كنيسة الروم الأرثوذكس في طولكرم: ذاكرةٌ روحية وتاريخٌ ممتد منذ عام 1830

كنيسة الروم الأرثوذكس في طولكرم: ذاكرةٌ روحية وتاريخٌ ممتد منذ عام 1830
إعداد: المحامي علي أبو حبلة – الأستاذ عبد البري
تُعدّ كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في مدينة طولكرم واحدة من أقدم الكنائس التاريخية في فلسطين، وهي شاهد حيّ على الوجود المسيحي العريق في الضفة الغربية، وعلى متغيرات سياسية وعسكرية عصفت بالمنطقة منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. تأسست الكنيسة عام 1830 في الحقبة العثمانية، وارتبط اسمها بالقديس جاورجيوس المعروف في التراث المسيحي بأنه “شفيع اللد وطولكرم وكل فلسطين”.
مكانة دينية وتاريخ مقدس
تشكل الكنيسة اليوم إحدى الكنائس الرئيسية التابعة لـ بطريركية الروم الأرثوذكس في الأراضي المقدسة، وقد اعتبرتها الأمم المتحدة (1949) أحد الأماكن المسيحية المقدسة التي تتمتع بوصاية الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، داعيةً إلى حمايتها وضمان حرية الوصول إليها.
يعود تأسيس الكنيسة والدير الملاصق لها إلى بدايات القرن التاسع عشر، حيث ازدهرت حينها الطائفة الأرثوذكسية في طولكرم، وبلغ عدد أفرادها نحو 1000 مسيحي عام 1967 قبل أن تتراجع أعدادهم بفعل الظروف السياسية والحروب المتعاقبة. ومن العائلات المسيحية التاريخية في المدينة: حداد، صباغ، سابا، الدرزي، خرعوبة، رزق، عبد النور، عواد، صويص، سابا، القديس، نجم، مزبر، غطاس، خوري، وغيرهم.

ترميمات متعاقبة ودعم دولي
شهدت الكنيسة سلسلة من عمليات الترميم التاريخية، شاركت فيها دول ومؤسسات عدة، أبرزها:
1890: أول ترميم شامل.
1914 و1942: ترميمان بدعم من اليونان.
قبل الحرب العالمية الثانية: ترميم بجهود بريطانية.
1952 و1967: أعمال صيانة بعد النكسة.
2006: تجديد كامل لمبنى الكنيسة.
2015: ترميم مبانٍ داخل الحرم بتمويل من اليونسكو والحكومة السويدية وبإشراف اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس، مركز حفظ التراث، وبطريركية الروم الأرثوذكس، وبلدية طولكرم.
ويحتفظ المعبد بـ الأيقونستاس التاريخي الذي يعود لعام 1943، وهو جدار الأيقونات الذي صممه جنود الجيش اليوناني خلال وجودهم في فلسطين في الحرب العالمية الثانية، ويُعد من القطع الفنية النادرة في الضفة الغربية.
الموقع والبيئة المحيطة
تقع الكنيسة في وسط طولكرم – حي البلدة القديمة، ملاصقة لميدان جمال عبد الناصر، ضمن منطقة نابضة بالحياة الدينية والثقافية. ويضم مجمع الكنيسة:
مبنى الكنيسة الرئيسي
ساحات وحديقة
مبانٍ رهبانية وخدماتية
مركز ثقافي ومجتمعي
جمعية أرثوذكسية
مقبرة مسيحية تستقبل أبناء مختلف الطوائف
شخصيات دينية ورئاسة الكنيسة
تعاقب على قيادة كنيسة طولكرم عددٌ من الكهنة، منهم:
الأب الإيكونوموس جورج عيسى متري عواد (1971–1976)
الأب الإيكونوموس عيسى جورج بيزنطي (1976–1980)
الأرشمندريت ليونديوس (2015–2024)
الأب إسحاق عطا الله (منذ أكتوبر 2024) – وكيل الكنيسة داوود خرعوبة
الأرشمندريت سلوان حنونة مشرفًا عامًا لمنطقة طولكرم (منذ مايو 2025)
الزيارات الرسمية والمناسبات الروحية
تقيم الكنيسة جميع المناسبات الدينية الكبرى، وعلى رأسها عيد الميلاد المجيد، الذي يشهد سنويًا حضورًا رسميًا من شخصيات حكومية ودينية وأمنية.
وقد شهدت الكنيسة عبر السنوات زيارات رفيعة المستوى، أبرزها:
2006 – 2013 – 2014: قداديس ترأسها البطريرك ثيوفيلوس الثالث وبحضور المطارنة والكهنة من مختلف المناطق.
2009 و2012: زيارات المطران عطا الله حنا الذي ألقى كلمات دينية مؤثرة حول دور المسيحيين في النسيج الوطني الفلسطيني.

زيارات رسمية عديدة من محافظ طولكرم، شخصيات سياسية، وفود ثقافية ودينية (2018، 2019، 2021، 2023).
دور اجتماعي وثقافي بارز
تضم الكنيسة جمعية طولكرم الأرثوذكسية، التي أسهمت عبر العقود في دعم النشاطات المجتمعية والخيرية، ورعاية شؤون أبناء الطائفة، واستضافة اللقاءات الاجتماعية والثقافية.
كما كانت الكنيسة مركزًا لفعاليات روحية ومناسبات وطنية، وعنوانًا للتلاقي الإسلامي–المسيحي في المدينة، ومؤشرًا على عمق العيش المشترك المتجذر في طولكرم.
كنيسة شاهد على قرنين من التاريخ
مرت الكنيسة بمراحل سياسية حاسمة: الحرب العالمية الأولى، الحرب العالمية الثانية، النكبة، النكسة، والاحتلال العسكري المتواصل، لكنها بقيت ثابتة كمعلم ديني وتراثي يشهد على صمود المسيحيين الفلسطينيين، وعلى وحدة المجتمع الكرمي بكل مكوناته.
وعلى الرغم من تراجع أعداد المسيحيين، لا تزال الكنيسة محافظة على حضورها الروحي، وتستقبل زوارًا من مختلف المدن الفلسطينية والبلدان العربية واليونان.




