كيف يُواجَه ترامب؟ دولة جنوب أفريقيا في «راداره»

كيف يُواجَه ترامب؟ دولة جنوب أفريقيا في «راداره»
وائل الحجار
هجمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على جمهورية جنوب أفريقيا طبيعية، فلا يكاد يوم يمضي إلا ويكون الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية قد وزّع هجماته في أكثر من اتجاه، وليس آخرها الهجوم غير المسبوق على الاتحاد الأوروبي، بكليّته.
ولا يعني أن هجمات ترامب على هذه المنظومات أو الدول تعفيها من مسؤولياتها في مقاربة المآزق والأزمات التي تتعرض لها، أو تطاول العلاقة بين مكوناتها الاجتماعية، وحكوماتها، ونخبها الحاكمة، والمتنفذة، وشعوبها.
ولعلّ سعي الرئيس جنوب الأفريقي سيريل رامافوزا إلى التوصل لصفقة مع ترامب، حسب ما ذكرته «رويترز» نقلا عنه في كلمته خلال مؤتمر نظمه بنك غولدمان ساكس الأمريكي في جوهانسبرغ هذا الأسبوع، هو تعبير سياسي عن سعي الإدارة في جنوب أفريقيا لإيجاد حلول، وقد سبق أن ميّز رامافوزا نفسه في قمم «البريكس» الأخيرة بتأكيده عدم تبني بلاده سياسات معادية للغرب بشكل عام.
وقال في مؤتمر بنك غولدمان ساكس أخيرًا إنه يريد «إبرام صفقة» مع ترامب لحل خلاف بشأن سياسة بلاده الخاصة بالأراضي، وقضية الإبادة الجماعية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية.
وقال أيضاً «لا نريد الذهاب وشرح موقفنا. نريد الذهاب وإبرام صفقة جادة مع الولايات المتحدة بشأن مجموعة واسعة من القضايا.. أرغب بشدة في تعزيز علاقة جيدة مع الرئيس ترامب».
وبالفعل، فإن عددًا من الدول التي كانت تتبنى في عهود إدارات الديمقراطيين أو إدارات أقل تطرفًا من الحالية في الولايات المتحدة مواقف تصنفها هذه الإدارات في إطار السياسة المعادية للأمريكيين، أو المتوترة معها، اتجهت بالفعل إلى تلمّس سياسات بين المواجهة والممانعة، والمهادنة والواقعية السياسية أو محاولة فتح حوار، وهو ما يفعله أيضًا قادة حكومات في بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وقوى فلسطينية وحكومات عربية.
وتنتبه صحيفة «فايننشال تايمز» في مقال نشرته نهاية الشهر الماضي، إلى أنه لعدة سنوات، كان العلم الأمريكي مرسومًا على أرضية مجمع الرئاسة في إيران، في موقع استراتيجي بحيث يدوس عليه الزوار أثناء دخولهم.
لكن «قبل فترة وجيزة من تنصيب ترامب، أزيل العلم بهدوء، بدون تقديم تفسير رسمي من المسؤولين الإيرانيين»، فـ»المسؤولون في طهران يأملون في تجنب المواجهة وحتى التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الجديد».
لكن للخلاف بين إدارة ترامب وجنوب أفريقيا طابع خاص، يغذيه وجود إيلون ماسك، وغيره من جنوب الأفارقة المولد، في الحلقات الضيقة التي تؤثر في سياسات الرئيس الخارجية والداخلية.
ويتفق المحللون والخبراء على أن عاملين أساسيين يقفان وراء الأزمة الأخيرة. فخلال الشهر الجاري، وقع الرئيس ترامب أمرا تنفيذيا يوقف بموجبه المساعدات المالية لدولة جنوب أفريقيا، مرفقًا إياه بهجوم على السياسات الخارجية لهذه الدولة، لا سيما ما يتعلق بالشكوى التي قدمتها أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، وملاحقتها لدولة الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية.
قانون
مثير للجدل
لكن السبب الداخلي الذي جاهر به ترامب وأوضحته إدارته هو قانون مثير للجدل، أقرته جنوب أفريقيا العام الماضي ووقعه الرئيس سيريل رامافوزا، وينص على مصادرة أراض لصالح الدولة، عدته أطراف خارجية وداخلية موجهًا ضد الأقلية الأفريكانية البيضاء التي كانت في يوم ما تهيمن على إدارة نظام الفصل العنصري في البلاد.
