كيف للشعراء أنْ يخرجوا من دائرة الاتهام؟

كيف للشعراء أنْ يخرجوا من دائرة الاتهام؟
صادق جواد المطر
بدأت مع كتاب «الشعراء في دائرة الاتهام» متصفحًا… فصار رفيقًا في السفر والمجالس، وانتهيتُ كاتبًا عنه.
لم يكن في بالي أن أكتب عن هذا الكتاب حين وصلني في الأسبوع الثالث من شهر يوليو تموز عام ٢٠٢٦م، وأنا في المملكة العربية السعودية، إهداءً كريمًا من مؤلفه الدكتور نضير الخزرجي، وكان وصوله مفاجأة جميلة أسعدتني؛ فإهداء الكتاب له عندي معنى خاص، ولا سيما حين يأتي من مؤلفه؛ لأنك لا تستلم أوراقًا بين غلافين فحسب، وإنما تستلم شيئًا من فكره ووقته وتعبه ورحلته الطويلة بين الكتب والمصادر.
أمسكتُ بالكتاب وأنا أقول: سأتصفحه فقط، سأقرأ مقدمته، وأتنقل بين عناوينه، وأقف عند بعض موضوعاته، وأتعرف إلى النصوص والشعراء الذين تناولهم المؤلف، ثم أضعه جانبًا لأعود إليه في وقت آخر، لكنني وجدت نفسي، بعد صفحات قليلة، أفعل غير ما قررت؛ فالعنوان يقود إلى عنوان، والرواية تفتح بابًا لسؤال، والبيت الشعري يدفع إلى معرفة مناسبته، والهامش يأخذ القارئ إلى مصدر آخر، حتى تحول التصفح شيئًا فشيئًا إلى قراءة، وتحولت القراءة إلى ملاحظات، ثم وجدت القلم يسبقني إلى الكتابة.
ولم يبقَ الكتاب بعد ذلك حبيس مكتبتي في سيهات في المنطقة الشرقية، بل صار يرافقني من مكان إلى آخر؛ كان معي في السيارة، واصطحبته في سفري إلى المدينة المنورة، وكان حاضرًا في رحلتي إلى الأحساء، وفي بعض جلساتي ولقاءاتي مع الأصدقاء والشباب. وكلما اجتمعنا فتحت منه موضوعًا، أو قرأت مقطعًا، أو عرضت روايةً أو بيتًا شعريًا، فيبدأ السؤال ويمتد الحديث.
وقد كنت أحمل معي أحيانًا مجموعة من الكتب، غير أن هذا الكتاب كان من أكثرها لفتًا للأنظار؛ بدءًا من عنوانه الرئيس المثير: «الشعراء في دائرة الاتهام»، مرورًا بعنوانه الدال: «نظم القصيد في مرآة السنة النبوية»، وصولًا إلى موضوعاته التي تصل الشعر بالقرآن الكريم والسُّنة النبوية والتاريخ والأدب. وكان يكفي أن يقرأ أحدهم العنوان أو يتصفح الفهرس حتى يسأل عن مضمونه، ثم يتحول السؤال إلى حوار، والحوار إلى قراءة بعض صفحاته.
وهكذا لم يشدني الكتاب وحدي، بل استطاع أن يشد من رآه واطلع على بعض موضوعاته، ولم يعد عندي مجرد إهداء وصلني من بعيد، بل أصبح رفيقًا أعود إليه، وأحمل منه إلى المجالس سؤالًا أو روايةً أو بيتًا من الشعر.
ومن هنا جاءت هذه المقالة؛ لم أذهب إليها، وإنما أخذني الكتاب إليها.
بين منظار الوحي وميزان الكلمة
من عنوان الكتاب يتبين أن الدكتور نضير الخزرجي الباحث العراقي المقيم في لندن لا يريد تقديم ديوان شعر، ولا مجرد جمع أبيات متناثرة من كتب الحديث والسيرة، وإنما يدخل إلى مساحة تتقاطع فيها النصوص الدينية مع الشعر والأدب والتاريخ واللغة والرواية.
