لا تعيدوا إنتاج انقسام “المجلسيين والمعارضين”

لا تعيدوا إنتاج انقسام “المجلسيين والمعارضين”
دروس التاريخ الفلسطيني في مواجهة تحديات الحاضر
بقلم: رئيس التحرير
التاريخ ليس سجلًا للأحداث الماضية فحسب، بل هو ذاكرة الأمم ومستودع دروسها. والشعوب التي لا تقرأ تاريخها بعين الناقد، غالبًا ما تجد نفسها تعيد إنتاج أخطائه في ظروف مختلفة. ولعل التجربة الفلسطينية تقدم نموذجًا واضحًا لهذه الحقيقة، إذ لم تكن الهزائم أو الانتكاسات وليدة التفوق العسكري للخصوم وحده، وإنما كانت، في محطات عديدة، ثمرة مباشرة لحالة الانقسام الداخلي وتغليب المصالح الفئوية على المشروع الوطني الجامع.
ومن أبرز تلك المحطات ما عرف في التاريخ الفلسطيني بانقسام “المجلسيين والمعارضين” خلال فترة الانتداب البريطاني، وهو انقسام تجاوز حدود التنافس السياسي المشروع إلى حالة من الاستقطاب أضعفت الحركة الوطنية الفلسطينية في وقت كانت فيه الحركة الصهيونية تبني مؤسساتها السياسية والاقتصادية والعسكرية بدعم مباشر من سلطات الانتداب.
لقد وثقت الدراسات التاريخية والأكاديمية هذه المرحلة باعتبارها واحدة من أكثر المراحل تأثيرًا في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية. فقد بيّنت دراسة “صراع الفلسطينيين بين المجلسيين والمعارضين بين 1920–1934 ودور سلطات الانتداب في إثارته وتعزيزه (الانتخابات البلدية أنموذجًا)”، المنشورة في مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات، كيف استثمرت سلطات الانتداب البريطاني هذا الانقسام لتكريس سياسة “فرّق تسد”، وإضعاف المؤسسات الوطنية، والتحكم بمسار الحياة السياسية الفلسطينية.
كما أشار المؤرخون الفلسطينيون، وفي مقدمتهم عارف العارف وعبد الوهاب الكيالي ووليد الخالدي، إلى أن الانقسام بين النخب السياسية آنذاك أسهم في إضعاف قدرة الفلسطينيين على بناء موقف وطني موحد في مواجهة المشروع الصهيوني، وهو ما منح سلطات الانتداب مساحة أوسع لإدارة الصراع بما يخدم أهدافها الاستعمارية.
إن استحضار هذه التجربة التاريخية اليوم لا يراد منه إسقاط الماضي على الحاضر، فلكل مرحلة ظروفها وتعقيداتها، وإنما استخلاص العبرة من حقيقة ثابتة مفادها أن الاحتلال، أي احتلال، يستثمر الانقسامات الداخلية ويحولها إلى أدوات تخدم مشاريعه السياسية والأمنية.
واليوم، تواجه القضية الفلسطينية أخطر مراحلها منذ عقود، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية، وتسارع محاولات ضم الأراضي وتهويد القدس، وإضعاف فرص قيام الدولة الفلسطينية. وفي المقابل، لا يزال الانقسام الفلسطيني يلقي بظلاله الثقيلة على النظام السياسي، ويحد من قدرة المؤسسات الوطنية على بلورة استراتيجية موحدة لمواجهة هذه التحديات.
ولا يكمن الخطر في تعدد الآراء أو التباين السياسي، فذلك من طبيعة المجتمعات الحية، وإنما في انتقال الخلاف إلى حالة استقطاب دائم، أو إلى تشكيلات وولاءات فرعية، سياسية كانت أو مناطقية أو عشائرية، بما يؤدي إلى إضعاف المرجعية الوطنية الجامعة. فالتاريخ الفلسطيني أثبت أن كل انقسام داخلي كان يفتح نافذة جديدة أمام الاحتلال لتعزيز سياساته وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس استدعاء صراعات الماضي، ولا إعادة إنتاج ثنائيات سياسية أو اجتماعية تستنزف الطاقات الوطنية، بل الانطلاق نحو مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويؤسس لشراكة سياسية حقيقية، تقوم على سيادة القانون، وتجديد الشرعيات، واحترام التعددية، وتقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار آخر.
لقد أكد المفكر العربي مالك بن نبي أن الاستعمار لا ينجح إلا عندما يجد بيئة داخلية قابلة للاختراق، بينما رأى ابن خلدون أن العصبيات المتنازعة كانت من أهم أسباب سقوط الدول وتراجع الحضارات. وهذه الرؤى الفكرية تجد صداها في التجربة الفلسطينية، التي تؤكد أن الانقسام الداخلي كان، ولا يزال، من أخطر التحديات التي تواجه المشروع الوطني.
إن الأولوية اليوم يجب أن تبقى موجهة نحو مواجهة الاحتلال وسياساته الاستيطانية، والدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، والعمل على إنهاء الانقسام واستعادة وحدة المؤسسات والقرار السياسي، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو المصالح الفئوية.
فلسطين لا تحتاج إلى استنساخ انقسامات الماضي، بل إلى استلهام دروسه. ولا تحتاج إلى إعادة إنتاج ثنائية “المجلسيين والمعارضين”، وإنما إلى ترسيخ ثقافة الشراكة الوطنية، لأن قوة الفلسطينيين كانت، وستبقى، في وحدتهم، بينما يظل الاحتلال هو المستفيد الأول من كل انقسام يضعف الجبهة الداخلية ويبدد الطاقات.
ولعل الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ الفلسطيني هو أن الشعوب لا تُهزم فقط عندما يتفوق عليها خصومها، بل تُهزم أيضًا عندما تعجز عن توحيد صفوفها. ومن هنا، فإن حماية المشروع الوطني الفلسطيني تبدأ بحماية الوحدة الوطنية، لأنها الضمانة الحقيقية لصون الحقوق، وتعزيز الصمود، وإبقاء القضية الفلسطينية حية في وجدان الأمة والعالم.

