كيف نقرأ أداء الاقتصاد الإسرائيلي في ظل الحرب؟

كيف نقرأ أداء الاقتصاد الإسرائيلي في ظل الحرب؟
يواصل الاقتصاد الإسرائيلي تسجيل مؤشرات استقرار نسبي رغم الحرب المستمرة، غير أن تصاعد الدين العام والعجز المالي يثيران مخاوف متزايدة من تآكل قدرة الحكومة على مواجهة أزمات اقتصادية مستقبلية.
إن متابعة أداء الاقتصاد الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب على غزة أواخر عام 2023 وحتى اليوم وتحليله قد يثيران قدرًا من البلبلة، في ظل وجود مزيج من المؤشرات المتناقضة في الوقت ذاته. فمن جهة، يبدو أن الاقتصاد الإسرائيلي لم يتأثر بصورة جوهرية بثلاث سنوات من الحرب وبكلفتها المرتفعة. فحتى لو تراجعت قدرته على تحمّل هذه التكاليف مقارنة ببداية الحرب عام 2023، فإنه لم ينهر ولم يدخل في أزمات حادّة، كما كان متوقعًا من اقتصاد يموّل حربًا متواصلة على مدار ثلاثة أعوام. ويضاف إلى ذلك أن الحرب أدت إلى رصد ميزانيات حكومية ضخمة لتعويض الأفراد والشركات عن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن تعطّل النشاط الاقتصادي، إلى جانب دفع مبالغ تعويض كبيرة جدًا.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل التراجع في المؤشرات المالية الحكومية، التي تُظهر ارتفاعًا كبيرًا في العجز المالي، وزيادة ملحوظة في الدين العام، ولا سيما الدين الخارجي.
وفي ما يتعلق بالتناقضات التي تميّز حالة الاقتصاد الإسرائيلي، كتبت ميراف أرلوزوروف، المحللة في صحيفة “ذي ماركر” الاقتصادية (8 أيار/ مايو)، أن “جميع الاقتصاديين توقّعوا، منذ أكثر من ثلاث سنوات، حدوث أزمة اقتصادية في إسرائيل بسبب خطة الانقلاب على النظام القضائي، وبصورة أكبر في أعقاب الحرب، إلا أن هذه التوقعات تبيّنت، مرة بعد أخرى، على أنها غير دقيقة”.
وأضافت أن “الاقتصاد الإسرائيلي يتمتع بقدرة صمود استثنائية لا يملك أحد تفسيرًا واضحًا لها، كما لا يستطيع أحد الجزم بما إذا كان سيواصل الصمود أيضًا في مواجهة تصاعد الدين الحكومي الإسرائيلي”.
وأشارت أرلوزوروف إلى أن معظم الاقتصاديين نظروا إلى المستقبل بتشاؤم شديد، وأن تخفيضات التصنيف الائتماني لإسرائيل عكست في حينه هذا الإجماع الاقتصادي القاتم. غير أن السنوات مرّت، والحرب ازدادت حدّة، فيما واصل الاقتصاد الإسرائيلي تجاوز تداعياتها والاستمرار في إظهار قدر من التماسك.
وكل ذلك يأتي حتى قبل الحديث عن الأرقام القياسية في الأسواق المالية، فالائتمان في الاقتصاد الإسرائيلي يواصل النمو، في وقت تُسجَّل فيه معدلات التأخر في سداد القروض عند مستويات متدنية جدًا. ويضاف إلى ذلك قوة الشيكل، الذي وصل إلى أعلى مستوياته منذ عشرين عامًا، إلى جانب مؤشرات الأسهم في بورصة تل أبيب التي بلغت مستويات قياسية غير مسبوقة.
وقد كان لافتًا في الأشهر الأخيرة الارتفاع الكبير في جباية الضرائب، بما فاق توقعات وزارة المالية الإسرائيلية نفسها. فعلى سبيل المثال، سُجّلت في آذار/ مارس 2026 زيادة حادة في جباية الضرائب، إذ ارتفعت الضرائب المباشرة بنحو 13%، فيما بلغ إجمالي الإيرادات الضريبية نحو 55 مليار شيكل، أي بزيادة تقارب 24% مقارنة بآذار/ مارس من العام السابق. وجاء ذلك نتيجة ارتفاع مختلف أنواع الاقتطاعات الضريبية، وزيادة إيرادات ضريبة الشركات، إلى جانب عوامل استثنائية لمرة واحدة، مثل صفقات بيع الشركات في قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك)، وقد ساهمت هذه الجباية المرتفعة في خفض العجز المالي إلى 4.2%. كما تشير التقديرات إلى أن إيرادات الضرائب في نيسان/ أبريل 2026، ستكون أعلى من المتوقع بنحو 3–4 مليارات شيكل.