ويتكون الكتاب، الصادر عن دار سطور للنشر والتوزيع في بغداد سنة ٢٠٢٦م، من قسمين، ويمتد في ١٨٨ صفحة من القطع الوزير. ويعالج في قسمه الأول جملة من القضايا، من بينها: «الشعر من منظار الوحي»، و«الشعر بين ممدوحه ومذمومه»، و«الشعر وحُجِّية السنة»، و«الشعراء جند مجنّدة»، و«المذموم من نظم الشعر»، و«القافية الشافعة»، و«الرسول والإنشاد الملحون»، و«البشير ونظم الشعر»، و«شبهة رد القرآن إلى الشعر»، و«الهادي مجندًا ومحفزًا»، و«إضاءات وأحكام في فن الشعر»، و«غفلة النزول»، و«مشروعية التكسب»، و«شبهات شعرية».
وتكشف هذه العناوين عن طبيعة القضية التي يناقشها الكتاب: كيف نفهم ما ورد في بعض النصوص من ذم الشعر والشعراء، إلى جانب ما ورد في مواضع أخرى من مدح الشعر وإعلاء شأن الكلمة الحكيمة؟ وهل الشعر مذموم في ذاته، أم أنَّ الحكم عليه يتحدد بما يحمله من معنى، وما يؤديه من وظيفة، وما يقصده قائله؟
فالكتاب لا يتعامل مع الشعر وكأنه شيء واحد، ولا مع الشعراء وكأنهم يقفون جميعًا في موضع واحد؛ فالكلمة قد تكون حكمةً وموعظة، أو دفاعًا عن الحق، أو مدحًا ورثاءً وتسجيلًا لموقف إنساني أو تاريخي، وقد تنقلب في المقابل إلى هجاء وافتراء وإساءة وتضليل، ومن هنا يصبح الشعر في ميزان المضمون والمقصد، لا في الوزن والقافية وحدهما.
الرسول الأعظم والشعر
ومن القضايا الدقيقة التي يتوقف عندها الكتاب علاقة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالشعر. فكيف نفهم ما ورد في بعض الروايات من إنشاده أو تمثُّلِه ببعض الأبيات، في ضوء قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ يس: 69؟ وهل كان ما جرى على لسانه صلى الله عليه وآله وسلم شعرًا مقصودًا، أم تمثلًا بكلام غيره، أو كلامًا وافق الوزن من غير قصد إلى نظم الشعر؟ وكيف تعامل المفسرون والرواة مع ما نُقل في هذا الباب؟
هذه من الأسئلة التي يناقشها الكتاب تحت عناوين مثل «الرسول والإنشاد الملحون» و«البشير ونظم الشعر» و«شبهة رد القرآن إلى الشعر»، عارضًا الروايات وآراء المفسرين، وتاركًا للقارئ مجالًا لتتبعها ومقارنتها والوقوف بنفسه على ما تنتهي إليه المناقشة.
وهنا تتجلى إحدى مزايا الكتاب؛ فهو لا يكتفي بإيراد النصوص، بل يفتح من خلالها بابًا للتأمل والبحث، ويقود القارئ إلى الرجوع إلى المصادر، والنظر في اختلاف الروايات ودلالاتها.
حين يصبح الشعر شاهدًا
لا يتحدث الدكتور نضير الخزرجي عن الشعر من بعيد، بل يُدخل القارئ إلى النصوص ومناسباتها، وإلى الروايات التي ارتبطت بها، فيخرج البحث من التجريد إلى الإنسان والحدث والبيت الشعري.
وفي عدد من المواضع لا نكون أمام تقرير تاريخي جامد، وإنما أمام نصوص شعرية وروايات ارتبطت بأحداث ومواقف، ثم يأتي دور الباحث في المقارنة بينها، والنظر في صيغها المختلفة، وتحديد ما يمكن قبوله، وما يحتاج إلى تأمل أو توقف.
وفي مواضع أخرى تصبح النصوص الشعرية جزءًا من بناء القضية نفسها؛ فالشاعر ليس اسمًا يوضع للزينة، والبيت ليس شاهدًا أدبيًا عابرًا، وإنما قد يكون مفتاحًا لفهم حادثة، أو ذاكرةً لموقف، أو صورةً عن طبيعة العلاقة بين الشعر والمجتمع في زمنه.