وليست المرة الأولى التي يسعى فيها المؤتمر الوطني الأفريقي إلى سياسات يعدها خصومه مغالية فيما يتعلق بفرض مبدأ التمييز الإيجابي على المستوى العرقي، وتمكين الأفارقة السود، فقد أثارت هذه السياسات معارضة في أوساط المزارعين البيض، وفي أوساط النخب المالية والقادة التنفيذيين في معظم المصارف ومجالس إدارات الشركات الكبرى في البلاد، فكيف إذا تعلق الأمر بحجم الاستثمارات الأمريكية هناك؟
والهوة في المجتمع جنوب الأفريقي فاضحة، بل الأعلى في العالم، فيما يخص المساواة الاقتصادية وتوزيع الثروة، فضلَا عن ارتفاع معدلات البطالة والجريمة وغيرها من القضايا التي يمكن رصدها في شوارع جوهانسبرغ مثلًا، وفي شارع المصارف فيها أو مركزها المالي التجاري في منطقة «ساند تاون» في المدينة، وفي المصانع والمعامل المجاورة لها، أو في التجمعات المدينية الفقيرة والمعدمة التي تحيط بها، أو تتداخل معها، حيث الكثافة السكانية العالية جدًا ترافقها نسب عالية في الجريمة والعنف.
وكلها قضايا لا يُسأل فيها نظام الفصل العنصري السابق فقط رغم إرثه الثقيل والطاغي حتى اليوم، بل أيضَا القيادة التي حكمت البلاد منذ زوال نظام الفصل العنصري في تسعينيات العقد الماضي، أي منذ ثلاثة عقود تقريبًا. وهذا ما يقوله الخبراء هناك، والناس العاديون، والأفارقة السود، وبقية أفراد الأقليات العرقية، والمزارعون البيض على حدّ سواء، وإن اختلف تقييمهم للكثير من العوامل.
إنذار ترامب
لقد دان ترامب هذا القانون ـ قانون مصادرة الأراضي – باعتباره تمييزيًا ضد ملاك الأراضي البيض، وخاصة المزارعين الأفريكان، ووقع أمرًا تنفيذيًا بتجميد المساعدات لجنوب أفريقيا في 7 شباط/فبراير، وهدّد بحرمانها من الامتيازات التي يعطيها قانون النمو والفرص في أفريقيا «AGOA»، وهو اتفاق تجاري يستفيد منه المصدرون جنوب الأفريقيون بشكل كبير.
أكثر من هذا، ذهب ترامب ليعرض على المزارعين البيض إعادة توطينهم في الولايات المتحدة! وهو ما لم يلق ترحيبا منهم.
ومعاداة إدارة ترامب لسياسات تمكين السود التي كان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ينتهجها على مدى عقود منذ زوال نظام الفصل العنصري، بصفته حزبًا حاكمًا، قبل أن يُضطر إلى الدخول في ائتلاف حكومي من عشرة أحزاب بعدما خسر الغالبية في البرلمان العام الماضي، لديها تأثيرات هائلة على اقتصاد هذه الدولة، حسب ما يؤكده خبراء لـ«القدس العربي».
وأحد هؤلاء ويليام غوميدي، الأستاذ في جامعة ويتواترسراند في جوهانسبورغ، والذي يرى بصراحة أن على جنوب أفريقيا ان تذهب باتجاه عقد صفقة مع ترامب.
وفي مقابلة عبر الهاتف، يقول غوميدي لـ«القدس العربي»، إنه في الماضي، كان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي حاكمًا، واتّهم بانتهاج سياسات معادية لأمريكا، ووصل الأمر بلجنة مشتركة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي عام 2023 إلى تقديم مشروع قانون لاستبعاد جنوب أفريقيا من قانون النمو والفرص الأفريقي «AGOA».
ويشدد الأستاذ والمحلل السياسي جنوب الأفريقي على أهمية قانون النمو «الذي يمنح بعض منتجات جنوب أفريقيا ميزات تفضيلية في الأسواق الأمريكية».