استنفاد شبكة الأمان
يُعزى استمرار نمو الاقتصاد الإسرائيلي رغم الحرب الطويلة، إلى حدّ كبير، إلى قدرة الحكومة على رصد ميزانيات ضخمة وتوفير شبكة تعويضات واسعة، ولا سيما لجنود الاحتياط، إضافة إلى برامج الدعم والتعويض المقدّمة للعمال وأصحاب المصالح التجارية. وقد تمكنت الدولة من تمويل هذا الدعم لأنها دخلت الحرب وهي في وضع اقتصادي قوي نسبيًا، إذ بلغ الدين العام آنذاك نحو 60% فقط من الناتج المحلي الإجمالي.
وأتاح هذا المستوى المنخفض من الدين للحكومة ضخ ميزانيات تُقدَّر بنحو 405 مليارات شيكل لمواجهة تكاليف الحرب، من دون أن تفقد السيطرة على العجز المالي في الموازنة، والأهم من ذلك من دون أن تتضرر قدرة إسرائيل على مواصلة الاقتراض من الأسواق المالية عبر إصدار السندات الحكومية.
لكن هذه “الوسادة”، أو شبكة الأمان الحكومية التي ساعدت الاقتصاد الإسرائيلي على الصمود، لم تعد قائمة بالمستوى نفسه، أو يمكن القول إنها تراجعت بقدر كبير، وفقًا لما تشير إليه ميراف أرلوزوروف، بعد استنفاد جزء كبير منها. فقد ارتفع الدين العام الإسرائيلي إلى نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تشير تقديرات بنك إسرائيل إلى أنه قد يرتفع خلال العقد المقبل إلى ما بين 74% و83% من الناتج، نتيجة استمرار الارتفاع المتوقع في النفقات الأمنية. ويعني ذلك أن أي أزمة اقتصادية مستقبلية قد تنتهي بصورة مختلفة تمامًا، وهو ما يثير قلق محافظ البنك المركزي الإسرائيلي.
تفسير غير اقتصادي للحالة الاقتصادية
ترى ميراف أرلوزوروف أن مصدر تماسك الاقتصاد الإسرائيلي ما يزال يشكّل لغزًا مثيرًا، ولا توجد له سوى تفسيرات جزئية. وهي تقدّم مجموعة من التفسيرات التي يغلب عليها الطابع غير الاقتصادي لفهم الحالة الاقتصادية الراهنة، الأمر الذي يوحي بأن التفسيرات القائمة حتى الآن لا توفّر تفسيرًا كافيًا أو شاملًا لما يشهده الاقتصاد الإسرائيلي، من قدرة على الصمود رغم استمرار الحرب وارتفاع تكاليفها.
التفسير الأول لاستمرار تماسك الاقتصاد الإسرائيلي يتمثل في ما تصفه بـ”المسؤولية الاقتصادية العالية” التي تصرفت بها “حكومة التغيير” (2021–2022)، إذ سلّمت الاقتصاد إلى حكومة نتنياهو الحالية وهو في وضع قوي، مع شبكة أمان مالية أتاحت امتصاص الصدمات الناتجة عن الحرب.
أما التفسير الثاني، فينتمي إلى ما يمكن تسميته “علم النفس الاقتصادي”، ويتمثل في اعتياد المجتمع الإسرائيلي على أن الدولة تتعافى بعد كل أزمة وتعود إلى النمو، الأمر الذي يخلق توقّعًا جماعيًا مشابهًا هذه المرة أيضًا.
ويذهب التفسير الثالث إلى أن معظم الاقتصاديين أخطأوا في تقديراتهم، وأن عليهم إعادة النظر في نماذجهم الخاصة بالاقتصاد الإسرائيلي، لأنهم، بحسب هذا الطرح، لا يفهمون ما يُسمّى “ثورة الشرق الأوسط الجديد”، و”اقتصاد الأمن الجديد”. ووفق هذا التصور، فإن إسرائيل نجحت في إضعاف جميع خصومها، بما في ذلك إيران، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام سنوات طويلة من الاستقرار الأمني وغياب التهديدات الجدية، بما يقود إلى ازدهار اقتصادي. كما يفترض هذا التفسير حدوث تحوّل بنيوي في الاقتصاد الأمني الإسرائيلي، بحيث يذهب جزء كبير من الزيادة في الميزانية الأمنية إلى الصناعات العسكرية، ما يساهم في رفع الإنتاجية وتسريع النمو الاقتصادي.
وباختصار، يفترض هذا الطرح أن مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، وتحويل إسرائيل إلى ما يشبه “إسبرطة” قائمة على الإنتاج الذاتي، وهي الرؤية التي طرحها نتنياهو، يحقق نجاحًا فعليًا ويعيد تشكيل الاقتصاد الإسرائيلي.
