مقالات
لا تبرير للعدو ولا إعفاء للمقاتل وقيادته: نحو فهم شامل للمسؤولية في 23/ 05/ 2026 حسن خليل غريب
حسن خليل غريب

لا تبرير للعدو ولا إعفاء للمقاتل وقيادته: نحو فهم شامل للمسؤولية
في 23/ 05/ 2026 حسن خليل غريب
مقدمة
في زمن الحروب، لا تكفي الشعارات ولا الادعاءات، بل يُقاس المقاتل بقدرته على حماية الأرض والإنسان. وحين يتحوّل المقاتل إلى عبء، عاجز عن الدفاع عن نفسه أو عمن يزعم حمايتهم، تصبح الصورة الرمزية أداة لكشف مأساة تتكرر بلا نهاية، حيث يلتقي الادعاء الفارغ بالعبثية.
أولاً: المقاتل العاجز بين الادعاء والعبثية الأخلاقية:
في عالم الصراع، يُقاس المقاتل بقدرته على حماية الأرض والإنسان. لكن ماذا لو كان المقاتل عاجزاً عن حماية نفسه، فضلاً عن حماية من يدّعي الدفاع عنهم؟ هذه الصورة الرمزية التي تصف مقاتلاً يزعم أنه يحميك من العدو، بينما يختبئ داخل الأملاك الخاصة، لتنهار الأملاك فوقه ويموت تحت ردمها، تكشف عن مأساة تتكرر آلاف المرات. هنا يصبح السؤال مشروعاً: أي حكم يمكن أن يُطلق على مثل هذا المقاتل؟
1-المقاتل العاجز: أول ما يواجهنا هو الفشل العسكري. فالمقاتل الذي لا يحقق الهدف الأساسي من القتال، أي حماية الأرض والإنسان، لا يستحق أن يُسمى مقاتلاً. إن تكرار التجربة نفسها دون نتيجة، وتحويل المعركة إلى خسارة متكررة، يضعه في خانة العجز التام.
2-المقاتل المضلِّل: يزعم أنه يحميك، لكنه في الواقع يعرّضك للدمار. هذا الادعاء الكاذب يرقى إلى مستوى الخيانة الأخلاقية، لأنه يضلّل من يثق به ويتركه مكشوفاً أمام العدو. الخيانة هنا ليست بالضرورة متعمدة، لكنها ناتجة عن العجز والقصور، وهو ما يجعلها أكثر خطورة لأنها تتكرر بلا وعي أو مراجعة.
3-المقاتل العبثي: حين تتكرر التجربة آلاف المرات دون تغيير، يصبح المقاتل عبثياً. لا يتعلم من أخطائه، ولا يطوّر أدواته، بل يكرر الفشل ذاته. هذا العبث يحوّله من مدافع إلى عبء، ومن حامٍ إلى سبب إضافي للانهيار.
ثانياً: هل هناك تخفيف بالحكم على المقاتل بذريعة أنه ينفِّذ أوامر قيادته:
التخفيف في الحكم على المقاتل بحجة أنه ينفّذ أوامر قيادته يفتح باباً معقداً بين المسؤولية الفردية والمسؤولية القيادية.
1-من زاوية عسكرية: المقاتل الذي ينفّذ أوامر قيادته دون تفكير يُعتبر أداة، لكن هذا لا يعفيه من المسؤولية الكاملة عن النتائج. في العلوم العسكرية، هناك مبدأ أساسي: الطاعة لا تبرّر الفشل. فإذا كانت الأوامر غير واقعية أو تؤدي إلى الهلاك، فإن المقاتل الذي يكرر التنفيذ بلا مراجعة يصبح جزءاً من منظومة الفشل.
2-من زاوية أخلاقية: القول إن المسؤولية تقع على القيادة وحدها فيه تبرئة غير عادلة. صحيح أن القيادة تتحمل القسط الأكبر لأنها تعلم حقائق الميدان، لكن المقاتل الذي يكرر الفعل نفسه آلاف المرات دون أن يتعلم أو يرفض المشاركة، يتحول إلى شريك في التضليل. الطاعة العمياء ليست فضيلة إذا كانت نتيجتها دماراً متكرراً.
