كيفية تأسيس المشروع الحضاري
بقلم الدكتور حسن الحسيني -سوريا
الحضارة هي مجموعة متكاملة من الممارسات والأنظمة والمنتجات الفكرية والمادية التي يبنيها مجتمع ما عبر زمنٍ طويل فتشكّل نمط حياة راسخ ومتماسك لا يقتصر على تحقيقه مستوى من الرفاه، وإنما يتجاوز ذلك إلى تمكين المجتمع من إنتاج تراكم معرفي وثقافي واجتماعي يؤمّن استمراره وتفاعله مع الآخر (مع محيطه الإنساني: وطنياً وإقليمياً ودولياً وعالمياً). وتنعكس الحضارة في المدنية (الإدارة والتنظيم والعمران والأثر على البيئة الطبيعية)، وفي المؤسسات (الحكومية والقانونية والاقتصادية)، وفي الاقتصاد (طرق الإنتاج والتبادل التجاري)، وفي المعرفة والتقنية (العلوم، الحرف، الأدوات)، وفي اللغة والرموز (الأدب)، وفي الأديان والأنظمة القيمية، وفي الفنون والعمارة، وفي هياكل التنظيم الاجتماعي (الطبقات، العائلات، الشبكات الاجتماعية)؛ ولكن قبل كل شيء تنعكس الحضارة في طريقة تعامل الإنسان في المجتمع مع أخيه الإنسان من جهة، ومع كافة الموجودات (الحيّة والجامدة) في محيطه وبيئته من جهةٍ أخرى. طبعاً الدول المتخلّفة (كما في معظم دول ما يسمى بـ “العالم الثالث”) تحاول أن تبرر قصورها الحضاري بتعريفات للحضارة Civilization وللمدنية Civility (Urbanism) والثقافة Culture، بحيث تنفي صفة الحضارة عن أمم متقدمة جداً من الناحيتين المدنية والثقافية، وبحيث تنسب لنفسها الحضارة برغم تخلفها المدني والثقافي. ولدى د. خزعل الماجدي طرحه الخاص، حيث اشترط التواصل عبر الكتابة كشرط أساسي للحضارة، وعلى هذا الأساس استنتج أن التاريخ لم يأتِ إلا بـ 28 حضارة: 24 حضارة قديمة (منها السومرية، والمصرية، والبابلية، والآشورية، إلخ…)، و3 وسيطة (البوذية، والمسيحية، والإسلام)، وواحدة حديثة (يعتبر الحضارة المعاصرة المنتشرة عالمياً حضارةً واحدة مرت في أربعة مراحل من التطور: الحضارة الأوروبية، الحضارة الغربية، الحضارة الحديثة، والحضارة المعاصرة). بهذا المعنى فإن دولاً مثل “الولايات المتحدة” تعتبر من “الأقطاب الحضارية” المهمة. وبالمصطلح العلمي وفي التخصص الإداري يمكن القول بأن الولايات المتحدة قدّمت “مشروعاً حضارياً” جوهره ومحوره تمكين ورفاه المواطن الأمريكي ونشر الديمقراطية في العالم أسمته “الحلم الأمريكي” أو The American Dream. الاتحاد السوفييتي سابقاً كان لديه المشروع الحضاري الشيوعي (اليوم هناك مشروع “النهضة الروسية” Russkiy Mir)، والصين لديها مشروع “الحلم الصيني” Chinese Dream، وإسرائيل لديها مشروع “الصهيونية” Zionism (مع أن هذا المشروع الحضاري تأسس على يد المسيحيين في أوروبا الجرمانية)، وفي إيران هناك مشروع “الثورة الإسلامية”، وفي تركيا هناك مشروع “تركيا الجديدة”، وهكذا. بعض المشاريع تركّز على الفرد والفرصة، وبعضها على الأمة والنهضة، وبعضها على الهوية والدين، وبعضها مزيج من هذه العناصر. ضمن المشروع الحضاري العام لا بد