“لا يبالي بإغراق 200 جزائري في نهر السين”… مترشح للرئاسيات الفرنسية يثير الاستهجان وموقف مفاجئ من مذيع قناة يمينية

“لا يبالي بإغراق 200 جزائري في نهر السين”… مترشح للرئاسيات الفرنسية يثير الاستهجان وموقف مفاجئ من مذيع قناة يمينية
الجزائر ـ : لا يزال قطاع واسع من ساسة اليمين الفرنسي، خارج دائرة الاعتراف بالمجازر التي ارتكبها النظام الاستعماري لبلادهم ضد الجزائريين، وهو ما كشفته واقعة المترشح للرئاسيات الفرنسية دافيد ليسنار، الذي أثار استهجانا واسعا في الساحة الفرنسية بعد تصريحاته بشأن مجزرة 17 أكتوبر 1961، التي قتل فيها متظاهرون جزائريون وألقي بهم بوحشية في نهر السين بباريس.
ولدى استضافته على قناة “إل سي إي” الفرنسية، انفعل دافيد ليسنار، عمدة مدينة كان ورئيس جمعية رؤساء البلديات الفرنسية، عندما سألته طالبة مقربة من حزب “فرنسا الأبية” عن أحداث 17 أكتوبر 1961، التي قمعت فيها الشرطة الفرنسية مظاهرة سلمية نظمها جزائريون للمطالبة باستقلال بلادهم. ورد المترشح الذي يقود حركة “طاقة جديدة” قائلا: “لا، لا، لا أبالي سيدتي، لا أهتم بالأمر إطلاقا، ولا أكترث به، لم أكن قد ولدت بعد، ومنذ ذلك الحين نالت الجزائر استقلالها”.
وأضاف ليسنار، الذي يسعى إلى خوض الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، أن لديه أصدقاء جزائريين، قائلا: “لحسن الحظ، فإن أصدقائي من أصول جزائرية فهموا جيدا أننا انتقلنا إلى مرحلة أخرى”، في إشارة إلى أن أحداث الماضي لم تعد، بحسب موقفه، قضية تستدعي الاهتمام في الوقت الراهن.
وجاءت تصريحات المترشح في سياق نقاش تلفزيوني تناول أعمال العنف والنهب التي شهدتها مدن فرنسية خلال الأيام السابقة ومحاولة توجيه السياسي الفرنسي المسؤولية للمغتربين وحديثه عن وجود العلم الجزائري في المظاهرات، قبل أن تعقب الطالبة بشكل ذكي عن رمزية يوم 17 أكتوبر لدى الجزائريين.
وبعد رد فعله الغاضب، أقر ليسنار بأن ما وقع سنة 1961 كان “خطيرا ومأساويا”، لكنه عاد ليؤكد أن الأحداث تعود إلى تلك الفترة، وأنها “ليست مشكلته اليوم”، وهو ما زاد من حدة الانتقادات التي طالت تصريحاته.
وأثارت هذه المواقف ردود فعل من شخصيات سياسية فرنسية، اعتبرت أن طريقة حديثه عن المجزرة تتجاوز مجرد الاختلاف بشأن قراءة التاريخ إلى الاستهانة بذاكرة الضحايا.
وقال السكرتير الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي، أوليفيي فور، ردا على تصريحات ليسنار: “لا يا دافيد ليسنار، لا يمكننا ألا نبالي”، مضيفا، في تعليق نشره على منصة “إكس”، أن المترشح إما يجهل الوقائع التاريخية أو أنه يتصرف بدافع عنصري، تاركا له مسؤولية الرد على هذا الاتهام.
من جهته، انتقد النائب عن حزب “فرنسا الأبية”، توما بورت، تصريحات عمدة كان، وكتب أن الحديث يتعلق بعشرات القتلى الذين ألقوا في نهر السين، واصفا رد المترشح بأنه تعبير عن عنصرية صريحة.