3-من زاوية عملية: المقاتل هنا ليس مجرد ضحية للأوامر، بل هو عنصر يعيد إنتاج الفشل. فإذا كان يموت تحت ردم الأملاك في كل مرة، فهذا يعني أنه لم يطوّر أي وسيلة لحماية نفسه أو حماية من يدّعي الدفاع عنهم. بالتالي يصبح عبئاً لا يمكن تبريره بمجرد القول إنه “ينفّذ الأوامر”.
ثالثاً: بين العدوان الخارجي والفشل الداخلي: قراءة في المسؤولية العسكرية والقانون الدولي:
حين تُدمَّر القرى عن بكرة أبيها، لا يمكن أن يُطرح السؤال عن المسؤولية دون أن يُستحضر طرفان أساسيان: العدو الذي يمارس العدوان، والمقاتل وقيادته الذين يزعمون الحماية. إنّ تحميل المسؤولية للمقاتل وحده أو لقيادته لا يعني تبرئة العدو، بل هو نقد داخلي يهدف إلى كشف مواطن العجز. أما العدو، فمسؤوليته ثابتة قانونياً وأخلاقياً، لأنه الطرف الذي ارتكب الفعل العدواني.
1-العدوان الخارجي والمسؤولية القانونية: وفق القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، تدمير القرى واستهداف المدنيين يُعدّ جريمة حرب. العدو الذي يمارس هذا الفعل يُدان أمام المحاكم الدولية، ولا يمكن تبريره بأي ذريعة عسكرية أو سياسية. فالمبدأ الأساسي هو حماية المدنيين والأعيان المدنية، وأي انتهاك لهذا المبدأ يُعتبر عدواناً صريحاً.
2-التوازن بين المسؤوليتين: العدو: يُدان على جرائمه العدوانية، وهو المسؤول الأول عن الدمار. والمقاتل وقيادته: يُحاسبون على فشلهم في الحماية، وعلى تضليلهم للمدنيين بادعاء الدفاع دون قدرة فعلية. والضحايا وحدهم يبقون الحقيقة الوحيدة التي تكشف مأساة مزدوجة، حيث يجتمع عدوان خارجي مدمّر مع عجز داخلي قاتل.
الخاتمة
إن الحكم الذي ينطبق على المقاتل هو أنه فاشل عسكرياً، مضلِّل أخلاقياً، وعبثي عملياً. هذه الصورة الرمزية تصلح لتوصيف كل من يرفع شعار الحماية بينما يترك الأرض والإنسان مكشوفين أمام العدو، ويستحق أن يُدان لا لأنه عدو، بل لأنه عبء على من يدّعي الدفاع عنهم.
ويمكن القول إن القيادة تتحمل المسؤولية الكبرى لأنها تصدر أوامر غير واقعية، لكن المقاتل الذي يكرر التنفيذ بلا مراجعة أو اعتراض يتحمل مسؤولية الفشل العملي والعبثية الأخلاقية. الحكم عليه إذن لا يُخفَّف بالكامل، بل يُعتبر شريكاً للقيادة الغيبية في قراراتها العشوائية، حتى لو كان الدافع هو الطاعة.
لا تبرير للعدو، ولا إعفاء للمقاتل وقيادته. العدوان جريمة حرب، والفشل خيانة للواجب. وبين الإدانة القانونية والنقد الداخلي، تتضح الصورة الكاملة: مأساة تتكرر آلاف المرات، حيث يُترك المدنيون بين مطرقة العدوان الخارجي وسندان الفشل الداخلي. إنّ إعادة الاعتبار للمسؤولية المزدوجة هي الطريق الوحيد لفهم المأساة، ولصياغة مشروع مقاومة حقيقي يحمي الأرض والإنسان بعيداً عن العبثية والتضليل.