من وجود رؤية واضحة لما يجب أن يكون عليه الكيان القانوني كمؤسسة (الدولة مثلاً أو الإطار التنظيمي للمجتمع)، ففي الإمارات هناك الرؤية الوطنية المئوية (Vision 2021/Centennial 2071)، وفي السعودية هناك “رؤية 2030” (Vision 2030)، وفي تركيا هناك “الرؤية 2023″، وهي عبارة عن تصور مستقبلي (10، 25، 50، أو 100 عام إلى الأمام)، يفترض أن يؤسس لتحقيق وإنجاز المشروع الحضاري المنشود. وهكذا، فعندما يتبلور المشروع الحضاري فيرسخ ويستقر تتأسس به الحضارة الجديدة. وينبثق المشروع الحضاري عن أساس فلسفي وقيَمي (Values and Identity Foundation)، يتمحور حول السؤالين: (1) من نحن، ولماذا نستحق أن ننهض؟ (2) ما هي القيم التي تريد الدولة التعبير عنها وترسيخها؟ يشمل عادةً: الهوية، التاريخ، الرموز، القيم الثقافية والدينية، الرسالة الأخلاقية للمجتمع، والمبدأ الحاكم: – الحرية/الفردانية (الولايات المتحدة) – القومية/النهضة (الصين) – الأصالة والحداثة (السعودية/الإمارات) الرؤية Vision تُبنى على فلسفة وقيم المجتمع بحيث ترسم صورةً (تشكل “بوصلة” لتوجيه الأفراد في المجتمع)، بحيث تتضمن: 1. الغاية الكبرى (National Purpose/Grand Aspiration): وهي رسالة عليا أو حلم جامع، تجيب على السؤال: ما هو الحلم الذي نصبو إليه جماعياً؟ من الأمثلة: “وطن طموح، اقتصاد مزدهر، مجتمع حيوي” (رؤية السعودية 2030)، “النهضة العظيمة للأمة الصينية” (الحلم الصيني)، و”رفاه المواطن وريادة المستقبل” (الإمارات 2071). 2. الهوية الاستراتيجية للدولة أو المجتمع (National Positioning): وهي تجيب على السؤال: كيف يريد المجتمع (أو الدولة) أن يراه العالم؟ دولة محورية؟ مركز مالي/لوجستي؟ دولة رائدة في التكنولوجيا؟ قوة ناعمة حضارية؟ ماذا؟ مثلًا: – الإمارات: مركز عالمي للسياحة والابتكار والخدمات. – السعودية: قلب العالم الإسلامي وقوة استثمارية ومحور لوجستي عالمي. 3. الركائز الاستراتيجية Strategic Pillars: وهي تحدد مجالات التركيز الكبرى، وتشمل غالباً ركائز مثل: المجتمع (التعليم، الثقافة، الصحة، الأسرة)، والاقتصاد (الصناعة، الطاقة، السياحة، الابتكار)، والحكومة (الحوكمة، التحول الرقمي، النزاهة)، والاستدامة (البيئة، الأمن الغذائي/المائي)، والأمن والسياسة (الدفاع، السياسة الخارجية)، إلخ. بناءً على ذلك يمكن تطوير استراتيجية العمل الوطني والتي تهدف إلى تحقيق الرؤية الاستراتيجية، وتشتمل على: 1. الأولويات القطاعية (Strategic Sectors): حيث يتم تفصيل الركائز إلى قطاعات اقتصادية واجتماعية (طاقة، سياحة وتراث، نقل ولوجستيات، صناعة وتكنولوجيا، تعليم وموارد بشرية، صحة ورفاه، مدن ذكية، بيئة ومناخ، أمن وسيادة، إلخ…) 2. الأهداف الكمية (Targets) ومؤشرات الأداء (KPIs): تسعى الرؤية دوماً إلى رسم صور وملامح محددة لتمكين المعنيين من بناء تصوّر فعال ومحفّز، ومن ذلك تضمين أرقام محددة بزمن، مثل: خفض نسبة البطالة إلى 7%، أو مساهمة القطاع الخاص بنحو 65% من الناتج المحلي، أو مضاعفة الصادرات غير النفطية، أو زيادة السياح إلى 100 مليون سنوياً. الأرقام هي التي تجعل الرؤية قابلة للقياس والتطبيق. 