كما انتقد يوسف عقيرة، المستشار البلدي في مدينة رواسي أون بري، ما اعتبره استخفافا بذاكرة الضحايا، مشيرا إلى أن العنصرية لا تظهر دائما في شكل شتائم، بل يمكن أن تتجلى أيضا في احتقار ذاكرة معينة ورفض منح الموتى الكرامة نفسها.
والمثير للاهتمام، أن باسكال برو، المذيع الشهير في قناة “سي نيوز” الفرنسية اليمينية المتطرفة، انتقد خلال برنامجه تصريحات ليسنار، واصفا 17 أكتوبر 1961 بأنه “اليوم الأكثر سوادا في تاريخ الجمهورية الخامسة”. وظهر برو منفعلا بعدما حاول أحد ضيوفه تبرير موقف المترشح الرئاسي، ليرد عليه مستحضرا “مداهمة فال ديف”، في إشارة إلى الاعتقالات الجماعية التي نفذتها الشرطة الفرنسية في يوليو 1942 بحق آلاف اليهود في باريس، تمهيدا لترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال النازية، قائلا: “وماذا عن مداهمة فال ديف؟ هل نقول أيضا إننا لا نبالي؟”، في مقارنة أراد من خلالها التأكيد على أن مرور الزمن لا يبرر تجاهل الجرائم التاريخية أو الاستهانة بذاكرة ضحاياها.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت يستعد فيه ليسنار لتوسيع حضوره السياسي، بعدما أعلن ترشحه عن حركة “طاقة جديدة”، وهو يشغل إلى جانب رئاسة بلدية كان الشهيرة جنوب فرنسا، رئاسة جمعية رؤساء البلديات الفرنسية أيضا.
التعامل مع ماضي الاستعمار
وتعيد تصريحاته إلى الواجهة الخلافات داخل الطبقة السياسية الفرنسية بشأن التعامل مع ماضي الاستعمار، خصوصا ما يتعلق بحرب التحرير الجزائرية والمجازر التي ارتكبتها السلطات الفرنسية خلال تلك المرحلة، في ظل استمرار المطالب بالاعتراف الرسمي بمسؤولية الدولة عن أحداث 17 أكتوبر 1961.
واللافت أن هذه القضية تزامنت مع تجدد الدعوات في فرنسا إلى الاعتراف بها باعتبارها “جريمة دولة”، بقيادة عدد كبير من رؤساء البلديات الفرنسية.
وفي هذا السياق، دعا عمدة باريس الاشتراكي، إيمانويل غريغوار، إلى الاعتراف الكامل بمسؤولية السلطات الفرنسية عن المجزرة، وإدراج 17 أكتوبر ضمن الأيام الوطنية الرسمية المخصصة لإحياء الذاكرة.
وأكد غريغوار، خلال مراسم إحياء الذكرى في العاصمة الفرنسية، أن ما وقع في تلك الليلة جزء من التاريخ الفرنسي والباريسي، داعيا إلى مواجهة الماضي، حتى عندما يثير الشعور بالخجل.
وتزامنت دعوته مع تحرك جماعي لنحو 33 عمدة فرنسيا طالبوا الدولة بالاعتراف بمجزرة 17 أكتوبر 1961 باعتبارها “جريمة دولة”، وبإقرار يوم وطني لتخليد ذكرى الضحايا، ومواصلة فتح الأرشيفات المرتبطة بالمجزرة وحرب الجزائر، وتسهيل وصول الباحثين والعائلات إليها.
ومن بين الموقعين على هذه المطالب عمدة باريس، وعمدة سان دوني بالي باغايوكو، وعمدة مونتروي باتريس بيساك، وعمدة أوبيرفيلييه سفيان كرومي، إلى جانب رؤساء بلديات أخرى في ضواحي العاصمة الفرنسية.
وعلى المستوى البرلماني، أودع السيناتور الاشتراكي رشيد تمّال وعدد من زملائه، في 15 أكتوبر الجاري، مقترح قانون بمجلس الشيوخ الفرنسي يتعلق بإحياء ذكرى قمع الجزائريين في 17 أكتوبر 1961، في خطوة ترمي إلى تعزيز الطابع الرسمي لإحياء هذه المناسبة.