ويذكّر بأن السبب في عدم تمرير مشروع قانون الاستبعاد في الكونغرس الأمريكي عام 2023 هو أن «أحزاب المعارضة في جنوب أفريقيا، إلى جانب عدة منظمات مجتمع مدني وشركات، توجهت إلى الولايات المتحدة، وقامت بالضغط والمناشدة لعدم تمريره، وقالوا حينها إن معاداة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي لأمريكا لا تعني بالضرورة أن جنوب أفريقيا ككل تعادي أمريكا».
ويضاف إلى ذلك، وفق غوميدي، السياسة الخارجية التي انتهجها حزب المؤتمر الوطني عندما كان حزب الأغلبية، بملاحقة إسرائيل أمام المحاكم الدولية. إذن فـ»الجمهوريون وترامب كانت لديهم مشاكل مع جنوب أفريقيا منذ فترة طويلة، حتى قبل قضية المحكمة الدولية، وقبل هذا القانون بوقت طويل».
دوائر النفوذ
ويتفق الدكتور إيمانويل ماتامبو، مدير الأبحاث في «مركز دراسات أفريقيا ـ الصين» في جامعة جوهانسبورغ، مع الفكرة القائلة بأن العلاقات بين الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا كانت تشوبها إشكاليات سابقة على عهد ترامب الجديد، لكنه يرى أن أمام جنوب أفريقيا طرق مواجهة.
ويقول لـ«القدس العربي» إن أحد الأسباب التي تقف وراء قرارات ترامب الأخيرة ضد بلاده، هي «المعلومات المضللة والتضليل من قبل الأمريكيين ومستشاري الرئيس ترامب، لأن العذر الذي يُقدَّم، والذي يقول إن جنوب أفريقيا تمارس التمييز ضد جنوب الأفريقيين البيض، غير صحيح. فقانون تسجيل الأراضي المقترح ينص على أن الحكومة يمكنها استخدام الأراضي غير المستغلة، أي الأراضي التي لم تُستخدم. هذه الأراضي لا يجب أن تكون مملوكة فقط لجنوب أفريقيين بيض. يمكن استخدامها لصالح جميع جنوب الأفريقيين».
وبرأي ماتامبو فإن هذا كان مدفوعًا جزئيًا بسبب إيلون ماسك، «الذي وُلد بنفسه في جمهورية جنوب أفريقيا. فإذا كان معروفًا بأي شيء هذه الأيام، بعيدًا عن ثروته وملكيته لتسلا وإكس، فهو أنه يميل قليلاً إلى تفوق العرق الأبيض، وهو يمارس نفوذًا غير مسبوق على رئيس بصفته شخصًا غير منتخب. ولهذا السبب، كان يهمس بالهراء في أذني الرئيس ترامب، وأعتقد بأن الرئيس ترامب كان ساذجًا جدًا في هذا الأمر تحديدًا».
أما غوميدي فيرى أن الأمر لا يقتصر على تأثير ماسك. ويقول «ترامب لديه العديد من جنوب الأفريقيين في دائرته الداخلية. لا أعتقد أن أي زعيم أمريكي آخر، كان لديه هذا العدد الكبير من الأشخاص من دولة أخرى في دائرته الداخلية».
ويضيف «هناك مجموعة PayPal Mafia وهناك العديد من الرياضيين جنوب الأفريقيين الذين تربطهم به علاقة وثيقة به».
ولكن ما هي مجموعة «باي بال»؟
مافيا «باي بال»
يطلق هذا التعريف على مجموعة من الشركاء والمديرين التنفيذيين السابقين في شركة «باي بال» الذين أسسوا شركات عملاقة عابرة للقارات وأصبحوا من الشخصيات الأكثر نفوذا في ما يعرف بـ«وادي السليكون»، وتمتد أنشطتهم إلى مجالات التكنولوجيا بشكل خاص، ويتجهون لمعارضة تدخل الحكومات في الاقتصاد. ومن بين هؤلاء بعض من جنوب الأفارقة المولد من الأفريكان البيض، ومن بينهم إيلون ماسك نفسه، ورولوف بوتا حفيد بيك بوتا آخر وزير خارجية في نظام الفصل العنصري، وديفيد ساكس وهو متبرع رئيسي للحزب الجمهوري.