3. البرامج التنفيذية والمبادرات (Initiatives & Mega Projects): هذه البرامج والمشاريع الاستراتيجية الكبرى تتمحور حول كيفية تجسيد الرؤية الاستراتيجية بمجموعها على الأرض. من الأمثلة على ذلك: – السعودية: نيوم NEOM، البحر الأحمر، بوابة الدرعية. – الإمارات: إكسبو، مسبار الأمل، متحف المستقبل. – الصين: الحزام والطريق. 4. الحكم/الحوكمة أدوات التنفيذ (Governance and Delivery): وهو محور يركز على السؤال: كيف نُنفّذ هذه البرامج والمبادرات؟ يتضمن هذا المحور: – السياسات والتشريعات – صناديق الاستثمار السيادية – الشراكات مع القطاع الخاص – الحوكمة والمؤشرات – المجالس العليا/الهيئات التنفيذية – التمويل والاستدامة المالية (هيكل التمويل: دولة/قطاع خاص/استثمار أجنبي/سندات/شراكات – الشفافية – إدارة الدين العام – التمويل المستدام أو الطويل الأجل) 5. الهوية التواصلية (National Narrative and Branding): وتتمحور حول كيفية سرد القصة وتقديم الرؤية للمجتمع والعالم (سردية إعلامية، قصة نجاح، رموز وشعارات، حملات وطنية، مشاركة المجتمع، إلخ…) فالرؤية تقول: ماذا نريد أن نكون (طموح، قيم، اتجاه عام)، بينما الاستراتيجية تقول كيف سنصل إلى ما نريد (برامج، موارد، أولويات، مؤشرات). وبينما يكون النطاق الزمني للرؤية في المدى البعيد جداً (20 إلى 50 أو حتى 100 سنة)، فإنه يكون بالنسبة للاستراتيجية في المدى البعيد والمتوسط (3 إلى 10 سنوات). هذا المشروع الحضاري، مع الرؤية الاستراتيجية، واستراتيجية العمل الوطني ترسم جميعاً ملامح منطقية ومنهجية وعقلانية لكيفية تحقيق مصالح المجتمع (جماعةً وأفراد) بشكلٍ يضمن البقاء والاستدامة والرفاه. وهو يؤسس بذلك أرضية من المصالح المشتركة الجامعة لمختلف القوى والاتجاهات، بحيث يمكن بناء وتأسيس مختلف المؤسسات التي يقوم بها المجتمع وإدارتها بشكلٍ فعال ومنظم. يبنى الدستور Constitution على أساس هذا المشروع الحضاري، ويشكل مع الرؤية الاستراتيجية المصدر الذي يستمد منه ويبنى عليه تصميم “النظام العام” (الأساس التشريعي والهيكل القانوني) للدولة أو الكيان القانوني أو الإطار الإداري الناظم للمجتمع. واستناداً إلى الدستور والنظام العام بالإضافة إلى استراتيجية العمل الوطني يتم رسم السياسات (المراسيم) ومن ثم تشريع القوانين: ولا تكون القوانين شرعية إلا بتراضي كافة المعنيين عليها (رضىً بغير إكراه)، وتعتبر بذلك التراضي عهوداً متبادلة تترتب عليها واجبات (التزامات) ومن ثم حقوق يجب احترامها. وبالتالي يصبح هذا الدستور وما يبنى عليه من نظامٍ عام ومن تشريعات وقوانين أشبه بعقدٍ اجتماعي بين الناس في المجتمع وبينهم وبين المؤسسات الحكومية التي تمثلهم وتدير شؤونهم.