والشعر في هذا السياق يؤدي أكثر من وظيفة؛ فهو أدب وفن، ولكنه قد يصبح أيضًا شاهدًا تاريخيًا، وتسجيلًا لشعور إنساني، ومرآةً للغة عصره وثقافته. وقد يحفظ بيتٌ واحد اسمًا أو واقعةً أو موقفًا انتقل من جيل إلى جيل، في حين غابت أخبار كثيرة كانت في وقتها أكبر منه حجمًا.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا في الشعر الذي ارتبط بمدح الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، أو الدفاع عنه وعن رسالته، أو الحديث عن أهل بيته عليهم السلام، أو تسجيل أحداث ومواقف من التاريخ الإسلامي. ففي مثل هذه المواضع يغدو الشعر وثيقةً أدبية ينبغي أن تُقرأ مع ظروفها ومصادرها، لا أن تُنتزع من سياقها أو تُحمّل ما لا تحتمل.
ومن هنا نفهم حضور المصادر والمراجع والحواشي والتعريف بالأعلام في الكتاب؛ فقد يجد القارئ في الهامش تعريفًا براوٍ أو شاعر، أو إشارةً إلى اختلاف في النقل، أو مصدرًا للرواية، أو طريقًا إلى كتاب آخر يستطيع الرجوع إليه إذا أراد التوسع.
فالبيت قد يُنسب إلى أكثر من قائل، والرواية قد ترد بصيغ متعددة، والخبر قد تقبله بعض المصادر ويتوقف عنده غيرها، ولذلك فإن جمع النص ليس نهاية المهمة، بل بدايتها، والجميل في هذا المنهج أنه لا يطلب من القارئ أن يغلق باب البحث عند النتيجة التي يصل إليها المؤلف؛ فقد يقتنع القارئ بترجيح، ويتوقف عند آخر، وربما يعود بنفسه إلى أحد المصادر ليتحقق ويقارن، وهذه في نظري من علامات الكتاب الذي يستحق القراءة؛ ألا ينتهي دور القارئ عند تلقي رأي المؤلف، وإنما يبدأ منه سؤال جديد. وهذا ما أعطى الكتاب بُعدًا آخر؛ فالشعر فيه مادة للبحث والتأمل، لا مادة للاستمتاع وحده.
القسم الشعري والتقريظات
أما القسم الثاني من الكتاب، فيمنح الشعر حضوره المباشر، ويضم قصيدة الأديب العراقي الذي غادرنا الحياة حديثا (2026م) السيد حسين البزاز «الشعر فن أصيل»، التي تؤكد مكانة الشعر وأهميته في عالم الثقافة والأدب، إلى جانب مجموعة من الإهداءات والتقريظات النظمية التي قدمها علماء وأدباء وشعراء من بلدان مختلفة للكتاب ومؤلفه، بما يعكس ما أثاره الكتاب ومؤلفه من تقدير واحتفاء. وقد اختلفت أساليبهم وصورهم الشعرية، لكنهم اجتمعوا حول الكتاب وصاحبه، وجعلوا من الشعر لغةً للتقريظ والإهداء والتعبير عن الوفاء الثقافي والأدبي.
وبذلك لا يكتفي الكتاب في قسمه الأول بدراسة الشعر وعلاقته بالقرآن الكريم والسنة النبوية والتاريخ، بل يمنحه في قسمه الثاني فرصةً ليتحدث بصوته من خلال نصوص شعرية معاصرة تجسد حضوره واستمرار تأثيره.
الخزرجي بين البحث والكلمة
وعندما يقرأ المرء السيرة المنشورة لمؤلف الكتاب، يجد أن شيئًا من طبيعة هذا العمل يمكن فهمه من خلال مسيرة صاحبه، فالدكتور نضير الخزرجي لم يأتِ إلى موضوعه من باب واحد؛ فقد جمع في تجربته بين الصحافة والإعلام والبحث والتأليف والدراسات الإسلامية والاهتمام بالشعر، وعاش تجربة ثقافية وأكاديمية امتدت بين العراق وإيران وسوريا والمملكة المتحدة.