ويعد هؤلاء من المعارضين الأقوياء لسياسات التمييز الإيجابي الهادفة إلى إزالة آثار سياسات الفصل العنصري السابقة، في الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا، كما يدعم بعضهم السياسيين القوميين والمحافظين في أمريكا وحول العالم.
ويعدد غوميدي عددًا ممن يعتقد بأنهم شخصيات مؤثرة في سياسة ترامب تجاه جنوب أفريقيا، «فهناك على سبيل المثال، غاري بلاير وهو أفضل لاعب غولف في جنوب أفريقيا. إنه قريب جدًا منهم. في الواقع، قبل بضع سنوات، منحه ترامب وسام الشرف، الوسام الرئاسي للشرف».
ثم «هناك مجموعة أخرى، مجموعة أصغر سنًا، وهم أيضًا جزء من الدائرة الداخلية للجمهوريين. العديد من أقراني، وهم من البيض جنوب الأفريقيين الذين عملوا في الأحزاب السياسية هنا. على سبيل المثال، جويل بولاك وهو أحد المحررين في Breitbart News Network، وهي منصة إعلامية محافظة على الإنترنت. قد يتم تعيينه حتى سفيرًا للولايات المتحدة في جنوب أفريقيا».
وبولاك «جنوب أفريقي، وعمل سابقًا كمستشار لحزب التحالف الديمقراطي في جنوب أفريقيا (أحد شركاء الائتلاف الحاكم حاليا في جنوب أفريقيا)، وهناك الكثير من هؤلاء الشباب الذين عملوا في السياسة في جنوب أفريقيا، ثم ذهبوا إلى الخارج وأصبحوا الآن جزءًا من الجمهوريين داخل تلك الدائرة الداخلية».
فترامب إذن «محاط بعدد غير مسبوق من جنوب الأفريقيين الأفريكان المؤثرين جدًا، بدءًا من الشخصيات التقنية، الذين نجحوا بشكل كبير في الولايات المتحدة والذين لديهم مصالح قوية جدًا في جنوب أفريقيا».
ويرى أن المحافظين في جنوب أفريقيا، الأفريكان، والجماعات اليمينية «قاموا بالضغط لسنوات عديدة، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل أيضًا في المحكمة الجنائية الدولية، والأمم المتحدة، والعديد من المنظمات الدولية الأخرى، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والعديد من جنوبيين الأفارقة الآخرين الذين، حتى لو لم يكونوا ينتمون إلى اليمين، قاموا بالضغط على المنظمات الدولية والحكومات الأخرى لحمل حكومة المؤتمر الوطني الأفريقي على التصرف بشكل أكثر عقلانية»، من منظورهم.
تأثير العقوبات
لكن ما هو تأثير العقوبات التي فرضها ويلوح بفرضها ترامب على جنوب أفريقيا؟
يشرح غوميدي الصورة وهي سوداوية برأيه. لناحية نتائجها الاقتصادية المحتملة.
فهو يرى أن «العواقب هائلة» ويتخوف من «أن يكون حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وهو لا يزال الحزب المهيمن، رغم أنه في ائتلاف مكوّن من 10 أحزاب، لا يأخذ هذا الأمر على محمل الجد».
فـ»رغم أن الولايات المتحدة ليست أكبر شريك تجاري لنا، بل هي ثاني أكبر شريك تجاري، في حين أن الصين هي الشريك التجاري الأكبر، إلا أن هناك فرقًا في تجارتنا مع الولايات المتحدة».
و»يوجد حوالي 400 ألف إلى 500 ألف شخص في جنوب أفريقيا يعملون في شركات أمريكية. ولدينا معدل بطالة مرتفع للغاية. نحن نعاني من أعلى معدل بطالة بين جميع الأسواق الناشئة. نسبة البطالة هي 33 في المئة وفقًا للتعريف الضيق، ولكن إذا اعتمدنا التعريف الموسّع، فإن البطالة تصل إلى 43 في المئة، وقد تتجاوز 50-60 في المئة في بعض الفئات»، في إشارة تحديدًا إلى فئات الشباب بين الأفارقة السود والأقليات الأخرى غير البيضاء.
ويضيف «هذه أكبر أزمة يمكن أن يواجهها أي اقتصاد في العالم. اقتصادنا ضعيف جدًا. إذا فكرت في الأمر، فإن 400 ألف إلى 500 ألف وظيفة في جنوب أفريقيا تعتمد على الشركات الأمريكية».