أمّا التفسير الرابع، فهو معاكس تمامًا للتفسير الثالث، إذ يفترض أن التفاؤل الذي تعكسه أسواق العملات والأسهم لا ينبع من الثقة بالحكومة الحالية، بل من توقعات بإزالة العائق الذي أثقل الاقتصاد الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، والمتمثل في “الانقلاب القضائي” وسياسات حكومة اليمين عمومًا. ووفق هذا الرأي، فإن الأسواق والاقتصاد يعبّران عن تفاؤل ناجم عن توقّع حدوث تغيير سياسي في المستقبل.
ويبقى التفسير الخامس مرتبطًا بما يُنظر إليه بوصفه “صلابة” خاصة للاقتصاد الإسرائيلي، تمكّنه من تجاوز الحروب، والأوبئة، وحتى الأزمات السياسية، مع الحفاظ على روح التفاؤل والمبادرة والشعور بالقوة.
تقديرات مؤسسات دولية أقل تفاؤلًا
في مقابل الأجواء المتفائلة التي تسود بعض التحليلات الاقتصادية الإسرائيلية، والتفسيرات غير الاقتصادية التي تعرضها ميراف أرلوزوروف لتماسك الاقتصاد الإسرائيلي، يشير تقرير وكالة “ستاندرد آند بورز غلوبال” للتصنيفات الائتمانية (9 أيار/ مايو)، إلى أن الحالة الاقتصادية في إسرائيل ليست وردية إلى هذا الحد.
ويوضح التقرير أن الصراعات المستمرة المرتبطة بإيران وغزة ولبنان تواصل ممارسة ضغوط كبيرة على الاقتصاد الإسرائيلي، وسوق العمل، والمالية العامة. كما أكدت الوكالة أن “المخاطر الجيوسياسية التي تواجه إسرائيل ستظل مرتفعة”، في ظل هشاشة البيئة الأمنية الإقليمية، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
وقدّرت الوكالة أن الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي انكمش بنحو 10% على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2026، نتيجة تداعيات الحرب على إيران. كما رجّحت أن يبقى الناتج المحلي الإجمالي دون المسار الذي كان متوقعًا له قبل الحرب، بسبب الآثار الممتدة للصراعات العسكرية، واستمرار القيود على عرض العمالة، وبقاء عدد العمال المجندين في الجيش أعلى من مستوياته التي كانت سائدة قبل عام 2023.
وأشارت “ستاندرد آند بورز” إلى أن “قطاع البناء، الذي يمثل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، لا يزال متأثرًا بعدم تعويض العمال الفلسطينيين السابقين إلا جزئيًّا بعمالة أجنبية، وبالتالي استمرار ضغوط سوق العمل والإنتاج في أحد القطاعات الاقتصادية المهمة”.
وتوقعت الوكالة أن يبقى العجز الحكومي العام واسعًا في 2026، وأن يتراجع بشكل محدود فقط بعد ذلك. وقدّرت أن “الإنفاق الأمني سيتجاوز 7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، وأن يظل أعلى من مستوياته قبل 2023. وتوقعت “ستاندرد آند بورز” عجزًا حكوميًا عامًا عند 6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، و4.7% في 2027، وعجزًا في الحكومة المركزية عند 5.3% في 2026، و4.4% في 2027. ورجّحت الوكالة أن “يدفع العجز المالي المرتفع صافيَ الدين الحكومي العام إلى 68% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2029، في تراجع واضح مقارنة بتوقعاتها قبل 2023″، حين كانت ترجّح انخفاض صافي الدين إلى أقل من 55% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 وما بعدها.
وبذلك، يمكن ملاحظة أن تقديرات مؤسسات التصنيف والائتمان الدولية، التي تركّز بصورة أساسية على المؤشرات المالية الحكومية، تختلف، حتى الآن، إلى حدّ ما عن المعطيات المرتبطة بالأداء الكلي للاقتصاد الإسرائيلي. فالمؤسسات المالية الدولية تستند في تحليلاتها إلى مؤشرات وتقديرات مالية واقتصادية صرفة، في حين يذهب جزء من التحليل الإسرائيلي إلى تقديم تفسيرات ذات أبعاد سياسية ونفسية، يُدَّعى أن بعضها يرتبط بخصوصية الحالة الإسرائيلية، في محاولة لتفسير واقع اقتصادي يصعب، حتى الآن، تفسيره بالكامل عبر الأدوات الاقتصادية التقليدية.
ولا بد من الإشارة إلى أنه، حتى في الوقت الحالي، ما يزال الاقتصاديون في إسرائيل يطرحون توقعات مستقبلية غير متفائلة. فكل من بنك إسرائيل ووزارة المالية الإسرائيلية يحذّران من الوقوع في حالة من النشوة الاقتصادية، ومن الاعتقاد بأن الوضع القائم يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. ويتمثل القلق الأساسي، بحسب هذه التقديرات، في أن إسرائيل استنفدت إلى حدّ كبير أدوات الحماية الاقتصادية التي كانت تملكها لمواجهة الأزمات والصدمات المالية.
عرب 48