وتكشف سيرته عن مسار دراسي وبحثي طويل، وعن دراسات جامعية عليا تناولت قضايا متصلة بالأدب والفكر الإسلامي، ومن بينها بحثه في «نظم القصيد في مرآة السنة النبوية»، وهو ما يوضح أن موضوع الكتاب ليس اهتمامًا طارئًا، بل قضية رافقته في دراسته وبحثه.
كما أنَّ حضوره في الصحافة والإعلام والتأليف يترك أثره في طريقة اقترابه من الموضوع؛ فهناك رغبة في ملاحقة المعلومة، والبحث عما وراء الرواية، وربط النص بظرفه وشخصياته ومصادره.
وهذا الجمع بين الباحث والإعلامي والأديب يمنح الكتاب شخصيته الخاصة؛ لأن المؤلف لا ينظر إلى الشعر باعتباره وزنًا وقافية فقط، ولا إلى الرواية باعتبارها خبرًا مجردًا، بل يحاول أن يرى ما وراء الاثنين.
ولا يعني ذلك أن كل ما يورده الكتاب يمثل نهاية للنقاش؛ فالتراث الإسلامي والأدبي واسع، والروايات متفاوتة، ومناهج النظر فيها مختلفة. لكن قيمة الباحث لا تُقاس بعدد الإجابات التي يقدمها فحسب، بل كذلك بطبيعة الأسئلة التي يعيد فتحها أمام القارئ، وهذا الكتاب يفتح أسئلة كثيرة.
كتابٌ لم يبقَ على الرف
وأعود في النهاية إلى حيث بدأت؛ إلى تلك اللحظة التي وصلني فيها الكتاب إهداءً من الدكتور نضير الخزرجي، وأنا في المملكة العربية السعودية، أمسكتُه يومها بنية بسيطة: أن أتصفحه، لم أكن أتهيأ لكتابة مقال، ولم أضع ورقةً إلى جانبي لأدوّن قراءة نقدية، ولم أحدد أنني سأقف عند هذا الموضوع أو ذاك، لكن الكتاب أخذني بهدوء؛ من عنوانه إلى أبوابه، ومن القضايا إلى النصوص، ومن المتن إلى الهوامش والمصادر، ثم خرج معي من المكتبة إلى السفر والمجالس واللقاءات.
وعندما رفعت رأسي عنه، كانت لدي ملاحظات أكثر مما توقعت، وأسئلة أكثر مما بدأت به، وشعور بأن هذا الإهداء يستحق كلمة، ولذلك فإن شكري للدكتور نضير الخزرجي لا يقتصر على تفضله بإهدائي نسخة من كتابه، مع أن للإهداء مكانته في النفس، بل يمتد إلى الجهد الذي بذله في جمع هذه المادة وملاحقتها بين مصادرها، وإلى كتاب أعاد أمام قارئه سؤال العلاقة بين الشعر والقرآن الكريم والسنة النبوية والتاريخ.
فالكتاب الحقيقي لا يُقاس بعدد الصفحات التي نطويها حتى نبلغ نهايته، وإنما بمقدار ما يتركه فينا بعد أن نغلقه، وما يفتحه من حوار حين نحمله إلى الآخرين، فبعض الكتب نفتحها لأننا نريد أن نقرأها، وبعضها نفتحها لنتصفحها فحسب، ثم نفاجأ بأنها هي التي تفتح لنا أبواب القراءة والتفكير والكتابة، وهذا ما حدث معي مع كتاب الدكتور نضير الخزرجي؛ فتحته متصفحًا، فشدني قارئًا، ورافقني في السفر والمجالس، ثم وجدتني كاتبًا عنه، فشكرًا للمؤلف على هذا الإهداء الكريم، وعلى هذه الرحلة بين الشعر والقرآن الكريم والسنة النبوية والتاريخ، وعلى كتاب لم يكتفِ بأن يصل إليَّ من بعيد، بل استطاع منذ صفحاته الأولى أن يأخذني معه، وأن يجعل قراءته تجربة لا تنتهي عند آخر صفحة.
كاتب سعودي من سيهات- القطيف
الرأي الآخر للدراسات- لندن