كما أن صادرات جنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة ستتأثر، فـ»الشركات جنوب الأفريقية التي تُصدّر إلى الولايات المتحدة توظّف أكثر من 150 ألف شخص»، وبالمجمل «نحن نتحدث بالفعل عما يقرب من 700 ألف وظيفة معرّضة للخطر».
ويلفت غوميدي الانتباه إلى أن «الولايات المتحدة لا تقدم المساعدات التنموية فقط من خلال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، بل هناك أقسام مختلفة في الحكومة الأمريكية تقدم أموالًا لجنوب أفريقيا».
فضلا عن ذلك يوجد «خارج الولايات المتحدة، العديد من المؤسسات، والعديد من الأفراد الأثرياء، لديهم تأثير كبير جدًا في بلادنا، على سبيل المثال مؤسسة ديفيد ولوسيل باكارد وغيرهم. وجميع هذه المؤسسات موجودة في جنوب أفريقيا. ولا أعتقد أن هناك العديد من الدول في العالم التي لديها هذا الكم من المصالح الأمريكية غير الحكومية، والوظائف، والمكاتب، وهم هنا في جنوب أفريقيا».
وبشكل جماعي، قد تكون هذه المؤسسات «توفر نحو هناك 150 ألف وظيفة في جنوب أفريقيا».
ويضاف إليها المنظمات غير الحكومية الأمريكية. فـ»تقريبًا كل منظمة غير حكومية أمريكية كبيرة موجودة في جنوب أفريقيا، وتوظف جنوب أفريقيين»، وتقدم المساعدة، في مجالات الصحة أو التنمية وما إلى ذلك.
وبالمجمل، يرى غوميدي أن هناك ما لا يقل عن 750 ألف وظيفة مرتبطة بشكل أو بآخر بالولايات المتحدة.
فضلا عن ذلك، فإن «الولايات المتحدة هي ممول رئيسي للأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، لذا فإن تأثيرها كبير جدًا في جنوب أفريقيا»، وهذه الوكالات والمنظمات موجودة كلها هنا وتوظف جنوب أفارقة، وتلويح إدارة ترامب بوقف تمويل هذه المنظمات سيكون لديه أيضا انعكاس على البلاد.
ونسأل الدكتور ماتامبو، بدوره، عن ذلك، فيضيف أيضَا عوامل أخرى قد تتأثر.
ويقول لـ«القدس العربي» إن «التأثير على جنوب أفريقيا يمكن أن يكون خطيرًا للغاية، خصوصًا في عوامل مثل توفير الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، لأن جنوب أفريقيا كانت تستفيد من الولايات المتحدة في إطار برنامج PEPFA (الخطة الأمريكية الطارئة للإغاثة من الأيدز)»..
السياسة الخارجية
العامل الآخر في تحفظ إدارة ترامب تجاه جنوب أفريقيا، هو السياسة الخارجية لهذا البلد. فلقد تقدمت جنوب أفريقيا بشكواها الشهيرة ضد إسرائيل التي تشن حرب إبادة على الشعب الفلسطيني في غزة، أمام محكمة العدل الدولية، وهي ماضية في ملاحقتها أيضا أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ويقول الدكتور ماتامبو إن الولايات المتحدة ككل، وليس فقط إدارة ترامب تعارض ذلك بشدة، وهذا «هو الحال حتى خلال إدارة بايدن».
فـ»سياسة جنوب أفريقيا الخارجية، تم تصميمها بما يتماشى مع مصالح العالم النامي، الذي يشمل الشعب الفلسطيني».
ويضيف «كانت جنوب أفريقيا تناضل من أجل إحالة الحكومة الإسرائيلية إلى محكمة العدل الدولية، وكانت الولايات المتحدة تعارض ذلك بشدة. هذه مجرد طريقة لمعاقبة جنوب أفريقيا بسبب سياستها الخارجية».
ويذكّر بان إدارة الرئيس جو بايدن العام الماضي، لوّحت بطرد جنوب أفريقيا من قانون النمو والفرص في أفريقيا «بسبب إحالاتها المتكررة للسياسيين الإسرائيليين والحكومة الإسرائيلية نفسها إلى المحاكم الدولية، فهذه مجرد وسيلة لإجبار جنوب أفريقيا على الامتثال للنهج الأمريكي».