وكانت الجمعية الوطنية الفرنسية قد أقرت، في 28 مارس 2024، مقترح قرار يدين مجزرة 17 أكتوبر 1961، فيما وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال إحياء الذكرى الستين سنة 2021، الجرائم المرتكبة تحت سلطة محافظ الشرطة موريس بابون بأنها “وقائع لا مبرر لها بالنسبة للجمهورية”.
وسبق للرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند أن أقر، في 17 أكتوبر 2012، بأن جزائريين تظاهروا للمطالبة بحقهم في الاستقلال تعرضوا لقمع دموي.
غير أن رؤساء البلديات المطالبين باعتراف رسمي يعتبرون أن هذه المواقف، على أهميتها، لا تعادل اعترافا صريحا بمسؤولية الدولة الفرنسية عن تنظيم القمع وتنفيذه، وهو ما دفعهم إلى المطالبة بإجراءات رسمية تشمل تخليد الضحايا وتوسيع البحث التاريخي ونقل الوقائع إلى الأجيال الجديدة.
مجزرة مروعة
وتعود أحداث 17 أكتوبر 1961 إلى الأشهر الأخيرة من حرب التحرير الجزائرية، عندما فرضت السلطات الفرنسية في باريس حظر تجول استهدف الجزائريين دون غيرهم، في إجراء ارتبط بمحاولات منعهم من دعم الثورة الجزائرية التي كانت تخوض كفاحها من أجل الاستقلال.
وفي الخامس من أكتوبر 1961، أعلن محافظ الشرطة الفرنسية في باريس موريس بابون قرارا يمنع الجزائريين من التنقل خلال الفترة الممتدة من الساعة الثامنة والنصف مساء إلى الخامسة والنصف صباحا.
وردت جبهة التحرير الوطني الجزائرية في فرنسا بالدعوة إلى تنظيم مظاهرة سلمية في باريس يوم 17 أكتوبر، احتجاجا على الإجراء التمييزي، حيث خرج آلاف الرجال والنساء والأطفال من أصول جزائرية إلى شوارع العاصمة الفرنسية.
وتشير التقديرات التاريخية إلى أن عدد المشاركين تراوح بين 20 ألفا و30 ألف متظاهر، قدموا من أحياء باريس وضواحيها، بينها نانتير، للتعبير عن رفض حظر التجول والمطالبة باستقلال الجزائر.
لكن الشرطة الفرنسية واجهت المظاهرة بقمع واسع، شمل الضرب وإطلاق النار والاعتقالات الجماعية، في مواقع متعددة من العاصمة، بينها جسر نويي والشوارع الكبرى وساحة النجمة وساحة الكونكورد والحي اللاتيني.
ووقعت عمليات توقيف واسعة طالت آلاف الجزائريين، إذ تشير الأرقام التي عرضها عمدة باريس خلال إحياء الذكرى إلى توقيف 11 ألفا و578 شخصا، نقل عدد منهم إلى منشآت رياضية استعملت مراكز للاحتجاز، بينها قصر الرياضات وملعب بيار دو كوبرتان، حيث تعرض معتقلون للضرب في ظروف قاسية.
وتشير تقديرات المؤرخين إلى أن حصيلة الشهداء بلغت عشرات وربما المئات، مع اختلاف الأرقام بحسب الدراسات والوثائق المتاحة. وتتراوح تقديرات متداولة بين نحو 100 و300 قتيل، فيما تحدثت تقديرات أخرى عن سقوط ما لا يقل عن 30 شخصا.
وألقي عدد من الجزائريين في نهر السين، بينما عثر على جثث أخرى في مواقع مختلفة. ومن بين الضحايا الذين ارتبطت أسماؤهم بهذه الأحداث فاطمة بيدار، وهي فتاة جزائرية تبلغ 15 عاما، عثر على جثتها في قناة سان دوني بعد اختفائها عقب مشاركتها في المظاهرة.
“القدس العربي”




