لا تفاوض مباشر تحت النار ولا اتفاق إطار ولا مناطق «تجريبية»: بري لا يغطّي عون: ممنوع التفرّد بالعناوين السيادية

لا تفاوض مباشر تحت النار ولا اتفاق إطار ولا مناطق «تجريبية»: بري لا يغطّي عون: ممنوع التفرّد بالعناوين السيادية
لم يأتِ خطاب رئيس مجلس النواب نبيه بري، أمس، في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، لاستعادة مواقف المناسبة فحسب، بل حمل رسائل سياسية مباشرة إلى الداخل والخارج، ولا سيما إلى المعنيين بالمسار التفاوضي مع إسرائيل. فقد انتقل بري بوضوح من التحفّظ على هذا المسار إلى إعلان رفض «اتفاق الإطار» وما قد يتفرّع عنه من ترتيبات، رافضاً أن تتحول الحرب إلى وسيلة لفرض وقائع سياسية وأمنية على لبنان. وبذلك، رسم جملة من الخطوط الحمراء للمرحلة المقبلة: لا تفاوض مباشر تحت النار، لا مناطق «تجريبية»، لا منطقة عازلة أو حزام أمني، ولا أي تسوية تنتقص من السيادة أو تفرض تجزئة للجنوب.
الأهم في كلام بري أنه لم يترك مساحة كبيرة للتأويل بشأن موقفه من «اتفاق الإطار»، إذ قال إن «المرحلة الراهنة بمخاطرها الوجودية على الجنوب وعلى لبنان، لا تعطي أحداً حق التصرف بأي من العناوين السيادية تحت أي مسمى»، سواء كان «اتفاق إطار» أو «ملحقات سرية»، كما رفض «الإطاحة بقرارات أممية تحفظ حقوق لبنان السيادية على كامل ترابه الوطني في الجنوب تحت مظلة الجيش اللبناني وبمؤازرة قوات الأمم المتحدة والقرار 1701». وهذا الكلام، بصيغته المباشرة، يضع موقف بري في تعارض واضح مع ما سبق أن سُوّق عن تغطيته للمفاوضات التي يجريها رئيس الجمهورية جوزف عون أو تنسيقه معه بشأنها.
ولم يكتفِ بري بإعلان الرفض، بل قدّم حصيلة المسار التفاوضي بوصفها دليلاً على عدم جدواه بصيغته الحالية. واستعاد «سبع جولات من التفاوض» ليطرح السؤال: «ماذا كانت النتيجة؟»، مجيباً بأن «رقعة الاحتلال اتسعت، ومساحات التدمير ازدادت، وعدد الشهداء ارتفع، فيما إسرائيل مستمرة في حربها». وفي ذلك، محاولة واضحة لإعادة وضع المفاوضات في سياقها الميداني، بدل التعامل معها كمسار منفصل عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية. فبالنسبة إلى بري، لا يمكن أن يكون التفاوض قائماً فيما يستمر الطرف الآخر في فرض وقائع جديدة بالنار، ثم تتحول تلك الوقائع لاحقاً إلى عناصر تفاوضية يجري البناء عليها.
ومن هنا أيضاً، جاء رفضه لما يسمى «المناطق التجريبية»، إذ شدد على أن الجنوب «لا يقبل التجزئة بين شمال النهر وجنوبه»، وأن جغرافيته ليست «مناطق تجريبية» لاختبار الجيش اللبناني والمؤسسات المدنية والأهلية «بالمباشر أو بالواسطة». كما جزم بأن الجنوب لن يكون «منطقة عازلة أو حزاماً أمنياً لأي كان». وهذه ليست مجرد عناوين أمنية، بل رفض واضح لتحويل الاحتلال أو الانتشار العسكري الإسرائيلي إلى واقع مؤقت يجري اختباره تمهيداً لتحويله إلى ترتيب دائم.
سبع جولات من التفاوض وسّعت رقعة الاحتلال وزادت مساحات التدمير ورفعت عدد الشهداء
وفي المقابل، وضع بري الجيش اللبناني في صدارة الخطوط الحمراء، رافضاً التشكيك بدوره أو إضعافه، وداعياً إلى توفير مقومات الدعم له بوصفه المؤسسة الوطنية المعنية بحماية لبنان. وربط ذلك بمسؤولية الدولة عن الجنوب، ليس أمنياً فحسب، بل أيضاً في الدفاع عنه وإعادة إعمار ما دمّره العدوان. وبذلك، يبدو أن بري يحاول قطع الطريق على أي معادلة تفصل بين الجنوب والدولة، أو تجعل من المنطقة مسرحاً لترتيبات أمنية استثنائية تتجاوز المؤسسات اللبنانية.
وذهب رئيس المجلس أبعد في رفضه لأي تسوية يمكن أن تتضمن إسقاط حق لبنان في ملاحقة إسرائيل على ما ارتكبته من جرائم. فاعتبر أن «تعليق» هذا الحق أو التنازل عنه يمثل تنازلاً عن السيادة، وأنه لا يحق لأحد التفريط به، سواء في أثناء التفاوض أو بالتقادم. وفي هذا البند تحديداً، رفع سقف الاعتراض من رفض ترتيبات أمنية محددة إلى رفض أي تسوية يمكن أن تتضمن تنازلات قانونية أو سيادية عن تبعات الحرب.
أما داخلياً، فلم يفصل بري بين مواجهة إسرائيل وبين منع انعكاس الحرب على تركيبة لبنان السياسية والاجتماعية. فاستحضاره لمقولة الإمام الصدر عن ضرورة مقاربة الحرب مع إسرائيل بعيداً عن الحسابات المناطقية والطائفية والحزبية، ثم قوله إن «المطلوب إسرائيلياً» هو «الفتنة» وإن المستهدف هو لبنان «في وحدته وفي سلمه الأهلي»، يعبّران عن محاولة لمنع اختزال الحرب في مواجهة بين إسرائيل وحزب الله أو في ملف السلاح وحده. وهو بذلك يوجّه رسالة إلى القوى اللبنانية التي ترى في الحرب فرصة لإعادة فتح ملفات النظام والسلاح وتوازنات السلطة.
ويتكامل هذا الموقف مع تجديد بري التمسك باتفاق الطائف ورفض الفدرالية والتقسيم، بما يوحي بأنه يتعامل مع تداعيات الحرب باعتبارها معركة على شكل لبنان أيضاً. فالخشية، وفق هذه القراءة، لا تقتصر على أن تنتج الحرب ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، بل أن تُستثمر الوقائع الميدانية والسياسية لإعادة طرح شكل النظام أو توزيع السلطة على أسس جغرافية وطائفية. ولذلك وضع بري وحدة لبنان وسلمه الأهلي واتفاق الطائف إلى جانب الجيش والجنوب ضمن منظومة واحدة من «الخطوط الحمراء».
وفي المحصلة، يمكن قراءة خطاب بري باعتباره محاولة لإعادة ضبط النقاش حول المرحلة المقبلة بعد أن بدا أن المسار التفاوضي يتحرك وفق وقائع تفرضها إسرائيل على الأرض. فالرجل لا يعلن فقط رفضه لاتفاق الإطار، بل يرفض أن يكون التفاوض غطاءً لتكريس نتائج الحرب، أو أن تتحول الاعتداءات الإسرائيلية إلى أوراق ضغط تُستخدم لانتزاع تنازلات لبنانية. ومن هذه الزاوية، فإن ما قاله لا يبدو اعتراضاً على بند أو صيغة تفاوضية بعينها، بقدر ما هو إعلان عن معركة أوسع حول شروط التسوية المقبلة، وحدود التنازل فيها، ومن يملك حق رسم شكل الجنوب ولبنان بعد الحرب.