أما غوميدي فيعتقد بأن موقف جنوب أفريقيا تجاه إسرائيل في غاية الأهمية نظرا لتأثيرها، فهذا الموقف «تتبعه العديد من الدول الأفريقية. في الأمم المتحدة، تمتلك الدول الأفريقية في الشرق الأوسط الأغلبية بشكل جماعي. لذلك، فهي كتلة قيادية مهمة جدًا، وتعتبر قائدًا مهمًا للكتلة الأفريقية، وأيضًا للدول النامية».
ويرى أن ترامب «يحاول التأثير ليس فقط على السياسة الخارجية، ولكن أيضًا على السياسة الداخلية» ويقول «تذكر، هو موجود بالفعل في دول أخرى. إنه فعال. أذكر بأن استراتيجيته لا تقتصر على أمريكا أولًا، ولكن أيضًا على التأثير في الحلفاء السابقين والدول الرئيسية، وفي السياسات الداخلية للدول التي تقع ضمن دائرة الرادار الأمريكي، وعلى سبيل المثال، المكسيك».
وهو يمارس هذا «مع كندا، ونفس الشيء مع جنوب أفريقيا من حيث تغيير السياسات الداخلية أولًا، ليتم سحب القانون، ومن حيث السياسة الخارجية».
ويتوقف غوميدي عند الأسلوب الذي ينتهجه الرئيس ترامب في ضغوطه على الدول.
وينبّه إلى أن الرئيس الأمريكي يبدأ بموقف صارم، ثم يتم التفاوض لخفضه، فـ»إذا نظرت إلى المكسيك، وكندا، وغيرهما، فإنه يبدأ بموقف عالٍ جدًا. هذا نوع من الاستراتيجية، حيث تضع استراتيجية قوية، وصارمة، وقاسية، ثم يُضطر الطرف الآخر إلى التفاوض لخفضها».
النقطة الثانية، تتعلق بـ«الأنا»، فترامب «شخص لديه تضخم في الأنا. وفي المفاوضات، يا للأسف، أعتقد أن أي دولة يجب أن تتعامل مع الأنا الخاصة به. وعلى سبيل المثال هذا ما فعله (رئيس وزراء الهند) مودي بالفعل، وأعتقد بأنه نجح في ذلك».
ويشرح أن مودي قال لترامب «انظر، سنخفض التعريفات الجمركية مقدمًا، سنعيد الهنود غير الشرعيين في أمريكا، وسنشتري النفط الأمريكي».
والأمر نفسه «حدث مع البرازيليين، لقد لعبوا أيضًا على (الأنا). التزموا الصمت التام. كانوا استراتيجيين جدًا. وتصرفوا بشكل استراتيجي، ولم يُحدثوا ضجيجًا، ولم ينتقدوا ترامب. لقد التزموا الصمت فحسب».
وبالنسبة لغوميدي فإن هذه الطريقة من وجهة نظر تفاوضية، هي التي ينبغي على جنوب أفريقيا اتباعها.
ويستطرد، مشيرًا إلى أن إيران أيضاً فعلت الشيء نفسه. فقد «خففت من حدة موقفها. ولم يكن هناك أي انتقاد لترامب. حتى في الأسبوع الذي سبق دخول الرئيس إلى القصر الرئاسي، كان هناك العلم الأمريكي على الأرض ليُداس عليه. لقد أزالوه، وأعادوا طلاؤه، وقاموا بتنظيفه، لتجنب التسبب في أي إساءة».
ووفق ذلك يرى غوميدي فرصا يمكن لجنوب أفريقيا أن تستغلها لكي تخرج من هذه الأزمة في العلاقات مع الولايات المتحدة.
وينبه إلى ميزة أخرى في هذه الحال، «وهي ميزة كبيرة جدًا من وجهة نظر تفاوضية. فحزب المؤتمر الوطني الأفريقي لم يعد حكومة مهيمنة بعد الآن. إنه الآن في ائتلاف مع تسعة أحزاب أخرى. هناك الكثير من الأشخاص داخل هذا الائتلاف الوطني الذين هم أقرب إلى ترامب».
ويعطي مثالًا على ذلك حزب «فيردوم فرونت بلوس» (جبهة الحرية زائد) اليميني الذي يمثل شريحة من الأفريكان المحافظين.
فـ»هو جزء من الائتلاف الحاكم، وهناك أيضًا التحالف الديمقراطي ثاني أكبر حزب في البلاد، الذي له علاقات وثيقة مع الجمهوريين. وإذا تفاوضوا بشكل جماعي، أعتقد بأن ترامب سيتراجع. بالإضافة إلى ذلك، بعض الجماعات الأفريقية، والجماعات اليمينية، قد أخبرت ترامب بالفعل أنها لا تخطط لمغادرة جنوب أفريقيا».
ويضاف إلى هذه العوامل طبيعة القانون نفسه (قانون مصادرة الأراضي)، فالقانون برأي غوميدي، «غير دستوري».
ويذكّر بأنه أعد تقريرا في عامي 2018 و2019، وقدمه كإحاطة إلى مختلف الكتل البرلمانية للأحزاب الكبيرة، «لأقول لهم ألا يقرّوا هذا القانون، لأن مجرد الدعاية لمثل هذا القانون ستكون دائمًا مشكلة»، و«دستورنا يقول بالفعل المصادرة. إنه موجود بالفعل في دستورنا، لذلك لا نحتاج إلى قانون آخر».
ويرى أن «المشكلة في هذا القانون انه ينص على المصادرة بدون تعويض، بينما دستور بلدنا ينص على المصادرة مع التعويض، مما يعني أن القانون في الواقع غير دستوري»، و«بالتالي سيتم رفعه إلى المحكمة الدستورية، وهذا يوفر مخرجا للحكومة».
أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والموقف تجاه إسرائيل، فيذكّر غوميدي بقرار جنوب أفريقيا إغلاق السفارة الإسرائيلية، والطُلب من السفير المغادرة، ويقول «هذه الأمور، يتم إعادة طرحها، لأن ما يريده نتنياهو هو إعادة العلاقات».
ولأن القضية لا يمكن سحبها من محكمة العدل الدولية، لكن «يمكن التخفيف منها. أعتقد أن ما يريده فريق ترامب، وبوضوح إسرائيل، هو أن تبدأ الحكومة الجديدة بالتواصل مع إسرائيل مرة أخرى، كما كان الحال من قبل».
المواجهة
أما الدكتور ماتامبو، فيعتقد بأن لدى جنوب أفريقيا خيارات أخرى لمواجهة الضغوط الأمريكية.
«كحكومة ائتلافية الآن، فإن دور وتأثير المؤتمر الوطني الأفريقي في حكومة جنوب أفريقيا أمر بالغ الأهمية هنا، لأن العديد من الحقائب الوزارية الرئيسية ذهبت إلى أعضاء المؤتمر، مثل وزارة الشؤون الخارجية. وهؤلاء هم الأشخاص المسؤولون عن السياسة الخارجية. لذا، لا أرى أن لترامب أي تأثير مادي في هذا المجال تحديدًا».
ويضيف «ومع ذلك، يجب أن أشير إلى أن التحالف الديمقراطي قد أبدى بعض التحفظات بشأن تشريعات الأراضي. لكنني أعتقد أنه إذا قاموا بقراءة متأنية للتشريع نفسه، فسوف يغيرون رأيهم. أعتقد أنهم سيجدون أيضًا أن أساليب ترامب مسيئة للغاية. ومع ذلك، فإنه يحظى بدعم من منظمة AfriForum، (منظمة تمثل مصالح الأفريكان البيض)».
وينبه إلى أن هذه «المنظمة تحديدًا كانت داعمة جدًا لدونالد ترامب. لكن جنوب أفريقيا، كحكومة بحد ذاتها، لن تكون داعمة بالكامل لدونالد ترامب».
وعلى المستوى الاقتصادي، يؤكد ماتامبو، «سيكون لدى جنوب أفريقيا دائمًا خيارات. فهي ليست مثل الاقتصادات الأفريقية الصغيرة جدًا التي تعتمد على أمريكا، وعلى الولايات المتحدة، في ميزانياتها وما إلى ذلك. فجنوب أفريقيا لديها الكثير من الخيارات. ومعظم ديونها مملوكة داخل جنوب أفريقيا نفسها. ومعظم تجارتها تتم مع الصين».
ـ «القدس العربي»:



