقبتهم بحجب الوظائف الرسمية عنهم حفاظاً على معادلة ستة وستة مكرّر .
فهل تسمح هذه الدولة”العميقة” يا تُرى بسلبها صلاحياتها وتقبل بكتابٍ واحد موحَّد للتاريخ يكون موحِّداً للبنانيين في وطنٍ واحد ام نبقى نقرأ تاريخنا المكتوب على قياس كل طائفة ومذهب كما هو حاصل في النصوص على الورق ، اما تلك “التواريخ” الأخرى المكرَّسة في النفوس فهي الاخطر .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب